حجاب المرأة المسلمة (42) 

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خير المرسلين , وبعد: ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى :أدلة القرآن. المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة: الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث الحادى والعشرين وهو حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها :…. فتنكرت وتنقبت فذهبت , فنظر رسول الله إلى عينى فعرفنى ….. ( سنن ابن ماجه وغيره) . 

القرائن حول الحديث: 1- سند الحديث : ذكرت أن الحديث عند ابن ماجة فيه ثلاث رواة ضعفاء , وقد ضعفه البوصيرى فى مصباح الزجاجة انظر ح710) 2- 

وأخرج الحديث ابن سعد فى الطبقات , وسنده ضعيف لانقطاع بين عبدالرحمن بن أبى الرجال وعبدالله بن عمر رضى الله عنهما ( انظر الطبقات 8/125) ،وأخرجه بسند آخر وفيه محمد بن عمر الواقدى وهو متروك ( انظر السابق 8/126). وقد ضعف الحديث الألبانى : الضعيفة 12/961 , سنن ابن ماجة ح 1980, وكذلك ضعفه الأرناؤوط فى سنن ابن ماجة ) .

وقوى التويجرى الحديث بالشاهد المرسل عن عطاء , واستدل به على النقاب فقال : … تستر نساء الصحابة عن الرجال الأجانب وتغطيتهن وجوههن عنهم , ولهذا لما جاءت عائشة رضى الله عنها تنظر إلى صفية , جاءت فى صورة امرأة أجنبية لتخفى نفسها على النبى صلى الله عليه وسلم , فعرفها النبى صلى الله عليه وسلم بعينها … ولم ينكر عليها تغطية وجهها والتزين بزى المرأة الأجنبية (انظر الصارم المشهور صـــ 89)والحديث كما سبق ضعيف لايصلح للإحتجاج به، والمتن يتعلق بأم المؤمنين عائشة رضى الله عنها .

3- فتنكرت وتنقبت : النقاب فرض على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها , فالتنكر إذن لاعلاقة له بنقابها , وإنما يحمل التنكر على تغيير هيئتها وتغيير زيها المعهود بزى آخر , حتى لايعرفها النبى صلى الله عليه وسلم . أما قول الشيخ التويجرى : لم ينكر عليها تغطية وجهها . قلت : فكيف ينكر عليها ما هو فرض عليها ؟ الحديث الثانى والعشرون : عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال : قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم –يعنى ميتا- فلما فرغنا، انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه , فلما حاذى بابه , وقف , فإذا نحن بامرأة مقبلة , قال : أظنه عرفها , فلما ذهبت , إذا هى فاطمة عليها السلام , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أخرجك يا فاطمة من بيتك ؟ قالت: أتيت يارسول الله أهل هذا البيت , فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلعلك بلغت معهم الكدى ( المقابر) قالت : معاذ الله , وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر . قال : لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ( سنن أبى داوود والنسائى ومسند أحمد وغيرهم ) .

القرائن حول الحديث : 1- السند مداره على ربيعة بن سيف المعافرى :ابن ماتع , وقد تفرد برواية هذا الحديث , وحاله لايحتمل تفرده , فالحديث ضعيف , وقد ضعفه النسائى فى السنن ح 1880هــ , والأرناؤوط فى المسند ح6574, والألبانى فى التعليقات الحسان ح 3167 , وسنن أبى داوود ح 560 وفى الضعيفة 14/131. قال هو منكر جدا عندى .

2- لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك . هذا القول فيه نكارة بعدم دخولها الجنة لو زارت المقابر ( وزيارة المقابر للنساء فيها خلاف بين أهل العلم , والراجح جوازها بضوابط … ) 3- لو صح الحديث فإن الإستدلال به يكون على مشروعية النقاب وليس على وجوبه , ومشروعية النقاب ليست محلا للخلاف بين القائلين بوجوبه والقائلين باستحبابه ( والحديث استدل به الشيخ التويجرى على مشروعية الاحتجاب للنساء , انظر الصارم المشهور صـــ 90) فوائد : زيارة النساء للمقابر : الجمهور على جوازها ولهم أدلتهم ( انظر فتح البارى 3/149,148) .

اتباع النساء للجنائز: الجمهور على أن نهى النساء عن اتباع الجنائز للكراهة وليس للتحريم ( انظر فتح البارى 3/145،وأقوال العلماء فى ذلك ) .

الحديث الثالث والعشرون: عن أسامة بن زيد رضى الله عنه أن أباه قال: كسانى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية ( ثياب تصنع فى مصر وتنسب إلى القبط وهم من يسكن مصر ) كثيفة . كانت مما أهداها دحية الكلبى , فكسوتها امرأتى , فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك لم تلبس القبطية ؟ قلت : يارسول الله , كسوتها امرأتى فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرها فلتجعل تحتها غلالة ( مايلبس تحت الثوب ) إنى أخاف أن تصف حجم عظامها ( مسند أحمد وغيره ) – وقد استدل الشيخ التويجرى من الحديث عن طريق القياس – على وجوب النقاب- فقال : فأولى من ذلك ( يعنى ستر حجم عظامها ), ستر ظاهر بشرتها عنهم, لأنها كلها عورة بالنسبة إلى نظرهم , وسواء فى ذلك وجهها وغيره من أعضائها ( الصارم المشهور صـــ 100 ) القرائن حول الحديث :

1- إنى أخاف أن تصف حجم عظامها : يستدل به على أنه يجب على المرأة أن تلبس ملابس واسعة فضفاضة لاتصف أو تحدد حجم عظامها , وأنه يحرم عليها أن تلبس ملابس ضيقة أو شفافة , تصف أو تحدد شيئا من جسدها . 

لكن هل يقاس وجه المرأة على جسدها ؟ أرى – والله أعلم- أن القياس بعيد, فمن المعلوم فطرة وشرعا أن جسد المرأة يختلف عن وجهها , وإن كان جمال المرأة فى وجهها , نعم لكن هناك فروق , فالمرأة لاتظهر بدنها إلا لزوجها – حتى محارمها على التأبيد فلايرون منها إلا زينتها الظاهرة , وهو مايظهر منها – غالبا- حين تعمل فى البيت كوجهها وقرطها وقلادتها وسواريها…. (انظر تفسير ابن عباس لقوله تعالى : ولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن … تفسير القرآن العظيم لابن أبى حاتم 8/2576).

2- ظنية الدلالة : الحديث ليس بقطعى الدلالة فى وجوب تغطية الوجه , وإنما من استدل به, استدل بجامع أن الفتنة بالوجه أولى من الجسد , وهذا غير مسلم به., كما بينت. . الحديث الرابع والعشرون : عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والجلوس على الطرقات , فقالوا : مالنا بد , إنما هى مجالسنا نتحدث فيها . قال فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها. قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : غض البصر , وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف , ونهى عن المنكر ( متفق عليه ) . القرائن حول الحديث :

1- غض البصر : يقول الألبانى عن غض البصر , فإنها تشعر بأن فى المرأة شيئا مكشوفا يمكن النظر إليه , فلذلك أمر الله تعالى بغض البصر عنهن , وما ذلك غير الوجه والكفين ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 76) قلت : مما لاشك فيه أن غض البصر عن وجه المرأة وكفيها يدخل أصالة فى الأمر بغض البصر عن المرأة , لكن لايقصر الأمر بغض البصر على الوجه والكفين فقط إنما الغض عن كل محاسن المرأة . وأيضا فالإستدلال من الحديث على أن الأمر بغض البصر يدل على ظهور وجه المرأة وكفيها , ليس بمسلم به , فالرجل مطالب بغض البصر عن المرأة كلها .

2 يقوى ذلك حديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : المرأة عورة , وأنها إذا خرجت استشرفها الشيطان , وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها فى قعر بيتها ( صحيح سنن الترمذى , وصحيح ابن حبان وغيرهما )

يقول المباركفورى : أى زينها فى نظر الرجال … ( انظر تحفة الأحوذى 4/283) الحديث الخامس والعشرون : عن بريدة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى : ياعلى لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك لك الآخرة ( صحيح سنن الترمذى وغيره ) . 

القرائن حول الحديث : 1- السند: سنده فيه راوى اختلفت أقوال أهل العلم فيه بين التوثيق والتضعيف، والكثير على أنه صاحب حديث إلا أنه كثير الخطأ , وهو شريك بن عبدالله بن أبى شريك القاضى ( انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب 3/164-166, تقريب التهذيب ت 2787) ،وقد حسنه الألبانى بالمتابعات ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 77-78) ،وكذلك حسنه الأرناؤوط فى المسند ح 22974) .

2- لاتتبع النظرة النظرة : النهى عن إتباع النظرة النظرة , هل يستدل به أن هناك شيئا مكشوفا فى المرأة ينظر إليه الرجل ؟ كما استدل الشيخ الألبانى من الحديث أن الأمر هنا يستدل به على أن وجه المرأة يكون مكشوفا , وإلا فماذا سينظر من المرأة.

قلت : إن الأمر بعدم اتباع النظرة النظرة , قد يكون إلى وجه المرأة , أو يكون إلى عينها أو إلى المرأة على عمومها، فالاستدلال منه على أن وجه المرأة يكون مكشوفا ليس بمسلم به .

الحديث السادس والعشرون : عن جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة , فأمرنى أن أصرف بصرى ( مسلم وغيره) .

القرائن حول الحديث :1- فأمرنى أن أصرف بصرى : هل يحتج به على أن وجه المرأة يكون مكشوفا , كما قال القاضى عياض ( انظر شرح النووى على مسلم 14/139, مرقاة المفاتيح 5/2052) وإلى ذلك ذهب أيضا العينى ( انظر عمدة القارى 20/119) واحتج به الشيخ الألبانى على كشف وجه المرأة ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ77-78)،أم يحتج به على أن وجه المرأة يكون مغطى , كما احتج الشيخ التويجرى إذ قال : ويستفاد من هذا الحديث أن نساء المؤمنين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم كن يستترن عن الرجال الأجانب , ويغطين وجوههن عنهم … ثم قال : لو كن يكشفن وجوههن عند الرجال الأجانب لكان فى صرف البصر عنهن مشقة عظيمة , ولاسيما إذا كثرت النساء حول الرجل , لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلابد أن ينظر إلى أخرى … ( انظر الصارم المشهور صـــ 92-95) .

قلت : قول الشيخ التويجرى : يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر الحديث . غير مسلم به , وإنما هو استنباط من الحديث , قد يدل على ماذهب إليه , وقد يدل على ماذهب إليه الشيخ الألبانى من أن الأمر بصرف البصر يدل على أن النساء كن يكشفن وجوههن . 

2- ظنية الدلالة : الحديث ليس قطعى الدلالة – ليس نصا – لأى من الفريقين , القائل بوجوب النقاب والقائل بعدم وجوبه , فالخلاف فى الإستدلال من النص طالما هو ظني الدلالة سائغ ومعروف . وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين