الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده, وبعد : مازال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية: أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن وبدأت فى أدلة السنة , فتكلمت عن سبعة أحاديث , واواصل البحث بإذن الله تعالى . الحديث الثامن : عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاتباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ( صحيح البخارى ) .
وقد استدل بعض اهل العلم من الحديث على احتجاب النساء عن الرجال احتجابا كاملا مستدلا به على تغطية الوجه ( انظر الصارم المشهور صـــــ 95) .
فهل المباشرة يقصد بها النظر إلى الوجه أم هى أوسع من ذلك ؟ وهل يستدل من الحديث على وجوب النقاب ؟ .
. من القرائن حول الحديث : أ- قرينة لفظية متصلة : ” لاتباشر” من المباشرة وهى الملامسة فى الثوب الواحد , وقيل يعنى المخالطة والملامسة , وأصله من لمس البشرة البشرة ( انظر عمدة القارى 20/219, مرقاة المفاتيح 5/2050) . ويقول ابن الجوزى : كأن المباشرة هاهنا مستعارة من التقاء البشرتين للنظر إلى البشرة , فتقديره تنظر إلى بشرتها …. ( انظر كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/299)
.ب- قرائن لفظية منفصلة : فى رواية للحديث عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لايباشر الرجل الرجل ولاالمرأة المرأة ( أخرجه ابن حبان وقال الالبانى فى التعليقات الحسان صحيح لغيره).
وفى رواية عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة , ولايفضى الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد , ولاتفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد ( صحيح سنن الترمذى ) .
وفى رواية عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كنتم ثلاثة فلايتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلط بالناس من أجل أن يحزنه, ولاتباشر المرأة فى ثوب واحد من أجل أن تصفها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ( انظر التمهيد لابن عبد البر 15/293-294) . .
الحديث التاسع : عن عائشة رضى الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس ( متفق عليه ) وفى رواية عند البخارى : ولايعرفن بعضهن بعضا .
وقد تنازع الفريقان , الفريق الذى قال بوجوب تغطية الوجه , والفريق الذى قال بإستحبابه على الإستدلال بالحديث .
القرائن حول الحديث :أ .قرينة لفظية متصلة :متلفعات بمروطهن وفى رواية ” متلففات بمروطهن. “والأكثر على متلفعات وقيل المعنى متقارب , وقيل إن التلفع يستعمل مع تغطية الرأس , وقيل هو تغطية الرأس فقط , وقيل بل هما بمعنى واحد , وهو الإشتمال بالثوب ( انظر المنتقى شرح الموطأ 1/9 , مشكلات موطأ مالك صـ37, إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد 1/165 , فتح البارى لابن حجر 1/183, شرح سنن أبى داوود للعينى , 2/293, قوت المغتذى على جامع الترمذى 1/102, إكمال المعلم بفوائد مسلم 2/609)
ب- ما يعرفن من الغلس : الغلس هو وقت اختلاط ضوء الصبح بظلمة الليل .
ما يعرفن , هل لاتعرف أشخاصهن أرجال هن أم نساء من شدة الغلس أم لايعرفن من هن من النساء بأعيانهن , وهذا يقتضى أنهن سافرات عن وجوههن , لأنهن لو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس . وهذا يرد عليه أنهن لما أمن عدم رؤيتهن لشدة الغلس كشفن عن وجوههن , وأيضا لأن النساء كن يخرجن سريعا عقب الصلاة حتى لايزاحمن الرجال ولايراهن الرجال . ( انظر المنتقى شرح الموطأ 1/9, شرح النووى على مسلم 5/144, شرح سنن أبى داوود للعينى 2/293, عمدة القارى 4/90, جلباب المرأة المسلمة صــ65, الصارم المشهور صـــ 86)
ج- قرائن لفظية منفصلة : عن عائشة رضى الله عنها قالت : لو رأى رسول الله صلى الله من النساء مانرى لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها , لقد رأيتنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فى مروطنا , وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض ( مسند أبى يعلى ح 4493 , والبزار ح 295 قال الألبانى سنده صحيح , وكذلك قال حسين سليم أسد فى تحقيقه على مسند أبى يعلى , والحديث فى الصحيحين دون ذكر الوجه ).
رواية عن عائشة رضى الله عنهاقالت : لقد رأيتنا ونحن نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر فى مروطنا , ثم ننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض .( انظر مسند السراج , ح 624, 808, 1170, الصحيحة ح 332).
بضم رواية أبى يعلى , والبزار وغيرهما أن النساء كن كاشفات الوجوه , لكن هذا لايستدل به على جواز كشف الوجه , لماذا ؟
لأنه من المعلوم أن المرأة إذا أمنت أن لايراها أحد من الرجال فى ظلمة الليل قد تكشف وجهها مستترة بظلمة الليل , خاصة أن الرجال كانوا يمكثون بعد الصلاة فى المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلو شوارع المدينة من الرجال .
الحديث العاشر : حديث عائشة رضى الله عنها قالت : أخرجت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقبض النبى صلى الله عليه وسلم يده , فقال : ما أدرى أيد رجل أم يد امرأة ؟ قالت : بل يد امرأة . قال : لو كنت امرأة لغيرت أظفارك , يعنى بالحناء ( صحيح سنن ابى داوود وغيره ) والحديث فى سنده خلاف بين أهل العلم , فمنهم من ضعفه , حسنه الألبانى بشواهده الكثيرة , انظر الثمر المستطاب صـــــ 311-315 ). القرائن حول الحديث : قرينة لفظية متصلة 1- أومت امرأة من وراء ستر : أى أشارت من وراء ستر يحجبها عن العيون , حتى أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يعرف أهى رجل أم امرأة وفيه استدلال على أن الحجاب الكامل ومنه تغطية الوجه كان مشروعا أيام النبى صلى الله عليه وسلم .
2- بيدها : يدل على أن يدها كانت ظاهرة ولم تكن ترتدى ما يسترهما كالقفازين .
لكن يرد تساؤل , هل لليدين حكم الوجه ؟ من قال أن لليدين حكم الوجه استدل بالحديث وشواهده على جواز كشف وجه المرأة , لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم ينكر على المرأة كشف يديها ( انظر جلباب المرأة المسلمة صــــ 71-72) ومن فرق بين اليدين والوجه , استدل بالحديث على مشروعية تغطية الوجه , ولهذا لم ينكر عليها النبى صلى الله عليه وسلم استتارها وتغطية وجهها ( انظر الصارم المشهور صـــ 88 ) –
قلت : إن كان لليد حكم الوجه فهو حجة للقائلين بجواز كشفهما , لكن هذا قد يرد عليه أن اليد قد يتجاوز عن كشفها أحيانا للضرورة , فهل مناولة الكتاب من الضرورات ؟ أرى أنها ليست ضرورة إلا إذا كانت المرأة تستر يديها بكم جلبابها الطويل ثم ظهر كفاها عند مناولة الكتاب للنبى صلى الله عليه وسلم .
الحديث الحادى عشر : عن عائشة رضى الله عنها قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها , وكانت امراة جسيمة لاتخفى على من يعرفها , فرآها عمر بن الخطاب , فقال : يا سودة , أما والله ما تخفين علينا , فانظرى كيف تخرجين, قالت : فانكفأت راجعة , ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى , وإنه ليتعشى وفى يده عرق , فدخلت فقالت : يارسول الله إنى خرجت لبعض حاجتى , فقال لى عمر : كذا وكذا . قالت : فأوحى الله إليه ثم رفع عنه , وإن العرق فى يده ما وضعه , فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ( متفق عليه )
. القرائن حول الحديث : قرينة لفظية متصلة 1- يا سودة , أما والله لاتخفين علينا .فدل على أنها لم تكن مكشوفة الوجه , وإلا لما قال لها تلك المقولة , وإنما عرفها بطولها وهيئتها . وأمهات المؤمنين فرض عليهن الحجاب بالكامل بما فى ذلك الوجه والكفين , وهذا لاخلاف فيه , إنما يرد عليه مسألة : هل الخطاب لأمهات المؤمنين يشمل جميع النساء أم لايشملهن , وهذه المسألة مشهورة وقد أشرت إليها من قبل
. الحديث الثانى عشر : عن عائشة رضى الله عنها قالت : إن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ,وعليها ثياب رقاق , فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : يا أسماء , إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا , واشار إلى وجهه وكفيه ( أخرجه أبو داوود والبيهقى بنحوه ) .
القرائن حول الحديث : قرائن غير لفظية : وذلك فى سند الحديث : ففيه خمس علل : 1- الإنقطاع بين خالد بن دريك -راوى الحديث عن عائشة -وبين عائشة رضى الله عنها و فهو لم يدركها . 2- ضعف سعيد بن بشير , أحد رجال السند . 3- عنعنة الوليد بن مسلم , أحد رجال السند . 4- عنعنة قتادة بن دعامة السدوسى , احد رجال السند. 5- الإضطراب فخالد بن دريك يرويه مرة عن أم سلمة بدلا عن عائشة رضى الله عنها ( انظر الكامل فى ضعفاء الرجال 4/417 , ميزان الإعتدال للذهبى 1/630) تقريب التهذيب ( ت 7456,ت2276, ت 5518, ت 1625, تهذيب التهذيب ت 254, تعريف أهل التقديس ص 43,).
وهناك طرق للحديث قوى بها بعض أهل العلم الحديث كالألبانى , والبيهقى قوى حديث عائشة رضى الله عنها , فقال بعد أن أورد رواية مرسلة للحديث بنحوه عن قتادة : مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضى الله عنهم فى بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة , فصار القول بذلك قويا , ووافقه الذهبى فى تهذيب سنن البيهقى ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 58-59, السنن الكبرى للبيهقى 2/319) .
وقال ابن كثير : بعد أن ذكر نقولا عن بعض الصحابة فى( إلا ما ظهر منها) الوجه والكفين , فقال : وهذا هو المشهور عند الجمهور . ويستأنس له بالحديث الذى رواه أبو داوود فى سننه ثم ذكر الحديث … وعلق عليه فقال : لكن قال أبو داوود وأبو حاتم الرازى : هذا مرسل , خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ( انظر تفسير ابن كثير 6/45-46 ).
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
