الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , وبدأت فى أدلة السنة , ووصلت إلى الحديث الثانى عشر وهو حديث أمنا عائشة رضى الله عنها وفيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأسماء : يا أسماء , إن المرأة إذا بلغت المحيض , لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا , وأشار إلى وجهه وكفيه ( أخرجه أبو داوود والبيهقى بنحوه ) ورأينا من القرائن حول الحديث , وجود خمس علل فى إسناده . وأن الكثير من أهل العلم على تضعيفه , وهناك من قوى الحديث بطرقه كالألبانى والبيهقى الذى ضعف إسناده ثم قواه بمراسيل الصحابة , وقال البيهقي عن حديث أمنا عائشة رضى الله عنها : فصار القول بذلك قويا , ووافقه الذهبى فى تهذيب سنن البيهقى , وذكر ابن كثير نقولا عن الصحابة فى ( إلا ماظهر منها ) الوجه والكفين , فقال : وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذى رواه أبو داوود فى سننه وعلق عليه ونقل كلام أبى داوود وأبى حاتم الرازى من أن الحديث مرسل ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 58-59, السنن الكبرى للبيهقى 2/319, تفسير ابن كثير 6/45-46).
هناك ثلاث مسائل فى حديث عائشة رضى الله عنها أشير إليها سريعا لأهميتها.
المسألة الأولى : هل يتقوى الحديث الضعيف بكثرة طرقه ؟ هذه المسألة فى غاية الأهمية , فليست كل الطرق تقوى الحديث الضعيف , فالطرق شديدة الضعف وإن تعددت فلايتقوى بها الحديث , وإنما يتقوى الحديث بالطرق التى فيها ضعف يسير . يقول الشيخ أحمد شاكر: أن الحديث إن كان ضعيفا لفسق الراوى أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع فإنه لايرقى إلى الحسن , بل يزداد ضعفا إلى ضعف . ويقول الشيخ الألبانى عن تقوية الحديث بطرق متعددة : ولكن هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته فى مختلف طرقه ناشئا من سوء حفظهم , لا من تهمة فى صدقهم , أو دينهم , , وإلا فإنه لايتقوى مهما كثرت طرقه , وهذا ما نقله المحقق المناوى فى( فيض القدير) عن العلماء ( انظر شرح ألفيةالحديث أحمد شاكر صـــ 16 , تمام المنة للألبانى صــ 31-32 ) المسألة الثانية : هل حديث أمنا عائشة رضى الله عنها – الذى نحن بصدده- من النوع الذى يتقوى بكثرة طرقة وشواهده , أم لايتقوى ؟ حديث أبى داوود فى سنده خمس علل _ كما سبق – فلا يستدل به , وحديث البيهقى , قال عنه بعد إخراجه له : إسناده ضعيف والهيثمى قال فى المجمع رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة . وقال الألبانى : وعلته ابن لهيعة ….. والذى لاشك فيه أن حديثه فى المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن , وهذا منها . قلت والبحث فى ابن لهيعة يطول ( انظر تفصيل القول فيه فى كتابى معالم منهج الشيخ أحمد شاكر فى نقد الحديث 199-222) . وخلاصته أن حديثه لايطرح بالكلية وينظر إلى من سمع منه ابن لهيعة .
– أثر قتادة ( أخرجه أبو داوود فى المراسيل ح 437, وسنده إلى قتادة صحيح لكنه مرسل .
المسألة الثالثة : , هل يحتج بالحديث المرسل ؟ هذه أيضا من المسائل الطويلة فى المصطلح وفى أصول الفقه , وقد احتج به بعض أهل العلم بشروط وضوابط وطرحه الآخرون. ومراسيل قتادة ضعيفة عند أهل العلم . قال الألبانى : عدم الإحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف , وإنما هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا ؟ هذا هو الموضوع , فنحن نرى تبعا للبيهقى وغيره أنه يتقوى ….. فنحن لم نحتج بمرسل قتادة وإنما به وبما انضم إليه من الشواهد ( انظر الرد المفحم 1/85- 92).
المسألة الرابعة : هل دخل النسخ على حديث أمنا عائشة رضى الله عنها ؟ اورد العلماء مسألة أخرى على حديث أمنا عائشة وشواهده , أن هذا الحديث إن صح – فهو من قبيل المنسوخ ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب لابن عثيمين صـــ 45 , الصارم المشهور صــــ 115 للتويجرى ).
وهذه مسألة اخرى طويلة , والأصل عدم النسخ حتى يأتى الدليل , فالنسخ لايقال بالرأى أو الإستدلال فقط . ( انظر كتابى قرائن السياق وأثرها على الأحكام الفقهية صــ 472-480) .
الحديث الثالث عشر :عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه والسلام وأبى بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة , ثم يخطب بعد : فنزل نبى الله صلى الله عليه وسلم فكأنى أنظر إليه حين يجلّس الرجال بيده , ثم أقبل يشقهم , حتى أتى النساء مع بلال …… ثم تلا آيات المبايعة …. ثم قال حين فرغ ( من الآية ) أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة واحدة , لم يجبه غيرها : نعم يارسول الله – لايدرى الحسن من هى ( الحسن بن مسلم أحد رواة الحديث ) قال : فتصدقن , وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ ( الخواتيم العظام وقد تلبس فى أصابع الرجلين ) والخواتيم فى ثوب بلال ( متفق عليه ).
وفى رواية للبخارى : ….. فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفن …..
وفى رواية للحديث عند مسلم عن جابر رضى الله عنه :…. فقامت امرأة من سطة النساء ( من أوساطهن حسبا ونسبا ) سفعاء الخدين ( فيها تغير وسواد ) فقالت : لم يارسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة ( الشكوى) .
القرائن حول الحديث : 1- قول ابن عباس رضى الله عنهما : فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه ….. فهل كن كاشفات الأيادى . كما قال ابن حزم : فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن , فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة , وما عدا هما ففرض عليهما ستره ( انظر المحلى 2/248) .
ويرد على قول ابن حزم أن قول ابن عباس يهوين بأيديهن , لايلزم منه أنهن كاشفات الأيادى , فارتداء القفازين لايمنع من إطلاق اليدين عليهما . ومن ناحية أخرى فإنه يتسامح فى اليدين عند المناولة وإمساك الأشياء ما لايتسامح فى الوجه . أو كن يكشفن أيديهن للضرورة لينزعن الخواتيم من أصابعهن .
2- قول جابر رضى الله عنه فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين . يدل وصف جابر رضى الله عنه للمرأة أنها كانت مكشوفة الوجه , وإلا لما استطاع أن يصف خديها وهذا استدل به الألبانى على جواز إظهار الوجه , وأن النبى صلى الله عليه وسلم أقرها على كشف وجهها أمام الرجال ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 76 ) .
وأجيب عن وصف جابر رضى الله عنه للمرأة باحتمالات :1- أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء , فيجوز لها كشف وجهها 2- أن تكون هذه الواقعة قبل نزول آية الحجاب , على اعتبار أن صلاة العيد شرعت فى السنة الثانية من الهجرة وآية الحجاب فى سورة الأحزاب التى كانت فى سنة خمس أو ست من الهجرة ( انظر قول ابن عثيمين والسندى فى ثلاث رسائل للحجاب صــ 47 , صــ 93 ) .
3- أن المرأة كانت تغطى وجهها وانحسر الغطاء عن وجهها بغير قصد منها .
4-أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها.
5- تفرد جابر رضى الله عنه بوصف وجه المرأة دون من روى خطبة النبى صلى الله عليه وسلم , وقد رواها ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد الخدرى رضى الله عنهم ( انظر قول التويجرى فى الصارم المشهور صــــ 117-118 ).
6- صغر سن ابن عباس وبلال كان عبدا رضى الله عنهما , فلا حرج عليهما فى رؤية وجه المرأة.
ويرد على هذه الإحتمالات : 1- إثبات أن هذه المرأة من القواعد من النساء , فمن هى هذه المرأة ؟ يقول الحافظ ابن حجر أنه لم يقف على اسمها لكنه يختلج فى خاطره أنها أسماء بنت يزيد بن السكن ( خطيبة النساء ) ورجح ذلك بان أسماء روت أصل هذه القصة فى حديث أخرجه البيهقى والطبرانى وغيرهما , وأيضا بما أخرجه الطبرانى عن أم سلمة الأنصارية أن أسماء كانت فى النسوة اللاتى أخذ عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ…. ( انظر فتح البارى 2/468 ).
قلت : فإن كانت هى أسماء بنت يزيد – على ما ذكره الحافظ ابن حجر – فهى لم تكن وقتها من القواعد من النساء , فلقد شهدت موقعة اليرموك وقتلت فيها تسعة من الروم وعاشت بعد ذلك دهرا ( انظر الإصابة لابن حجر 8/21-22)، وإن لم تكن المرأة هى أسماء فيبقى القول بأنها من القواعد مجرد احتمال غير ثابت.
2- وقوع هذه القصة قبل نزول آيات الحجاب : وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ خطبة النبى صلى الله عليه وسلم ، ذهب الألبانى إلى أن هذه القصة كانت بعد نزول آية الحجاب واستدل بحديثين: الأول حديث أم عطية رضى الله عنها لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم النساء بالخروج إلى صلاة العيد . فقالت أم عطية : إحدانا لايكون لها جلباب , قال : لتلبسها أختها من جلبابها . الحديث الثانى : عن أم عطية رضى الله عنها أيضا لما بايع عمر رضى الله عنه النساء بآية مبايعة النساء من سورة الممتحنة، وأن سورة الممتحنة نزلت يوم الفتح بعد آية الحجاب . وذكر المسور بن مخرمة ( والحديث فى البخارى ) أن آية الإمتحان نزلت فى يوم الحديبيبة وكان ذلك سنة ست على الصحيح وآية الحجاب نزلت سنة ثلاث وقيل خمس ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 74-76 ).
وما ذهب إليه الشيخ الالبانى يرد عليه إيرادات : الإستدلال بخروج المرأة بالجلباب لصلاة العيد و أن هذا كان بعد نزول الأمر بإدناء الجلابيب ,( آية الحجاب ) فهل كانت المرأة لاتخرج بالجلباب قبل نزول الآية , أم أن الجلباب كان معروفا لدى نساء العرب عند خروجهن ثم جاءت الآية بأمرهن بإدناء الجلباب عند الخروج , فقد قالت جنوب أخت عمرو ذى الكلب ( شاعرة جاهلية ) ترثي أخاها : تمشى النساء إليه وهى لاهية مشى العذارى عليهن الجلابيب ( انظر لسان العرب 1/272 , شاعرات العرب فى الجاهلية والإسلام صـــ 99) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
