الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولة : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . ولقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , وبدأت فى أدلة السنة , ووصلت إلى الحديث الثالث عشر ،حديث ابن عباس رضى الله عنهما عن خطبة النبى صلى الله عليه وسلم فى العيد وأمره النساء بالتصدق , وفيه : وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ ( الخواتيم العظام ) والخواتيم فى ثوب بلال ( متفق عليه ) . وفى رواية :.. فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه … ( البخارى ). وفى رواية عن جابر رضى الله عنه …فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين ( فى خديها تغير وسواد ) فقالت : لم يارسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة ( الشكوى ) ( مسلم ) .
وقد رأينا بعض القرائن حول الحديث : 1- فى توجيه قول ابن عباس رضى الله عنهما : فرأيتهن يهوين بأيديهن … .
2- فى توجيه قول جابر رضى الله عنه : فقامت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين …. , فوصف جابر رضى الله عنه وجهها , فاستدل فريق من أهل العلم على جواز إظهار وجه المرأة , وأجيب عن ذلك بإجابات : أ- أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء , وقد تكلمت عن هذا فى الحلقة السابقة . ب- أن تكون هذه القصة قبل نزول آيات الحجاب ورد الشيخ الألبانى بأن هذه القصة كانت بعد نزول آيات الحجاب مستدلا بحديثين وهما لأم عطية رضى الله عنها , أحدهما فى الأمر بلبس المرأة للجلباب إذا خرجت , والثانى : آية المبايعة وأنها كانت فى سنة ست , بعد نزول آيات الحجاب . وذكرت أن ما ذهب إليه الشيخ الألبانى يرد عليه إيرادات : أن الجلباب كان معروفا لدى نساء العرب عند خروجهن وجاءت الآية بالأمر بإدناءه … .
وأضيف : بأن الأمر بخروج النساء لصلاة العيد كان للمبايعات , وهن اللواتى هاجرن بعد صلح الحديبية – أى بعد نزول آيات الحجاب – لكن ذلك لايلزم منه أن يكون الأمر لهن بالخروج لصلاة العيد هو بداية الأمر لعموم النساء بالخروج لصلاة العيد , بل غاية ما فيه أنه أمر للمبايعات , من ضمن مجموعة أوامر ونواهى أخذت عليهن .
ج_ أن يكون الجلباب قد انحسر عن وجهها بفعل الهواء .
لكن هذا مجرد احتمال بلا دليل وكيف لجابر رضى الله عنه أن يصف وجه امرأة انحسر الجلباب عن وجهها فى حديث عام , وإن كان لم يعينها , لكن لاشك أنها كانت معلومة بين الصحابيات , ثم إن هناك من العلماء من تتبع من تكون هذه المرأة كالحافظ ابن حجر , الذى قال إنها ربما تكون أسماء بنت يزيد .
4- تفرد جابر رضى الله عنه – ممن رووا الحديث – بوصف وجه المرأة . فى قصة صلاة العيد , لكن رؤية وجه المرأة ووصفه بذات وصف جابر ورد فى قصة أخرى من حديث أبى سعيد الخدرى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ألا عسى أحدكم أن يخلو بأهله ثم يغلق بابا ثم يرخى سترا , ثم يقضى حاجته , ثم إذا خرج حدث أصحابه بذلك , ألاعسى إحداكن أن تغلق بابها , وترخى سترها فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها , فقال امرأة سفعاء الخدين …( رواه البزار , وحسنه الألبانى , انظر صحيح الترغيب 2/453-454). وورد فى رواية لهذه القصة أن النساء كن قعود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى لسن فى الخلاء كصلاة العيد , وهذا يرد على احتمال – سبق ذكره- أن الهواء ربما حسر جلبابها عن وجهها في مصلى العيد . وقد وصف أبو سعيد وجه المرأة بذات وصف جابر , فهل كانت هى امرأة واحدة ؟ ربما . 5- صغر سن ابن عباس رضى الله عنهما , وبلال كان عبدا ،يعنى لاحرج عليهما فى رؤية النساء كاشفات الوجوه . وهذا معناه لمن ذهب إليه أن النساء كن كاشفات الوجوه , وإلا فما دلالة الإحتجاج بصغر سن ابن عباس وعبودية بلال . ثم إن ابن عباس رضى الله عنهما كان مميزا – فليس له أن يدخل على النساء. وبلال كان حرا رضى الله عنه ولم يكن عبدا , إذ حرره أبو بكر رضى الله عنه عندما اشتراه .
6- عدم ثبوت أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى وجه هذه المرأة , وأقرها ولم ينكر عليها . وهذا يبقى مجرد احتمال , هل رآها النبى صلى الله عليه وسلم أم لم يرها ؟ مع أن الأقرب للإحتمالين أن النبى صلى الله عليه وسلم رآها لأنها كانت توجه الكلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إليها.
الحديث الرابع عشر : عن ابن عباس رضى الله عنهما عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما قال : أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ( يوم النحر ) والفضل ابن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الفضل رجلا وضيئا , فأخذ الفضل ابن عباس يلتفت إليها , وكانت امرأة حسناء ( وفى رواية وضيئة ) فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ( وتنظر إليه ) فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ( الحديث فى الصحيحين وغيرهما , وله روايات انظرها فى جلباب المرأة المسلمة صــــ 62) .
القرائن حول الحديث : 1 في قوله – وكانت امرأة حسناء وضيئة .
وقد استدل ابن حزم من الحديث على جواز كشف وجه المرأة ( انظر المحلى 2/248) . وكذلك استدل الشيخ الألبانى على جواز كشف الوجه ( انظر هامش جلباب المرأة المسلمة صــ 63-64 , و كذلك الشوكانى انظر نيل الأوطار 6/135). وأجيب على الذين استدلوا بالحديث على جواز كشف الوجه بأجوبة منها :… أو كان ذلك قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب ( انظر فتح البارى 4/70 ) . وبقرينة روايات الحديث التي فيها أن قصة الخثعمية إنما وقعت فى حجة الوداع بعد نزول آيات الحجاب بسنوات . .
وأجاب الشيخ الشنقيطى عن ذلك بإجابات:
أ- أنه لايلزم من وصفها بأنها حسناء أو وضيئة , انها كانت كاشفة عن وجهها , بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد.
ب-وقال : أو يكون عرف حسنها وقد رآها قبل ذلك .
ج- وقال أن الحسن والوضاءة قد يعرفان من غير الوجه من حسن القوام أو من رؤية البنان فقط.
د- وقال أن الخثعمية كانت محرمة , وإحرام المرأة فى وجهها وكفيها.
هـ – وأن ابن عباس راوى الحديث لم يكن حاضرا …. وإنما روى الحديث من طريق أخيه الفضل , وهو لم يقل له أنها كانت كاشفة عن وجهها . ( انظر أضواء البيان 6/254-256).
ويرد على كلام الشيخ الشنقيطى إيرادات : أ- أن وصف المرأة بالحسن أو الوضاءة لايكون إلا من خلال وجهها , والعلماء الذين قالوا بوجوب تغطية وجه المرأة , من استدلالاتهم أن جمال المرأة فى وجهها , ومنهم الشيخ الشنقيطى فقد قال : مع أن الوجه هو أصل الجمال ( انظر السابق ). وأما قوله بانكشاف خمارها عن غير قصد منها , قلت لو انكشف خمارها فجأة وسارعت بالتغطية – وهذا الوقت فى الغالب يكون لمحة سريعة فهل يكرر الفضل النظر إليها ويعرف حسنها ووضاءتها ؟ نعم قد يقال أنه لو رأى وجهها سريعا قد يعرف حسنها ووضاءتها.
ب- قوله : ويحتمل أنه كان يعرف حسنها قبل ذلك . قلت الشيخ قال : ويحتمل , وليس بين أيدينا دليل – فيما أعلم- على ذلك .
ج- قوله ليست فى روايات الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها . قلت : فلماذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل كى لاينظر إليها , واحتمال أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها وهى كاشفة عن وجهها – مع أنها تسأله وتوجه الكلام له , أرى ذلك بعيدا .
د- قوله بعدم حضور ابن عباس للحديث . يقول الترمذى : سألت محمدا يعنى البخارى عن حديث الفضل , فقال : أصح شئ فيه ما روى ابن عباس عن الفضل ،والحافظ ابن حجر يقول فى الفتح باحتمال أن سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة فحضره ابن عباس , فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة , وتارة عما شاهده ،ثم استدل على أن سؤال الخثعمية وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمى ( انظر فتح البارى 4/67 , وما استدل به الحافظ ابن حجر من أن القصة وقعت بعد رمى جمرة العقبة رواه أحمد فى المسند ح 562, ح 1348, وقال الأرناؤوط حسن , والترمذى ح 885 , وقال الألبانى حسن والطبرى فى التفسير ح 3827, 3828) .
هـ – قوله : أن المرأة كانت محرمة وإحرام المرأة فى وجهها وكفيها … فكشفها عن وجهها إذا لإحرامها , لا لجواز السفور . قلت : سبق أن ذكرت فى -النقطة السابقة- الأحاديث التى وردت أن سؤال الخثعمية كان بعد رمى الجمرات , أى بعد التحلل من الإحرام وبالتالى , فهى لم تكن محرمة .
و- أما قوله و لماذا الفضل فقط هو الذى وصف المرأة , مما يدل على أن الصحابة لم يروها أو لم ينظروا إليها لغض أبصارهم . قلت هى تأتى وتسأل النبى صلى الله عليه وسلم عند المنحر , والنبى صلى الله دائما محاطا بأصحابه وهو القائل لهم خذوا عنى مناسككم ، لكن لايلزم لكل من رأى القصة أن يصف التفاصيل , وهذا معلوم من الروايات المتعددة للحديث الواحد , وكيف يصف حسنها ووضاءتها وهو مأمور بغض البصر , لكن الفضل أو ابن عباس وصفا ذلك لأن مقتضى الحديث يستدعى ذلك , فلماذا يكرر الفضل النظر إليها .
قال الشيخ السندى : لاحجة فى الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر على الفضل ابن عباس إنكارا باتا بأن لوى عنقه وصرفه إلى جهة أخرى , وكان فى هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم , إنكار واضح لأنه أنكر باليد ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صـــ 83) قلت : ولم لم ينكر النبى صلى الله عليه وسلم على الخثعمية كشف وجهها – إن كان هذا غير جائز فى حقها – وسكوته صلى الله عليه وسلم يعد إقرارا لها , فهل ينكر صلى الله عليه وسلم على الفضل وحده , بينما كان نظر الفضل للخثعمية بسبب كشف وجهها الوضئ , و لاينكر على الخثعمية نفسها , ولم أقف – فيما أعلم – من روايات الحديث على أن النبى صلى الله عليه وسلم أنكر عليها.
والله أعلم .
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
حجاب المرأة المسلمة (38)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , وبدأت فى أدلة السنة , ووصلت إلى الحديث الثانى عشر وهو حديث أمنا عائشة رضى الله عنها وفيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأسماء : يا أسماء , إن المرأة إذا بلغت المحيض , لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا , وأشار إلى وجهه وكفيه ( أخرجه أبو داوود والبيهقى بنحوه ) ورأينا من القرائن حول الحديث , وجود خمس علل فى إسناده . وأن الكثير من أهل العلم على تضعيفه , وهناك من قوى الحديث بطرقه كالألبانى والبيهقى الذى ضعف إسناده ثم قواه بمراسيل الصحابة , وقال البيهقي عن حديث أمنا عائشة رضى الله عنها : فصار القول بذلك قويا , ووافقه الذهبى فى تهذيب سنن البيهقى , وذكر ابن كثير نقولا عن الصحابة فى ( إلا ماظهر منها ) الوجه والكفين , فقال : وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذى رواه أبو داوود فى سننه وعلق عليه ونقل كلام أبى داوود وأبى حاتم الرازى من أن الحديث مرسل ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 58-59, السنن الكبرى للبيهقى 2/319, تفسير ابن كثير 6/45-46).
هناك ثلاث مسائل فى حديث عائشة رضى الله عنها أشير إليها سريعا لأهميتها.
المسألة الأولى : هل يتقوى الحديث الضعيف بكثرة طرقه ؟ هذه المسألة فى غاية الأهمية , فليست كل الطرق تقوى الحديث الضعيف , فالطرق شديدة الضعف وإن تعددت فلايتقوى بها الحديث , وإنما يتقوى الحديث بالطرق التى فيها ضعف يسير . يقول الشيخ أحمد شاكر: أن الحديث إن كان ضعيفا لفسق الراوى أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع فإنه لايرقى إلى الحسن , بل يزداد ضعفا إلى ضعف . ويقول الشيخ الألبانى عن تقوية الحديث بطرق متعددة : ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته فى مختلف طرقه ناشئا من سوء حفظهم , لا من تهمة فى صدقهم , أو دينهم , , وإلا فإنه لايتقوى مهما كثرت طرقه , وهذا ما نقله المحقق المناوى فى( فيض القدير) عن العلماء ( انظر شرح ألفيةالحديث أحمد شاكر صـــ 16 , تمام المنة للألبانى صــ 31-32 ) المسألة الثانية : هل حديث أمنا عائشة رضى الله عنها – الذى نحن بصدده- من النوع الذى يتقوى بكثرة طرقة وشواهده , أم لايتقوى ؟ حديث أبى داوود فى سنده خمس علل _ كما سبق – فلا يستدل به , وحديث البيهقى , قال عنه بعد إخراجه له : إسناده ضعيف والهيثمى قال فى المجمع رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة . وقال الألبانى : وعلته ابن لهيعة ….. والذى لاشك فيه أن حديثه فى المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن , وهذا منها . قلت والبحث فى ابن لهيعة يطول ( انظر تفصيل القول فيه فى كتابى معالم منهج الشيخ أحمد شاكر فى نقد الحديث 199-222) . وخلاصته أن حديثه لايطرح بالكلية وينظر إلى من سمع منه ابن لهيعة .
– أثر قتادة ( أخرجه أبو داوود فى المراسيل ح 437, وسنده إلى قتادة صحيح لكنه مرسل .
المسألة الثالثة : , هل يحتج بالحديث المرسل ؟ هذه أيضا من المسائل الطويلة فى المصطلح وفى أصول الفقه , وقد احتج به بعض أهل العلم بشروط وضوابط وطرحه الآخرون. ومراسيل قتادة ضعيفة عند أهل العلم . قال الألبانى : عدم الإحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف , وإنما هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا ؟ هذا هو الموضوع , فنحن نرى تبعا للبيهقى وغيره أنه يتقوى ….. فنحن لم نحتج بمرسل قتادة وإنما به وبما انضم إليه من الشواهد ( انظر الرد المفحم 1/85- 92).
المسألة الرابعة : هل دخل النسخ على حديث أمنا عائشة رضى الله عنها ؟ اورد العلماء مسألة أخرى على حديث أمنا عائشة وشواهده , أن هذا الحديث إن صح – فهو من قبيل المنسوخ ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب لابن عثيمين صـــ 45 , الصارم المشهور صــــ 115 للتويجرى ).
وهذه مسألة اخرى طويلة , والأصل عدم النسخ حتى يأتى الدليل , فالنسخ لايقال بالرأى أو الإستدلال فقط . ( انظر كتابى قرائن السياق وأثرها على الأحكام الفقهية صــ 472-480) .
الحديث الثالث عشر :عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه والسلام وأبى بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة , ثم يخطب بعد : فنزل نبى الله صلى الله عليه وسلم فكأنى أنظر إليه حين يجلّس الرجال بيده , ثم أقبل يشقهم , حتى أتى النساء مع بلال …… ثم تلا آيات المبايعة …. ثم قال حين فرغ ( من الآية ) أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة واحدة , لم يجبه غيرها : نعم يارسول الله – لايدرى الحسن من هى ( الحسن بن مسلم أحد رواة الحديث ) قال : فتصدقن , وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ ( الخواتيم العظام وقد تلبس فى أصابع الرجلين ) والخواتيم فى ثوب بلال ( متفق عليه ).
وفى رواية للبخارى : ….. فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفن …..
وفى رواية للحديث عند مسلم عن جابر رضى الله عنه :…. فقامت امرأة من سطة النساء ( من أوساطهن حسبا ونسبا ) سفعاء الخدين ( فيها تغير وسواد ) فقالت : لم يارسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة ( الشكوى) .
القرائن حول الحديث : 1- قول ابن عباس رضى الله عنهما : فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه ….. فهل كن كاشفات الأيادى . كما قال ابن حزم : فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن , فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة , وما عدا هما ففرض عليهما ستره ( انظر المحلى 2/248) .
ويرد على قول ابن حزم أن قول ابن عباس يهوين بأيديهن , لايلزم منه أنهن كاشفات الأيادى , فارتداء القفازين لايمنع من إطلاق اليدين عليهما . ومن ناحية أخرى فإنه يتسامح فى اليدين عند المناولة وإمساك الأشياء ما لايتسامح فى الوجه . أو كن يكشفن أيديهن للضرورة لينزعن الخواتيم من أصابعهن .
2- قول جابر رضى الله عنه فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين . يدل وصف جابر رضى الله عنه للمرأة أنها كانت مكشوفة الوجه , وإلا لما استطاع أن يصف خديها وهذا استدل به الألبانى على جواز إظهار الوجه , وأن النبى صلى الله عليه وسلم أقرها على كشف وجهها أمام الرجال ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 76 ) .
وأجيب عن وصف جابر رضى الله عنه للمرأة باحتمالات :1- أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء , فيجوز لها كشف وجهها 2- أن تكون هذه الواقعة قبل نزول آية الحجاب , على اعتبار أن صلاة العيد شرعت فى السنة الثانية من الهجرة وآية الحجاب فى سورة الأحزاب التى كانت فى سنة خمس أو ست من الهجرة ( انظر قول ابن عثيمين والسندى فى ثلاث رسائل للحجاب صــ 47 , صــ 93 ) .
3- أن المرأة كانت تغطى وجهها وانحسر الغطاء عن وجهها بغير قصد منها .
4-أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها.
5- تفرد جابر رضى الله عنه بوصف وجه المرأة دون من روى خطبة النبى صلى الله عليه وسلم , وقد رواها ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى رضى الله عنهم ( انظر قول التويجرى فى الصارم المشهور صــــ 117-118 ).
6- صغر سن ابن عباس وبلال كان عبدا رضى الله عنهما , فلا حرج عليهما فى رؤية وجه المرأة.
ويرد على هذه الإحتمالات : 1- إثبات أن هذه المرأة من القواعد من النساء , فمن هى هذه المرأة ؟ يقول الحافظ ابن حجر أنه لم يقف على اسمها لكنه يختلج فى خاطره أنها أسماء بنت يزيد بن السكن ( خطيبة النساء ) ورجح ذلك بان أسماء روت أصل هذه القصة فى حديث أخرجه البيهقى والطبرانى وغيرهما , وأيضا بما أخرجه الطبرانى عن أم سلمة الأنصارية أن أسماء كانت فى النسوة اللاتى أخذ عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ…. ( انظر فتح البارى 2/468 ).
قلت : فإن كانت هى أسماء بنت يزيد – على ما ذكره الحافظ ابن حجر – فهى لم تكن وقتها من القواعد من النساء , فلقد شهدت موقعة اليرموك وقتلت فيها تسعة من الروم وعاشت بعد ذلك دهرا ( انظر الإصابة لابن حجر 8/21-22)، وإن لم تكن المرأة هى أسماء فيبقى القول بأنها من القواعد مجرد احتمال غير ثابت.
2- وقوع هذه القصة قبل نزول آيات الحجاب : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ خطبة النبى صلى الله عليه وسلم ، ذهب الألبانى إلى أن هذه القصة كانت بعد نزول آية الحجاب واستدل بحديثين: الأول حديث أم عطية رضى الله عنها لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم النساء بالخروج إلى صلاة العيد . فقالت أم عطية : إحدانا لايكون لها جلباب , قال : لتلبسها أختها من جلبابها . الحديث الثانى : عن أم عطية رضى الله عنها أيضا لما بايع عمر رضى الله عنه النساء بآية مبايعة النساء من سورة الممتحنة، وأن سورة الممتحنة نزلت يوم الفتح بعد آية الحجاب . وذكر المسور بن مخرمة ( والحديث فى البخارى ) أن آية الإمتحان نزلت فى يوم الحديبيبة وكان ذلك سنة ست على الصحيح وآية الحجاب نزلت سنة ثلاث وقيل خمس ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 74-76 ).
وما ذهب إليه الشيخ الالبانى يرد عليه إيرادات : الإستدلال بخروج المرأة بالجلباب لصلاة العيد و أن هذا كان بعد نزول الأمر بإدناء الجلابيب ,( آية الحجاب ) فهل كانت المرأة لاتخرج بالجلباب قبل نزول الآية , أم أن الجلباب كان معروفا لدى نساء العرب عند خروجهن ثم جاءت الآية بأمرهن بإدناء الجلباب عند الخروج , فقد قالت جنوب أخت عمرو ذى الكلب ( شاعرة جاهلية ) ترثي أخاها : تمشى النساء إليه وهى لاهية مشى العذارى عليهن الجلابيب ( انظر لسان العرب 1/272 , شاعرات العرب فى الجاهلية والإسلام صـــ 99) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
