الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده ، وبعد : ما زال حديثنا متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وانتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن ، وبدأت فى أدلة السنة ، تكلمت فيها عن أحاديث : أمنا عائشة رضى الله عنها : كان الركبان يمرون بنا….. وذكرت حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ولاتنتقب المحرمة ولاتلبس القفازين …… ثم ذكرت خلاف أهل العلم بين وقف هذا الجزء من الحديث على ابن عمر أو وصله لرسول الله صلى الله عليه وسلم . القرائن حول الحديث : أ.قرينة لفظية : وذلك فى رواية أخرى للحديث أخرجها الإمام أحمد من طريق ابن اسحاق عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء فى الإحرام عن القفاز والنقاب …..(أخرجه الإمام أحمد ح ٤٧٤٠ ، قال الأرناؤوط : حديث صحيح ، وهذا إسناد حسن ، محمد بن إسحاق وان عنعنه صرح بالتحديث عند أبى داوود والحاكم…وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبى ، وكذلك صححه الألبانى انظر إرواء الغليل ح ١٠١٢)
ب. قرينة (حالية) غير لفظية : مفهوم المخالفة ( وهو ما يكون مدلول اللفظ فى محل السكوت مخالفا لمدلوله فى محل النطق ، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ). وهو حجة عمل به الصحابة وأقره النبى صلى الله عليه وسلم ، قال ابن قدامة : وهذا حجة ( مفهوم المخالفة ) فى قول إمامنا أحمد والشافعى ومالك وأكثر المتكلمين ، وقالت طائفة منهم أبو حنيفة : لادلالة له ، ثم ذكر الأدلة ورجح العمل به ( انظر روضة الناطر ١١٥/٢- ١٢١ ) .
ويستدل بمفهوم المخالفة على أن النقاب والقفازين كانا معروفين فى النساء ،لذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة إذا أحرمت أن لاتلبسهما . لكن هل يستفاد من مفهوم المخالفة فى الحديث الوجوب ، أم يستفاد منه فقط مشروعية النقاب والقفازين ؟. هذه مسألة خلافية بين من يرى وجوب النقاب ومن يرى استحبابه . وأرى والله أعلم أن مفهوم المخالفة فى الحديث لايستفاد منه وجوب النقاب وإنما يستفاد منه مشروعيته ، أما الوجوب فقد يستفاد من أدلة أخرى .
٣- حديث جابر رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه لنكاحها فليفعل ….. ( مسند أحمد ح ١٤٥٨٦ وقال الأرناؤوط : حسن ، وحسنه الألبانى فى المشكاة ح ٣١٠٦)
.القرائن حول الحديث:
. قرائن لفظية منفصلة : وذلك فى روايات للحديث بمعناه كحديث أبى هريرة رضى الله عنه قال كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم أنظرت إليها ؟ فقال : لا قال : فاذهب فانظر إليها فإن فى أعين الأنصار شيئا ( مسلم ) .(وبمعناه حديث أبى حميد الساعدى فى مسند أحمد ح٢٣٦٠٢ ، ٢٣٦٠٣ . ) .
وقد استدل من قال بوجوب تغطية الوجه والكفين – من الحديث – على أن نظر الخاطب أبيح للوجه والكفين – كما عند الجمهور – للضرورة فقط فدل على أن الأصل هو تغطية الوجه والكفين . وأجيب عن ذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم رفع الإثم عن النظر إلى الوجه والكفين فدل ذلك على أنهما ليسا بعورة ، لأنهما لو كانا من العورات لما جوز النبى صلى الله عليه وسلم النظر إليهما بحال .
وأحاديث النظر إلى المخطوبة ، ليست نصا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه ، لذا تنازع العلماء فى الاستدلال بها .
٤- حديث جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة ، فأمرنى أن أصرف بصرى ( صحيح مسلم وغيره ) القرائن حول الحديث :
. ظنية الدلالة : الحديث ليس قطعى الدلالة، لذا اختلف العلماء فى الإستدلال به فمنهم من قال : فيه حجة على أنه لايجب على المرأة ستر وجهها وإنما ذلك سنة مستحبة …. ( انطر عون المعبود ١٣١/٦ ) ومنهم من قال أنه يستفاد من الحديث تحريم نظر الرجل إلى المرأة ، وأن الأصل أن المرأة تغطى وجهها . والحديث فيه تحريم النظر إلى المرأة بعد نظر الفجأة ، وهى النظرة غير المتعمدة ، ولايقصر صرف البصر على الوجه فقط ، بل هو عام فى صرف البصر ، فالحديث قد يشمل النظر إلى الوجه أو الجسد أو الحجم أو المشية أو إلى أى شئ يتعلق بها مما يثيره .
٥- حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ، فقالت أم سلمة رضى الله عنها : فكيف يصنع النساء بذيولهن ؟ قال : يرخين شبرا ، فقالت : إذا تنكشف أقدامهن . قال : فيرخينه ذراعا لايزدن عليه ( صحيح سنن أبى داوود وغيره )
القرائن حول الحديث : أ.ظنية الدلالة :الحديث ليس نصا قطعى الدلالة فى وجوب تغطية وجه المرأة ، ومن قال بوجوب تغطية وجه المرأة استدل من الحديث أن المرأة كلها عورة ، فى حق الرجال الأجانب ، واستخدم قياس الأولى فى ذلك ، فإذا كان الأمر هكذا فى القدمين وهما أقل فتنة من الوجه والكفين اللذان هما أكثر فتنة، ولا شك أن الوجه هو مجمع محاسن المرأة .
ب.قرينة لفظية : فى رواية للحديث عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى ذيول النساء : شبرا فقالت عائشة رضى الله عنها إذا تخرج. سوقهن ، قال فذراع ( صحيح سنن ابن ماجه وغيره ) .هذه الرواية لم يستخدمها من قاس على حديث ابن عمر رضى الله عنهما الذى فيه القدمين لماذا ؟ لأنه لو قاس الوجه على الساقين سيضعف القياس ولن يكون فى قوة القياس على القدمين للإجماع على أن سيقان المرأة عورة فى داخل الصلاة وخارجها ،فالمرأة لو أظهرت سيقانها فى الصلاة ، بطلت صلاتها باتفاق ، بينما لو أظهرت قدميها ، فهناك من أهل العلم من قال بعدم بطلان صلاتها كالحنفية واختاره ابن تيمية ( انظر اختلاف الأئمة لابن هبيرة ١٠١/١، مجموع الفتاوى ١١٥/٢٢ ). ولا شك أن إظهار الساقين أشد فتنة من إظهار القدمين، فلو قاس القائس على الساقين ويقول إن المرأة مأمورة بتغطية ساقيها والأولى تغطية وجهها لضعف القياس .
6- عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المرأة عورة ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهى فى قعر بيتها ( صحيح سنن الترمذى وغيره ). القرائن حول الحديث:أ.قرينة لفظية : المرأة عورة ، هل هى ذات عورة أم أن كلها عورة ؟ يقول ابن رشد : فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين …. ويقول المناوى : المرأة عورة : أى هى موصوفة بهذه الصفة ، ومن هذه صفته فحقه إن يستر ، والمعنى أنه يستقبح تبرزها وظهورها للرجل ( انظر بداية المجتهد ١٢٣/١ ، مرقاة المفاتيح ٢٠٥٤/٥ ، فيض القدير ٢٦٦/٦ ، سبل السلام ٢٨٣/٤ ، الآداب الشرعية ٢٨٠/١ )
ب. العموم ، فالمرأة عورة ، والوجه بعض من كل ، فدل على أنه عورة ويجب تغطيته . التخصيص : وهو يدخل على العموم بدليل , قتكون المرأة عورة إلا ما استثناه المشرع ، وهما الوجه والكفان ( عند من ذهب إلى ذلك من أهل العلم ) بقرينة قوله تعالى : ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( النور : ٣١ ) ومما تكلم فيه الأصوليون خروج بعض أفراد العام من العموم بدليل آخر ( والمسألة فيها بحث أصولى واسع ارجع إليه لو أحببت فى كتابى قرائن السياق وأثرها على الأحكام الفقهية )
ج. الخلاف: لايوجد إجماع بين أهل العلم على أن كل المرأة عورة ، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قدمى المرأة ليستا من العورات حتى فى داخل الصلاة .
٧- عن أم سلمة رضى الله عنها ، قالت :قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان لإحداكن مكاتب ، فكان عنده ما يؤدى فلتحتجب منه ( سنن الترمذى وغيره ، وقال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح ، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع ، وقالوا لا يعتق المكاتب وإن كان عنده ما يؤدى حتى يؤدى ،وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى ح ٢٨٦٧).
وقد استدل بالحديث من أخذ بتحسين الترمذى والحاكم والذهبى على أنه يقتضى أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز مادام فى ملكها، فإذا خرج منه – أى من ملكها -وجب عليها الاحتجاب ، لأنه صار أجنبيا ، فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبى ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب لابن عثيمين ص ٣٤ ) القرائن حول الحديث:أ . الخلاف فى الحكم على الحديث ، لأن مداره على نبهان مولى أم سلمة رضى الله عنها ، فهو مجهول لم يوثقه إلا ابن حبان ، لذا ضعف الحديث جمع من أهل العلم وصححه أو حسنه بعضهم . ب.تخصيص أمهات المؤمنين ببعض الأحكام : يقول الشافعى : وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده مايؤدى على ما عظم الله به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رحمهن الله ، وخصصهن به وفرق بينهن وبين النساء إن اتقين ، ثم تلا الآيات فى اختصاصهن بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين ، وهن أمهات المؤمنين ، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها و كان فى قوله صلى الله عليه وسلم – إن كان قاله ( إشارة إلى ضعف سند الحديث ) إذا كان لإحداكن يعنى أزواجه خاصة ( انظر السنن الكبرى للبيهقى ٥٤٩/١٠- ٥٥٠ ) .
قلت والراجح أن الحديث ضعيف فلايؤخذ منه حكم ، والاستدلال منه – لمن قال بتحسينه – على وجوب النقاب لغير أمهات المؤمنين ،هو فرع من الكلام عن الأدلة من القرآن والسنة التى خصت أمهات المؤمنين ببعض الأحكام وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
