حجاب المرأة المسلمة (45)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وبعد : ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ،وقد قسمت أدلة الحجاب ألى ثلاث مجموعات ،:المجموعة الأولى :أدلة القرآن المجموعة الثانية : أدلة السنة المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن وأدلة السنة ، وبدأت في الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم ، ووصلت إلى الأثر الخامس . الأثر الخامس: عن عاصم الأحول قال :كنا ندخل على حفصة بنت سيرين (من التابعيات ) وقد جعلت الجلباب هكذا وتنقبت به ،فنقول لهارحمك الله ، قال الله تعالى : والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( النور٦٠ ) هو الجلباب ، قال فتقول لنا أي شئ بعد ذلك ؟ فنقول:(وأن يستعففن خير لهن) (. النور :٦٠) فتقول : هو إثبات الجلباب ( السنن الكبرى للبيهقى ح ١٣٥٣٤، وقال الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص١١٠وهذا إسناد صحيح ) .

وقد استدل بالأثر من قال بوجوب تغطية الوجه .يقول د.العريفى : استدل بالأثر من قال بوجوب النقاب ،وأن المرأة الكبيرة في السن يجوز لها أن تكشف وجهها من غير تبرج بزينة ،فلو جاء أحدهم وقال : لا أصلا كل النساء يكشفن وجوههن فنقول : إذاً المرأة الكبيرة في السن أذن الله لها أن تكشف ماذا ؟ إذا كانت لن تكشف وجهها لأن كل النساء يكشفن وجوههن ،إذاً فأي شئ زائد أذن الله لها أن تكشف هذه المرأة العجوز .

والمعنى :أن النساء الأصل أن يسترن وجوههن ،والمرأة العجوز أذن لها أن تكشف وجهها ( انظر ٢٠ دليلا لوجوب النقاب د. العريفى ص٨) .

القرائن حول الأثر : فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن . أي ليس عليهن إثم أن يضعن ثيابهن . فهل معنى وضع الثياب هو خلع النقاب عن الوجه ؟

يقول الطبرى : …..يضعن ثيابهن : يعنى جلابيبهن ، وهو القناع الذى يكون فوق الخمار ، والرداء الذى يكون فوق الثياب .

٢. أثر ابن عباس رضى الله عنهما : لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ، ما لم تتبرج لما يكره الله ( انظر تفسير الطبرى ٢١٥/١٩-٢١٨).وعن الضحاك : يضعن ثيابهن : يعنى الجلباب وهو القناع…. فلا يضرها أن لاتجلبب فوق الخمار ،وأما كل امرأة مسلمة حرة فعليها إذا بلغت المحيض أن تدنى الجلباب على الخمار … وعن ابن جريج :قال:جلابيبهن.

وعن ابن زيد :قال :وضع الخمار ( انظر السابق) 

٣. أثر ابن مسعود رضى الله عنه عن وضع الثياب قال : الجلباب أو الرداء ، وفى رواية الرداء ، وفى رواية الملحفة ، وفى رواية الجلباب وعن الشعبي قال :الجلباب وعن مجاهد قال:جلابيبهن … 

فيتلخص لدينا مما نقله الطبرى في تفسيره أن وضع الثياب بمعنى : الجلباب ، القناع ، الرداء ، الخمار ( انظر السابق).

وفى تفسير القرطبي : العرب تقول امرأة واضع : التي كبرت فوضعت خمارها، ونقل عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أنه الجلباب ،ونقل عن بعضهم : لو بدا شعرها فلا بأس، فعلى هذا يجوز لهاوضع الخمار .ثم قال والصحيح أنها ( القاعد) كالشابة فى التسترإلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذى يكون فوق الدرع والخمار ( انظر تفسير القرطبي ٣٠٨/١٢-٣٠٩) .وكذلك ذكر ابن كثير أن وضع الثياب : الجلباب أو الرداء ( انظر تفسير ابن كثير ٨٣/٦-٨٤).

وبهذا قال قدامى المفسرين عن معنى وضع الثياب.( انظر تفسير مقاتل بن سليمان ٢٠٨/٣، تفسير ابن وهب ٨٩/٢، تفسير يحيى بن سلام ٤٦١/١، تفسير الزجاج ٥٣/٤، تفسير ابن أبى حاتم ٢٦٣٩/٨-٢٦٤٢، تفسير الماتريدى ٥٩٣/٧، تفسير الماوردى ١٢١/٤-١٢٢). فلم أقف فى هذه التفاسير على تفسير وضع الثياب بالنقاب، وأن ما جاء فى معنى وضع الثياب عند هؤلاء المفسرين يدور بين :الجلباب ،الرداء ،القناع ،الخمار ،الملحفة .

فمن ذهب إلى أن معنى وضع الثياب في الآية هو النقاب ، احتج بقول من قال أن وضع الثياب هو القناع ، والقناع هو غطاء الوجه ، وقد سبق أن بينت معنى القناع لغة عند العرب ، وأنه فيما اطلعت عليه من كتب اللغة لا يكون مرادفا للنقاب، بل قالوا هو ما تقنع به المرأة رأسها ( انظر مقاييس اللغة ٣٣/٥، المحكم ٢٢٨/١ ، شمس العلوم ٥٦٣٩/٨ ، النهاية فى غريب الحديث والأثر ١١٤/٤ ، لسان العرب ٣٠٠/٨-٣٠١) .

قد يقال القناع هو ما تغطى به المرأة رأسها ويكون الوجه تابعا للرأس فى التغطية ، لكن يبقى هذا على الاحتمال. عموما الاية ليست نصا قطعيا فى وجوب تغطية الوجه ( النقاب ) أو عدم وجوبه ، وإنما هي تتكلم عن القواعد من النساء ( كبيرات السن )ويستنبط منها – بمفهوم المخالفة- نهى المرأة الشابة عن التبرج ، مما يجعل الآية دليلا على أدلة الحجاب على عمومه ، وليست الآية فى خصوص النقاب . والله أعلم. 

الأثر السادس : قال ابن هشام – رحمه الله – وذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبى عون ، قال : كان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قد أتت بجلب لها ( ما يجلب للأسواق ليباع فيها ) ، فباعته بسوق بنى قينقاع وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها …. القرائن حول الأثر : ١- سند الأثر : منقطع من أعلى السند وأسفله ، فعبدالله بن جعفر الذى روى عن ابن هشام ، لم يلتق به ، فالسند معلق ، ومن ناحية أخرى فهو مرسل لأن ابن عون تابعي صغير توفى ١١٦ لم يدرك الواقعة . ( وضعفه الألباني فى دفاع عن الحديث النبوي ص ٢٦-٢٧،تخريج فقه السيرة ص ٢٤١).

وقد ساقه البوطى كدليل من أدلة وجوب النقاب ، وقال : وهو يدل على أن الحجاب الذى شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا ، وإلا لم يكن هنالك أى حاجة إلى أن تسير هذه المرأة فى الطريق ساترة وجهها ، ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقا لحكم ديني يأمرها بذلك ، لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا ، لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الديني الذى كان يبدو جليا فى مظهرها …. ثم قال : وقد يقال فى هذه القصة التي تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين ، فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم، إلا أنه يشهد لها أحاديث كثيرة أخرى ثابتة لا مجال للطعن فيها ( انظر فقه السيرة للسيوطى ص ١٦٨-١٦٩) .

٢- تاريخ غزوة بنى قينقاع: هل كانت قبل الأحزاب التي نزل فيها الأمر بالحجاب أم بعدها ؟ فلو افترضنا صحة الأثر _وهو ضعيف كما رأينا_ فإن غزوة بنى قينقاع كانت قبل الأحزاب. فنقاب المرأة فى الأثر لم يكن أمرا دينيا لابد من التزامه وإنما كان تعففا من المرأة ، لأن آيات الحجاب لم تكن قد نزلت بعد . 

الأثر السابع : قال العجلى : كانت امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج ، فنظرت يوما إلى وجهها فى المرآة فقالت لزوجها : أترى يرى أحد هذا الوجه لايفتن به ؟ قال نعم : قالت : من ؟ قال : عبيد بن عمير ،قالت: فأذن لى فيه فلأفتنه . قال قد أذنت لك . قال :فأتته كالمستفتية ؛ فخلا معها فى ناحية من المسجد الحرام ، قال : فأسفرت عن مثل فلقة القمر ، فقال لها يا أمة الله : فقالت : إنى قد فتنت بك فانظر فى أمرى….( الثقات للعجلي ترجمة ١٠٨٢) .

قال التويجري : يستفاد من إنكار عبيد بن عمير على المرأة الجميلة لما أسفرت بوجهها عنده أن التابعين كانوا يرون أن سفور النساء من المنكرات ( الصارم المشهور ص١٧٧).

القرائن حول الأثر : ١- السند: لم أقف عليه مسندا وإنما ذكره العجلى فى الثقات بدون إسناد . وبين ميلاد العجلى ووفاة عبيد بن عمير أكثر من مائة سنة .

٢- لو تساهلنا فى سند القصة ، فهى تدل على مشروعية النقاب ، أو على وجوبه للمرأة الجميلة التى يفتن بها الناس إن نظروا إليها كما قال بذلك بعض أهل العلم .

٣- إنكار عبيد بن عمير على المرأة هل كان لكشفها وجهها ، أو لقولها إنها قد فتنت به ، يحتمل الأمران وإن كان وعظه الشديد لها جاء بعد قولها أنها قد فتنت به.

٤- استبعاد أن يحدث هذا فى عصر التابعين ، وأن يأذن رجل فى زمن التابعين لزوجته أن تتعرض لرجل من أهل العلم من أجل أن تفتنه بجمالها !

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين