الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبى بعده ، وبعد : مازال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن وأدلة السنة ، وبدأت فى الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم ، ووصلت إلى الأثر الثامن : عن أنس رضى الله عنه قال : دخلت أمة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أوالأنصار وعليها جلباب متقنعة به ، فسألها أعتقت ؟ قالت : لا. قال فما بال الجلباب ؟ ضعيه عن رأسك ،إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين، فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها ( مصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٢٣١، صححه الحافظ فى الدراية ١/ ١٢٤ ،وقال الألبانى وهذا إسناد جيد ، انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٩ ، وصححه في الإرواء ح ١٧٩٦) وله رواية أخرى أخرجها عبد الرازق فى المصنف عن أنس رضى الله عنه : رأى عمر – رضى الله عنه – أمة لنا متقنعة فضربها ، وقال لاتتشبهى بالحرائر ( وقال ابن حجر إسناده صحيح ، وكذلك صححه الألبانى انظر السابق) . القرائن حول الأثر : ١- قد كان يعرفها : بم كان يعرفها عمر قبل هذه الواقعة ، لاشك أنه كان يعرفها بوجهها،أم بشئ آخر ؟
٢- عليها جلباب ، الجلباب أمر الله تعالى بإدناءه إذا خرجت المرأة من بيتها أو عندما تتعامل مع من ليس من محارمها على التأبيد ، قال تعالى : (ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما )( الأحزاب ٥٩) ٣- متقنعة به : هل كانت تغطى وجهها به فإن كان ذلك فكيف عرفها عمر رضى الله عنه ، هل عرفها بصفة ما فى هيئتها ، كما عرف سودة رضى الله عنها أم المؤمنين عندما خرجت منتقبة لبعض حاجتها ، أم عرفها بوجهها . يبقى هذا على الاحتمال لكلا الفريقين ، من قال بوجوب تغطية الوجه ، قال كانت : متقنعة بالجلباب أى تغطى به وجهها ، ومن قال بعدم وجوب تغطية الوجه ، قال بل كانت كاشفة عن وجهها وبهذا عرفها عمر ، وليس معنى التقنع هو تغطية الوجه . يقول الألبانى : أن عمر رضى الله عنه عرف هذه الأمة مع أنها كانت متقنعة بالجلباب أى متغطية به ، وذلك يعنى بكل وضوح أن وجهها كان ظاهرا وإلا لم يعرفها ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٩ ) .
سبق أن ذكرت معنى القناع -فى مقال محرم ١٤٤٣- وخلاصة ما وصلت إليه أن التقنع هو تغطية الرأس ، وقد يكون لتغطية الرأس والوجه ، وقد يكون لتغطية الوجه فقط .فهو من قبيل المشترك اللفظى – أى الكلمة التى لها عدة معان – وحمل الكلمة على معنى واحد من معانيها يحتاج إلى دليل،
٣- فما بال الجلباب ؟ ضعيه عن رأسك : قول عمر رضى الله عنها للأمة ضعيه عن رأسك ، قد يكون لصالح من ذهب إلى أن المرأة لم تكن تغطى وجهها ، وإلا فإن الأولى لعمر أن يقول لها ضعيه عن وجهك
. ٤- إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين : يقول الألبانى : فقول عمر رضى الله عنه :إنما الجلباب على الحرائر ،دليل واضح جدا أن الجلباب ليس من شرطه عند عمر أن يغطى الوجه ، فلو أن النساء -كل النساء – كن فى العهد الأول يسترن وجوههن بالجلابيب ما قال عمر رضى الله عنه ما قال ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٩ ) .
قلت: والدليل على الاحتمال وليس قطعى الدلالة ، وإن كان الأقرب أن الأمة كانت كاشفة عن وجهها ، أولا : لمعرفة عمر رضى الله عنها لما رآها . ثانيا : أمر عمر رضى الله عنه للأمة بأن تضع الجلباب عن رأسها ، وليس هناك ذكر للوجه .
٥- هل تختلف الحرة عن الأمة المسلمة فى الملبس ؟ لقد أورد الكثير من المفسرين أن هناك فرقا بين الحرة والأمة فى الملبس ، بعد ذكر قوله تعالى : ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما ( الاحزاب ٥٩ )، وأن الله أمر الحرائر بإدناء جلابيبهن للتفرقة بينهن وبين الإماء حتى لايتعرض لهن الفساق . والرواية التى وردت فى هذا الصدد ، أوردها ابن سعد فى الطبقات : أخبرنا محمد بن عمر بن أبى سبرة ، عن أبى صخر عن ابن كعب القرظى ، قال : كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن ، فإذا قيل له ؟ قال : كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زى الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن . قال الألبانى : لايصح ، ففى سنده ابن أبى سبرة ، وهو ضعيف جدا ، وكذلك محمد بن عمر – الواقدى – وهو متروك . ثم قال : وفى معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطى فى الدر المنثور ، وبعضها عن ابن جرير وغيره ، وكلها مرسلة لاتصح ، لأن منتهاها إلى ابن مالك وأبى صالح والكلبى ومعاوية بن قرة والحسن البصرى ، ولم يأت شئ منها مسندا ، فلا يحتج بها ، لاسيما وظاهرها مما لاتقبله الشريعة المطهرة ، ولا العقول النيرة ، لأن توهم أن الله تعالى أمر إماء المسلمين – وفيهن مسلمات قطعا – على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهم ، ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) بالحرائر دون الإماء ، وبنوا على ذلك أنه لايجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر ، بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل من السرة إلى الركبة ….. وهذا مع أنه لادليل عليه من كتاب أو سنة مخالف لعموم قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) ثم نقل قول أبي حيان الأندلسي فى تفسيره البحر المحيط : والظاهر أن قوله ( ونساء المؤمنين ) يشمل الحرائر والإماء ، والفتنة بالإماء أكثر ، لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر ، فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٠-٩٦) . وقد هاجم ابن حزم أقوال المفسرين الذين ذهبوا إلى التفرقة بين الحرة والأمة فى الملابس ، ومما قال : فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة ، كل ذلك فى الحرائر والإماء سواء ، حتى يأتى نص فى الفرق بينهما فى شئ فيتوقف عنده …. ( انظر. كلامه فى المحلى ٢/ ٢٤٨ – ٢٤٩ ) .ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وليس فى الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ، ولاترك احتجابهن وإبداء زينتهن ، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر به الحرائر ، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام ، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء …. ثم قال : فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع عن ذلك ( انظر حجاب المرأة المسلمة ولباسها فى الصلاة ص ٣٨-٣٩) .
الأثر التاسع : عن عطاء بن رباح قال : قال لى ابن عباس : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى . قال : هذه المرأة السوداء ، أتت النبى صلى الله عليه وسلم ، قالت : إنى أصرع وإنى أتكشف فادع الله أن يشفينى . قال : إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبرى ولاحساب عليك . قالت : بل أصبر ولاحساب علي . ثم قالت : إنى أتكشف فادع الله أن لاأتكشف ، فدعا لها ، وعن ابن جريج : أخبرنى عطاء : أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة ( البخارى ومسلم واحمد وغيرهم ).
اختلف فى هذه المرأة ، هل هى ماشطة خديجة رضى الله عنها ، أم غيرها فذهب فريق من أهل العلم إلى أنهما واحدة ، وذهب فريق إلى أنهما اثنتان ( انظر عمدة القارى ٢١/ ٢١٤ ، غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوالى ١/ ٢٩١ ، أسد الغابة ٧/ ٣٢٢ ، تهذيب الكمال ٣٥/ ٣٦١ ، تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٧٠ ، الإصابة ٨/ ٣٩٤-٣٩٦) قلت : إن كانت هى ماشطة خديجة رضى الله عنها وعاشت إلى زمن عطاء ، فلاشك أنها من القواعد حين رآها عطاء ، وإن كانت امرأة اخرى ورآها ابن عباس رضى الله عنهما وعاشت إلى زمن عطاء فهى أيضا من القواعد . والسؤال : متى رآها ابن عباس ، قبل نزول الحجاب أم بعده ، وكم كان عمرها حين رآها ابن عباس . وهذه الأسئلة تجعل الأثر الذى استدل به الشيخ الألبانى على جواز كشف الوجه على الاحتمال فقط . والله أعلم وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
