حجاب المرأة المسلمة (52)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وبعد : مازال حديثنا متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الاولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن والسنة ، ووصلت فى الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم إلى الأثر العاشر .

١٠- عن قيس بن أبى حازم قال : دخلت أنا وأبى على أبى بكر رضى الله عنه فى مرضه ، وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم ، عنده أسماء بنت عميس رضى الله عنها ، وهى امرأة بيضاء موشومة اليدين ، وكانوا وشموها فى الجاهلية نحو وشم البربر …. ( المعجم الكبير للطبراني ٢٤/ ١٣١، والطبري فى تهذيب الآثار ١/ ١١٤ ، وقال الألبانى: إسناده صحيح ، انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٦) . الاستدلال من الأثر : 

١- وهى امرأة بيضاء : ربما يكون وصف لونها من يديها أو من وجهها ،فهذا على الاحتمال. 

٢- أسماء بنت عميس رضى الله عنها : ليست من القواعد من النساء فقد تزوجت على بن أبى طالب رضى الله عنه بعد وفاة ألى بكر رضى الله عنه وأنجبت له ( انظر تقريب التهذيب ت ٨٥٣١، سير أعلام النبلاء ٢/ ١٢٨٢ ) . 

٣- وشموها فى الجاهلية : يبدو أن الوشم كان على الكفين لأنها رضى الله عنها لن تبدي أكثر من ذلك من يديها ، فهل هذا يرجح أن وصف البياض كان لرؤية وجهها لأن الكفين كانا مغطيان بالوشم؟ ( ومن المعلوم أن الوشم حرام ، لكن وشمها كان فى الجاهلية ويصعب إزالته ) . وقد استدل الألبانى بالأثر على جواز كشف الوجه والكفين . ١١- عن أبى السليل قال : جاءت ابنة أبى ذر رضى الله عنه وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ….. ( حلية الأولياء ١/ ١٦٤ ، قال الألبانى : إسناده جيد فى الشواهد ، انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٧ ) . الاستدلال من الأثر : ١- ابنة أبى ذر : لم أقف على عمرها ، هل كانت صغيرة لم تبلغ الحلم بعد ، أم كانت كبيرة ؟. ٢- سفعاء الخدين : كانت كاشفة عن وجهها . ( وقد أورده الألبانى فى أدلة وشواهد جواز كشف الوجه ) – لكن يبقى الأثر على الاحتمال لعدم الوقوف على عمرها . 

١٢- عن قبيصة بن جابر قال : كنا نشارك المرأة فى السورة من القرآن نتعلمها ، فانطلقت مع عجوز من بنى أسد إلى ابن مسعود رضى الله عنه فى بيته فى ثلاث نفر ، فرأى جبينها يبرق ، فقال : أتحلقينه ….. ( أخرجه أبو داوود ح ٤١٦٩ ، وابن حبان بنحوه ح ٥٤٨١ ، انظر السلسلة الصحيحة للألبانى حديث ٢٧٩٢ ، وآداب الزفاف ص ٢٠٤ ، وقال : سنده حسن ) . الاستدلال من الأثر : ١- عجوز من بنى أسد :من القواعد من النساء : وقد أورده الألبانى فى شواهده على كشف الوجه ، ومن المؤكد أنه لم يخف عليه أنها من القواعد ، فربما أتى به استئناسا على جواز كشف الوجه وأن هذا كان معروفا عند النساء ولو كانت من القواعد . ١٣- عن أبى أسماء الرحبي أنه دخل على أبى ذر رضى الله عنه وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مشبعة ……. وفى رواية : وتحته امرأة له سحماء . ( مسند احمد ح ٢١٤١٦، وقال الأرناؤط : إسناده صحيح ، وكذا قال الألبانى سنده صحيح : جلباب المرأة المسلمة ص ٩٨ ) . 

الاستدلال من الأثر : ١- امرأة له سوداء مشبعة – سحماء -:سوداء فهى كانت كاشفة عن وجهها ، فالسواد ليس وصفا لملابسها ، لوصفها بسحماء أى سوداء . 

٢- هل كانت من القواعد من النساء : لم أقف على عمرها ( وقد أورده الألبانى فى شواهده على جواز كشف الوجه ، انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٨ ) . 

١٤- عن عطية قال : رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا ، وامرأة تحمل فى محفة حتى صارت إليه ، فقال الناس : هذه أمه – أسماء رضى الله عنها – فرأيتها مسفرة الوجه مبتسمة …. ( تاريخ دمشق لابن عساكر ح ٨٧٠٣ ، وأورده الالبانى فى الشواهد على جواز كشف الوجه ص ٩٨ – جلباب المرأة المسلمة – ) .

الاستدلال من الأثر : ١- وامرأة تحمل فى محفة : كانت أسماء تجاوزت المائة من عمرها ، فهى من القواعد من النساء ، فلادليل فيه على جواز كشف الوجه . ولاشك أن هذا لايخفى على الألبانى ، وظنى – كماذكرت فى الأثر الثانى عشر – أنه يريد بإيراده فى شواهده الاستدلال به على أن كشف الوجه كان معروفا بين النساء . ١٥- عن ميمون بن مهران قال : دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها ، قال : وكان فيه قصر فوصلته بسير …. ( تاريخ دمشق لابن عساكر ٧٠ / ١٥٨ ، وأورده الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة ص ١٠٢- ١٠٣ ، من ضمن الآثار التى استدل بها على جواز كشف الوجه والكفين ، وقال : وهذا إسناده صحيح ) . الاستدلال من الأثر : ١- أم الدرداء : طال عمرها واشتهرت بالعلم والفقه والعمل والزهد ، وهى أم الدرداء الصغرى ، وكان لها جمال وحسن وعاشت حتى أيام عبد الملك بن مروان وحجت فى عام إحدى وثمانين . يقول الحافظ ابن حجر : لا أعلم لها خبرا يدل على صحبه ولارؤيه ( انظر الإصابة ٨ / ١٢٣ – ١٢٤) . ٢- ميمون بن مهران : تابعى ، قيل إن مولده عام موت علي رضى الله عنه سنة أربعين وتوفى عام مائة وسبعة وعشرة . ولم أقف على تاريخ مولد أم الدرداء الصغرى ، لكن بالنظر إلى تاريخى مولد ووفاة ميمون يجعلنى أرجح أنه دخل عليها عندما تقدمت فى السن وصارت من القواعد . الخاتمة : بعد أن انتهيت بفضل الله تعالى على مدى هذه الشهور – اثنتان وخمسون مقالة – من استعراض ما وقفت عليه من أدلة الحجاب من القرآن ومن السنة ومن الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم ،انتهيت إلى ما يلي : ١. طرحت ما أميل إليه شخصيا فى مسألة النقاب جانبا ، لأن الميل الشخصى يحدث عوارا وخللا فى البحث العلمى واستخدمت قرائن السياق بمفهومها الشامل والواسع من نصوص سابقة ولاحقة ونصوص منفصلة عن النص موضع الدراسة لكنها متعلقة به بشكل أو بآخر ، قرائن لفظية متصلة بالنص ومنفصلة عنه ، وقرائن غير لفظية ( حالية ) متصلة بالخطاب ومنفصلة عنه ، أسباب نزول الآيات ، أسباب ورود الأحاديث ، بيئة الخطاب ، عادات المخاطبين ، معانى الألفاظ – إلى غير ذلك ومقاصد التشريع ، والمصالح المرسلة ، واعتبار المآلات …. إلى غير ذلك . 

٢- الحجاب فريضة من الله تعالى على المرأة ، ليس لها الخيار أن ترتديه أو لا ترتديه ، وأن ترك الحجاب والتبرج كبيرة من الكبائر باتفاق أهل العلم ، وقد حرم الله على المرأة التبرج وعدم الحجاب ، والأصل فى النهى التحريم ، ولادليل أو قرينة تنزل به من التحريم إلى الكراهة ، ولقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم المتبرجات الكاسيات العاريات وأنهن لن يدخلن الجنة ولن بجدن ريحها – كما فى الحديث بصحيح مسلم . وأن على المرأة والفتاة أن لانغتر بكثرة التبرج المنتشر فى المجتمعات الإسلامية الآن ، أو تغتر بمن ينسب إلى العلم ويطعن فى فرضية الحجاب . ٣- النقاب من الشرع وليس كما يقول بعضهم الآن أن النقاب ليس له أصل فى الشرع وأنه عادة يهودية أو أنه بدعة . ٤- الخلاف فى وجوب النقاب أو استحبابه خلاف قديم بين العلماء ، وليس كما ذهب بعضهم إلى القول بأن النقاب أجمع عليه العلماء والفقهاء من سلف الأمة وأنه ليس فيه خلاف على الإطلاق، ووصل الحال ببعضهم أنه وصف من ذكر الخلاف وقال بجواز كشف الوجه والكفين ،أنه وصفه بالبدعة والجهل والهوى ، وبعضهم ادعى أن الشيخ الألبانى هو من تفرد بهذا الرأى على مدى تاريخ الأمة . ٥- أن البحث العلمى له أدواته ، التى ينبغى التمكن منها قبل الخوض فى أى مسألة علمية ، خاصة المسائل الخلافية . وإن على الباحث تجنب الانحياز إلى رأى قبل الدخول فى بحث الأدلة ، فهذا خلل فى البحث سيؤدى إلى تبنيك ما تميل إليه وطرح أى دليل أو قول يخالف ما تتبناه سابقا قبل بحث المسألة . ٧- وأخيرا فإن استعراضى لأدلة الحجاب على مدى هذه المقالات لأكثر من أربع سنوات كان الهدف منه والذى حددته منذ المقالة الأولى . أن أقف – بحيادية وتجرد – على الدليل والاستدلال الذى ورد في مسألة الحجاب، وهل حقا يوجد خلاف مشروع وسائغ فى تغطية الوجه أو كشفه أولايوجد خلاف ، ولعل القارئ الآن يريد منى أن أعطيه خلاصة رأيي فى سطر أو سطرين وهذا لن أفعله ، وليس هو هدفى من هذه الدراسة الطويلة المتأنية حول أدلة الحجاب ، فإذا أردت أن تكوّن رأيا علميا بعيدا عن العاطفة والانفعال فعليك ان تطالع الاثنين والخمسين مقالا بهدوء وروية بعيدا عن تعصبك لرأي، ولك ان ترجح ما تعتقده أو تميل إليه. 

والحمد لله أولا وآخرا ،والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين .

ملحوظة : سنعمل بإذن الله تعالى على طباعة هذه المقالات في كتاب .