حجاب المرأة المسلمة  (41)

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على خير المرسلين , وبعد: مازال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن. المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة: الآثار عن الصحابة ومن بعدهم. وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث الثامن عشر : عن أبى سلمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضى الله عنهما , وأبو هريرة رضى الله عنه جالس عنده , فقال : أفتنى فى امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة ؟ فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين . فقلت أنا: بل تحل حين تضع, قال الله تبارك وتعالى ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) فقال : إنما ذلك في الطلاق. فقال أبو هريرة : أنا مع ابن أخى – يعنى أبا سلمة , فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة رضى الله عنها يسأل عن ذلك , فجاءهم فأخبرهم أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية رضى الله عنها …. وفى الحديث أنها وضعت حملها بعد وفاة زوجها بنصف شهر فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك , فقال لها مالى أراك متجملة , وقد اكتحلت واختضبت وتهيأت , لعلك ترجين النكاح وكان أبو السنابل قد تقدم لخطبتها فرفضته…. (والحديث بتمامه وزياداته أخرجه البخارى , ومسلم , وأبو داوود, والترمذى , والنسائى , وابن ماجه , ومسند أحمد , والطبرانى , والبيهقى فى الصغرى , والدارمى ) .

وقد استدل الشيخ الألبانى من الحديث على جواز كشف الوجه والكفين , فقال : والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة فى عرف نساء الصحابة وكذا الوجه أو العينين على الأقل , وإلا لما جاز لسبيعة رضى الله عنها أن تظهر ذلك أمام أبى السنابل لاسيما وقد خطبها فلم ترضه ( جلباب المرأة المسلمة صــ 69) .

القرائن حول الحديث : 1-تجملت للخطاب , ليس فيه صراحة أنها كانت كاشفة عن وجهها , فقد يكون التجمل فى الملابس والهيئة , لأنها مأمورة بترك الزينة بعد وفاة زوجها حتى تعتد منه .

2- فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك ( ينكر عليها زينتها ) , قد يقال أنه كان متقدما لخطبتها وبالتالى فإنه يجوز لها أن تتجمل , بل وتكشف عن وجهها إن كانت منتقبة.

وهذا يرد عليه أنه ورد فى الحديث أن أبا السنابل قد خطبها ورفضته- قبل واقعة الإنكار عليها- .

3- وقد اكتحلت : قلت : الكحل لايدل على كشف كامل الوجه , فقد تكشف عن عينيها فقط من تحت نقابها فيظهر الكحل.

4- واختضبت : والخضاب ( الحناء ) فى اليدين , هذا يدل على أنها كانت مكشوفة اليدين , فمن أعطى الوجه حكم اليدين من وجوب الإستتار , استدل بالحديث على جواز كشفهما كالشيخ الألبانى . لكن هذا يرد عليه أن المرأة المنتقبة قد تتساهل أحيانا فى كشف يديها لضرورة مناولة أو حمل شئ أو يكون أبو السنابل لما دخل عليها سارعت بتغطية وجهها ولم تتمكن من تغطية يديها .

5- ولقائل أن يقول ربما تكون هذه الواقعة قبل نزول آيات الحجاب , والإجابة عن ذلك أن أبا السنابل بن بعكك الذى أنكر على سبيعة , أسلم يوم فتح مكة – أى بعد نزول آيات الحجاب. ( انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 1/265, الإستيعاب فى معرفة الأصحاب 4/1684). 

الحديث التاسع عشر : عن عائشة رضى الله عنها قالت : أومت امرأة من وراء ستر , بيدها كتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقبض النبى صلى الله عليه وسلم يده , فقال : ما أدرى أيد رجل أم يد امرأة . قالت : بلى يد امرأة . قال : لو كنت امرأة لغيرت أظفارك , يعنى بالحناء ( سنن أبى داوود وغيره ) .

القرائن حول الحديث : 1- سند الحديث : فيه مطيع بن ميمون العنبرى وهو لين الحديث ( انظر ترجمته فى الكامل ت 1943, تقريب التهذيب ت 6720 , وجهالة صفية بنت عصمة التى روى عنها مطيع بن ميمون انظر تقريب التهذيب ت 8624).

وحسن الألبانى الحديث بشواهده فى سنن أبى داوود ح 4166 وسنن النسائى ح5089, وذكر له عدة شواهد ( انظر الثمر المستطاب صـــ 311-315) .

وجاء فى رواية الطبرانى للحديث ( ح6702) إن صفية هى أم مطيع بن ميمون .

2- فى الحديث أن المرأة كانت كاشفة عن يديها , ولو كانت يداها عورة لما سكت النبى صلى الله عليه وسلم على كشفهما , بل أمرها أن تخضب يديها ليكون ذلك فارقا بين يديها وبين يدى الرجل .

3- قد يقال أن الواقعة كانت قبل الحجاب . لكن توجد رواية للحديث عند أبى داوود : أن هند بنت عتبة رضى الله عنها زوج أبى سفيان رضى الله عنه ) قالت : يانبى الله بايعنى . قال : لاأبايعك حتى تغيرى كفيك , لأنها كف سبع ( سنن أبى داوود ح 4165). وقد حسن الألبانى الحديث بشواهده فى صحيح سنن أبى داوود وسند هذه الرواية فيه مجاهيل : عمة غبطة بنت عمرو وهي أم الحسن وجدتها(انظر تقريب التهذيب ت 8719 ،8820) .

وأخرج البزار ( ح2993) عن مسلم بن عبدالرحمن : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء عام الفتح على الصفا , فجاءت امرأة كأن يدها يد رجل , فأبى أن يبايعها حتى غيرت يدها بصفرة . والسند فيه عباد بن كثير الرملى وهوضعيف(انظر تقريب التهذيب ت 3140 ) , وجهالة شميسة بنت نبهان(انظر ثقات ابن حبان ت1259ّ،مجمع الزوائد 5/154).

وأخرجه الطبرانى فى الكبير ح 771, عن السوداء : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه , قال اذهبى فاختضبى …… وفى إسناده جهالة نائلة , ح3013 عن ابن عباس بنحوه , وفيه عبدالله بن عبدالملك الفهرى وهو منكر الحديث , وليث بن أبى سليم وهو ضعيف . والحديث ضعفه بروايات الأرناؤوط فى مسند أحمد ح ح 26258).

فمن حسن الحديث كالألبانى : استدل به على جواز كشف الوجه والكفين , وإلا ما أقر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة على كشف يديها ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 71-72) .

وقد استدل التويجرى بالحديث على وجوب تغطية الوجه , فقال : وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة رضى الله عنهم كن يستترن من الرجال الأجانب ويغطين وجوههن عنهم , ولم يكن الصحابة رضى الله عنهم رجالا ونساءا يفعلون شيئا إلا بأمر من الشارع, فعلم من هذا أن الإستتار وتغطية الوجوه كان مشروعا للنساء , ولهذا أنكر النبى صلى الله عليه وسلم على المرأة ترك الخضاب فى يديها , واقرها على الإستتار وتغطية الوجه ( الصارم المشهور صـــ 88).

4- لو أخذنا بتحسين الحديث بشواهده, فهند رضى الله عنها أسلمت بعد فتح مكة , وكان ذلك بعد نزول آيات الحجاب , فلا مجال للقول أن القصة كانت قبل نزول آيات الحجاب .

5-هل تعذر هند بالجهل لحداثة إسلامها , ولم تكن تعرف أحكام الإسلام بعد ,؟ ويجاب عن ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسكت على كشفها لكفيها لو كانا عورة , بل ويأمرها بتغييرهما بالحناء .

قلت : 1- الحديث من ناحية السند فيه ما ذكرت . 2- من ناحية المتن , فهو ليس قطعى الدلالة فإن كان لليد حكم الوجه , فيصير حجة لمن قال بجواز كشفهما , ومن قال بأن اليد قد يتجاوز عن كشفها أحيانا للضرورة ,فلا حجة فيه .

لكن يرد سؤال : هل مناولة الكتاب من حالات الضرورة أم لا ؟.

الحديث العشرون : عن عائشة رضى الله عنها قالت : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يسترنى بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون فى المسجد , حتى أكون أنا التى اسأم , فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو ( متفق عليه) .

القرائن حول الحديث : 1- يسترنى بردائه, يدل ذلك على أن هذا كان بعد نزول آيات الحجاب , ويدل على جواز نظر المرأة إلى الرجل , وأجاب بعض من منع بأن عائشة كانت إذ ذاك صغيرة , وفيه نظر . ( انظر فتح البارى 1/550) . يقول العينى : ان فى بعض طرق الحديث أن ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وأن قدومهم كانت سنة سبع , ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة ( انظر عمدة القارى 20/217) .

2- هل يستدل بالحديث وبستر النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة رضى الله عنها بردائه على وجوب النقاب . يرد على هذا أن العلماء اتفقوا على وجوب ستر جميع بدن أمهات المؤمنين , بما فى ذلك الوجه والكفين لقوله تعالى : ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) , ولا خلاف فى ذلك , إنما الخلاف فى دخول غير أمهات المؤمنين فى الأمر , فدخولهن ليس بالأمر الصريح المباشر وإنما هو بالإستدلال بجامع العلة المذكورة ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) .

الحديث الحادى والعشرون : عن عائشة رضى الله عنها قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو عروس بصفية بنت حيى , جئن نساء الأنصار فأخبرن عنها . قالت : فتنكرت وتنقبت فذهبت , فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عينى فعرفنى . قالت : فالتفت فأسرعت المشى فأدركنى فاحتضننى , فقال :كيف رأيت ؟ قالت : قلت : أرسل، يهودية وسط يهوديات ( سنن ابن ماجه وغيره ) .

القرائن حول الحديث : 1- سند الحديث . عند ابن ماجة فيه ثلاث رواة ضعفاء على بن زيد بن جدعان : ضعيف ( انظر تهذيب الكمال 20/434, المغنى فى الضعفاء 2/447, تقريب التهذيب ت 4734) وقد ضعف البوصيرى الحديث فى مصباح الزجاجة بهذا الراوى ( انظر مصباح الزجاجة ح710).

وفيه أم محمد من روى عنها زيد وهى مجهولة ( انظر ميزان الإعتدال 10938, تهذيب الكمال 20/436) وفيه مبارك بن فضالة وهو يدلس ويسوى ( انظر تقريب التهذيب ت 6464) .

والحديث له روايات أخرى نستكملها بإذن الله تعالى فى العدد القادم إن شاء الله وقدر والحمد لله رب العالمين .