الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وبعد : تكلمت فى المقالتين السابقتين عن تعريف المعازف ، والأحاديث الواردة عنها ، وختمت بحديث هشام بن عمار فى صحيح البخارى . ورددت على النقد الموجه للسند: ١- دعوى اضطراب السند. ٢- إن الحديث مداره على هشام بن عمار وهو متكلم فيه .٣- الحديث معلق ، والمعلق من أقسام الضعيف . ٤- دعوى أن الحديث آحاد ، وحديث الآحاد لايعمل به . فقد فرق بعضهم بين حديث الآحاد والحديث المتواتر ، وقالوا أن حديث الآحاد لاتثبت به عقيدة ، وفرقوا بين أحاديث العقائد وأحاديث الأحكام ، فهل هذا التفريق يوجد به دليل من كتاب وسنة . وقالوا إن حديث الآحاد لايفيد إلا الظن ، والظن الراجح يجب العمل به فى الأحكام اتفاقا ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية والعقيدة. والأدلة على وجوب الأخذ بحديث الآحاد عقيدة وأحكاما كثيرة ، منها ما هو فى القرآن ومنها ما هو فى الحديث . والأدلة كثيرة أكتفى منها بمثالين . من أ القرآن : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ( الحجرات :٦) فهذا يدل – بمفهوم المخالفة – أن العدل إذا جاء بخبر ما فالحجة قائمة به ولايجب التثبت.
من السنة : بوب البخارى فى الصحيح : باب ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق فى الآذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام …. ثم ساق أحاديث مستدلا بها على إجازة خبر الواحد منها : حديث أنس بن مالك رضى الله عنه : أن أهل اليمن قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : ابعث معنا رجلا يعلمنا السنة والإسلام قال : فأخذ بيد أبى عبيدة فقال: هذا أمين هذه الأمة ( متفق عليه،ورواه البخارى مختصرا .)
وقد تكرر ذلك من إرسال النبى صلى الله عليه وسلم الصحابى الواحد ليعلم الناس العقائد والأحكام ….( انظر لمزيد من الأدلة : الحديث حجة بنفسه فى العقائد والأحكام للألبانى) .
قلت: حتى من قال بعدم العمل بحديث الآحاد ، يقصد عدم العمل به فى العقائد ، وحديث المعازف فى الأحكام وليس في العقائد ، لأنه ليس المقصود من ( يستحلون) فيه الاستحلال العقدى على ماأشرت إلى ذلك من قبل .
وأنتقل بإذن الله تعالى – لمتن الحديث ، والنقد الموجه لمتنه والرد عليه أولا : القول بعدم الاتفاق على معنى كلمة المعازف بالتحديد . ولقد سبق أن بينت معنى كلمة المعازف ، وأنها تدور بين آلات اللهو التى يضرب عليها ، وأنها ضرب من الطنابير يتخذه أهل اليمن وأن المعازف اسم بجمع العود والطنبور والدف والقيثارة وماشابههم ( انظر فى ذلك المراجع التالية : تهذيب اللغة للأزهرى ٢/ ٨٦، المخصص لابن سيده ٤/ ١١، شمس العلوم ٧/ ٤٥١٢ ، تاج العروس ٢٤/ ١٥٥ ، ٨/ ٤٣٦، المغرب ١/ ٣١٤، مختار الصحاح ص ٢٠٨، لسان العرب ٩/ ٢٤٤ ، المصباح المنير ٢/ ٤٠٧، معجم اللغة العربية المعاصرة ٢/ ١٤٩٣، ٢٠٤٣، ٣/ ٢١٣٩، معجم لغة الفقهاء ص ٤٣٧) .
٢- ضعف دلالة الاقتران :
دلالة الاقتران هى عطف جملة على جملة،كقوله تعالى: ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) (الأنعام ١٤١).
أو عطف لفظ على لفظ مثل ( واستعينوا بالصبر والصلاة) ( البقرة: ٤٥). وقولهم إن دلالة الاقتران دلالة ضعيفة ، هكذا على الإطلاق غير صحيح ، فقد تكون دلالة الاقتران قوية يحتج بها ، وقد تكون ضعيفة لايحتج بها وذلك عند تعدد الجمل واستقلال كل جملة بنفسها .
أولا : أمثلة تكون فيها دلالة الاقتران قوية يحتج بها، وذلك عندما يجمع بين شيئين أو أكثر بحكم واحد .
١- كقوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) (المائدة : ٣١) فالحكم واحد يشمل الجميع وهو الرجس المعنوى ، والمحكوم عليه متعدد، فالحكم واحد يشمل الجميع وهو الرجس المعنوى ، والمحكوم عليه متعدد . ٢- قوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) ( النور : ٥٦) .دلالة الاقتران قوية وهى الوجوب .
٣- حديث النبى صلى الله عليه وسلم : ثلاث حق على كل مسلم : الغسل يوم الجمعة ، والسواك ، ويمس من طيب إن وجد ( مسند أحمد ، صححه الأرناؤوط والألبانى فى السلسلة الصحيحة). فقد اشترك الثلاثة فى حكم واحد وهو حق على كل مسلم ، فإذا كان السواك والطيب مستحبين كان الثالث وهو اغتسال يوم الجمعة مستحبا ( وهو ما عليه الجمهور) .
ثانيا : أمثلة تكون فيها دلالة الاقتران ضعيفة ، وذلك عند تعدد الجمل واستقلال كل جملة بنفسها . مثل قوله تعالى : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) ( الأنعام : ١٤١) فدلالة الاقتران هنا ضعيفة لاستقلال كل جملة بنفسها وحكمها ، فالأكل من الثمر على الإباحة ، أما الزكاة فهى واجبة .
٢-حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لايبولن أحدكم فى الماء الراكد ، ولايغتسل فيه من الجنابة ) ( مسلم وابن ماجه) إذا كانت العلة هى النجاسة للبول ، فهذا لايشمل اغتسال الجنب لأن المنى طاهر ، فحكم البول يختلف عن حكم المنى .
٣- حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله لاالله وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ……(متفق عليه).
فدلالة الاقتران هنا ضعيفة لأنه ترك الشهادتين كفر بإجماع ، بينما ترك الصلاة والزكاة ، فالجمهور على أنه لاكفر إلا بالجحود .
ونعود لحديث المعازف ، فهل دلالة الاقتران فيه قوية أم ضعيفة ؟.
ليكونن من أمتى أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف . على ضوء مابينت فى نوعى دلالة الاقتران من حيث القوة والضعف ، نجد أن دلالة الاقتران فى الحديث هنا قوية ، لأن المذكورات فى الحديث يشملها حكم واحد .
فقوله صلى الله عليه وسلم : يستحلون ، معناه أن المذكورات ليست حلالا ، وإنما هى محرمات ، ولو لم تكن حراما ما قال : يستحلون ، وكل من الزنا، والخمر ،والحرير – على الرجال- محرمات نصا وإجماعا .
ثالثا:قولهم أن الاستحلال اعتقاد أن ذلك حلال.
الاستحلال هو أن يقول مثلا : أعلم أن الخمر حرام ولكنى سأشربها ، والزنا حرام ولكنى سأفعله .
فهذا لاشك أنه يكفر – بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع والاستتابة ، لأنه من استحل ما علم من الشرع تحريمه ، فقد كذّب الله تعالى ، وكذّب رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به وبلغ عن ربه سبحانه وتعالى . يقول ابن تيمية عن الاستحلال فى الحديث : فإنهم لو استحلوها مع اعتقادهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرمها كانوا كفارا ولم يكونوا من أمته ….. فيشبه أن يكون استحلالهم الخمر ، يعنى أنهم يسمونها بغير اسمها كما فى الحديث ، فيشربون الأشربة المحرمة ولايسمونها خمرا ، واستحلالهم المعازف باعتقادهم أن آلات اللهو مجرد سماع صوت فيه لذة ، وهذا لايحرم كألحان الطيور ، واستحلال الحرير وسائر أنواعه بإعتقادهم أنه حلال للمقاتلة ( للجنود) وقد سمعوا أنه يباح لبسه عند القتال ، فقاسوا سائر أحوالهم على تلك ….( ابن تيمية : إبطال التحليل ص ٢٠-٢١ ، نقلا عن تحريم آلات الطرب للألبانى ص ٩٧) .
وهذا المعنى الاصطلاحى – للاستحلال – جاء بعد عصر النبى صلى الله عليه وسلم ،ككل الاصطلاحات التى جاءت بعد عصر النبى صلى الله عليه وسلم ، ككلمة سنة فى أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم صارت بعد ذلك اصطلاحا مرادفة للمستحب .
وإصرار المسلم على الذنب لايدل على الاستحلال إن اعتقد التحريم ولكن تغلبه شهوته ، وإن كان قد وقع فى كبيرة من الكبائر .
فالمسلم الذى يستحل أى شئ حرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فهو مكذب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس المذكور فقط فى حديث المعازف .
رابعا- القول أن الحرمة فى الحديث من اقتران المذكورات فى الحديث مع بعضها البعض . فالقاعدة أنه لايجمع بين مباح ومحرم فى الوعيد .
يقول السمعانى : لايصح الجمع بين شيئين في الوعيد إلا وأن يكون كل واحد منهما يستحق عليه الوعيد ( قواطع الأدلة للسمعانى ١/٤٦٥ ).
وهذا باطل ، وإلا كان الزنا وشرب الخمر فى الحديث ليسا بمحرمين إلا عند اقترانهما بباقى المذكورات فى الحديث . فكل من المذكورات الاربعة فى الحديث هو حرام بمفرده . وكذلك قولهم أن الوعيد على شرب الخمر وأن المعازف مكملة ، هو كسابقه قول باطل .
يقول الشوكانى ، بعد أن ذكر أقوال المجوزين لسماع المعازف: أنه يحتمل أن تكون المعازف المنصوص على تحريمها هى المقترنة بشرب الخمر ، كما ثبت فى رواية بلفظ : ليشربن أناس من أمتى الخمر تروح عليهم القيان وتغدو عليهم المعازف . ويجاب : بأن الاقتران لايدل على أن المحرم هو الجمع فقط ، وإلا لزم أن الزنا المصرح به فى الحديث لايحرم إلا عند شرب الخمر واستعمال المعازف ، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله ( نيل الأوطار ٨/١١٦ ) .
ففى الحديث قرن الأربعة تحت حكم واحد: يستحلون . فلا يصح حملها على المجموع كله دون أفراد المذكورات .
قال الله تعالى : والذين لايدعون مع الله إلها آخر ولايقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ( الفرقان : ٦٨). فهل نقول أن التحريم المذكور فى الآية يكون عند اقتران المذكورات فى الآية مع بعضها البعض ،هذا لايقوله عاقل على الاطلاق . وكذلك قوله تعالى: إنه كان لايؤمن بالله العظيم ولايحض على طعام المسكين ( الحاقة – ٣٣-٣٤) .أنه لايحرّم عدم الإيمان بالله إلا عند عدم الحض على طعام المسكين.
وللحديث بقية، والحمدلله رب العالمين
