حجاب المرأة المسلمة (34)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : على مدى ثلاث وثلاثين حلقة استعرضت أدلة الحجاب من القرآن والسنة والآثار التى وردت عن الصحابة ومن بعدهم . وأشرت فى الحلقة السابقة إلى أننى سأبدأ فى بيان أثر قرائن السياق بأقسامها المتعددة على هذه الأدلة لنرى الراجح فى حجاب المرأة المسلمة . 

وسأبدأ أولا بالتعريف المختصر للسياق وأهميته وأقسامه . 

أولا : تعريف السياق : مصطلح السياق يطلق عند الأصوليين ويراد به الأمور التالية : 1- النصوص السابقة واللاحقة لما يراد بيانه وتأويله , والنصوص الأخرى المتعلقة بالمسألة موضع البحث .

2- مقاصد التشريع . 

3- سبب نزول الآية , وورود الحديث , وحال المخاطبين , وظروف القول …. 

وبهذا يتضح أن مصطلح السياق عند الأصوليين يشمل عناصر السياق المقالى والمقامى ( انظر قرائن السياق وأثرها على الأحكام الفقهية د. متولى البراجيلى صـــ 38 ) . ثانيا : أهمية السياق : النظر فى السياق بمفهومه الشامل يجعلنا ننظر إلى النصوص نظرة كلية مستوعبة فلانأخذ نصا ,ونترك نصا , أو نأخذ نصا ونترك ما يحيط به من قرائن مختلفة , يقول ابن حزم : …. والحديث والقرآن كله كاللفظة الواحدة , فلايحكم بآية دون أخرى , ولابحديث دون آخر , بل بضم كل ذلك بعضه إلى بعضه , إذ ليس بعض ذلك أولى بالاتباع من بعض , ومن فعل غير هذا فقد تحكم بلا دليل ( الإحكام فى أصول الأحكام لابن حزم 3/118 ).

ويقول ابن القيم : السياق يرشد إلى تبيين المجمل وتعيين المحتمل , والقطع بعدم احتمال غير المراد , وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة . وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم , فمن أهمله غلط فى نظره , وغالط فى مناظرته ( بدائع الفوائد لابن القيم 4/9-10) .

وقال ابن دقيق العيد : أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه , وهى المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات , فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة فى مواضع لاتحصى ( إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام 2/21 ) . 

ثالثا : أنواع السياق : ينقسم السياق إلى قسمين كبيرين وهما : 1- قرائن السياق الخاصة , وهذه تنقسم إلى أ- قرائن لفظية : متصلة بالنص , منفصلة عن النص .

ب- قرائن غير لفظية ( حالية ) : متصلة بالخطاب , منفصلة عن الخطاب , أسباب نزول الآيات , أسباب ورود الأحاديث , بيئة الخطاب المتمثلة فى عادات المخاطبين فى أقوالهم وأفعالهم ومعهودهم فى معانى الألفاظ وغير ذلك . 

2- قرائن السياق العامة : وهذه تنقسم إلى أقسام متعددة منها : أ- المقاصد الشرعية . ب- المصلحة المرسلة. ج- اعتبار المآلات. دـ الكليات العامة . هــ – عدم التعارض بين النصوص. ( للتوسع انظر قرائن السياق وأثرها على الأحكام الفقهية د. متولى البراجيلى ).

وبعد , هذه المقدمة كانت ضرورية ليتابع القارئ معى ما سأتكلم عنه بإذن الله – فيما سيأتى ،وسأقسم أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجوعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . 

المجموعة الأولى:أدلة الحجاب من القرآن : القرائن اللفظية المتصلة بالنص : 1- قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( النور : 31 ) . القرينة اللفظية فى الآية ( إلا ماظهر منها ) : الاستثناء في الآية يعود على الزينة , وهو ماكان موضعه مما لاتستره المرأة , وقد اختلف أهل العلم من أيام الصحابة , على ماذا يعود الاستثناء على أقوال متعددة , خلاصتها ثلاثة أقوال : 1- الثياب . 2- الوجه والكفان. 3- الثياب والوجه. ومن ذهب إلى القول الأول قال بوجوب تغطية الوجه , ومن ذهب إلى القولين الآخرين قال باستحباب تغطية الوجه . 

وسبب الخلاف – فى رأيى – أن هذه الآية ( القرينة ) ليست قطعية الدلالة , بمعنى أنها ليست نصا قاطعا له معنى واحد ومحدد , فلا يسوغ الاختلاف فيه .

2- قوله تعالى: والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة , وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم) ( النور : 60 ) . القرائن اللفظية فى الآية : 1- (والقواعد من النساء ) : هن النساء المتقدمات فى السن واللواتى لامطمع لهن فى الزواج , ولامطمع للرجال فيهن لكبرهن فى العمر وانقطاع الحيض عنهن . فالخطاب فى الآية موجه بالأصالة إلى العجائز من النساء .

2- ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) : لاإثم عليهن أن يضعن ثيابهن . وخلاصة ما ورد فى كتب التفسير عن وضع الثياب , يدور بين الجلباب , الرداء , القناع , الخمار , الملحفة .ولم أقف فى كتب التفسير – على حد علمى – أن الثياب بمعنى النقاب : فهل القناع هو النقاب ؟ نقلت من كتب أهل اللغة قبل ذلك أن القناع هو ماتديره المرأة برأسها , وتغطى رأسها به , وهو ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطى رأسها ومحاسنها ( انظر مقاييس اللغة 5/33, المحكم 1/228 , شمس العلوم 8/5639, النهاية فى غريب الحديث والأثر 4/114, لسان العرب 8/300-301) . ولو ذهبنا إلى أن القناع هو النقاب , فيكون هو قول من خمسة أقوال ذكرتها فى معنى الثياب . فالآية ( القرينة ) ليست نصا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه , وإنما هى تتكلم عن ملابس العجائز الكبيرات فى السن اللواتى أذن الله لهن فى تخفيف بعض ثيابهن , لكن قيد هذا الوضع للثياب أن لايكون بغرض التبرج والتزين , ولاشك أن الوضع للثياب هنا ليس على حقيقته , بمعنى أن تضع كل ثيابها , بل هو وضع بعض الثياب بقرينة قوله تعالى : (غير متبرجات بزينة ), فهذا معناه أن هناك ثيابا أخرى عليها مازالت محجبة بها , غير متبرجة , ولامتزينة. إضافة إلى القرينة الشرعية العامة بأن المرأة مأمورة بالتستر ولو تقدمت فى السن مهما تقدمت . ثم وجهت الآية إلى أن الاستعفاف خير لهن . 

ويستنبط من الآية – بقياس الأولى – نهى المرأة الشابة عن كل مايؤدى إلى تبرجها وزينتها . 

3- قوله تعالى : يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلاتخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا, وقرن فى بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله) ( الأحزاب 33,32) . 

القرائن اللفظية فى الآية : 1- ( يا نساء النبى لستن كأحد من النساء) : الخطاب موجه فى الآيات لأمهات المؤمنين , ولاشك أن سياق الآيات وسباقها ولحاقها يجلّى هذا , فلأمهات المؤمنين أحكام خاصة من مضاعفة الثواب وكذلك العقاب . لكن الأوامر والنواهى الأخرى التي فى الآيات هل هي مقصورة على أمهات المؤمنين فقط , أم يدخل فيها غيرهن من عموم النساء ؟.

لوحصرنا الأوامر والنواهى التى فى الآيات , سنجد سبعة أوامر ونواهى , كالتالى : 1- فلاتخضعن بالقول : ولاشك أن النهى عن الخضوع بالقول يدخل فيه عموم النساء من باب أولى . 

2- وقلن قولا معروفا : وأيضا فإن الأمر هنا يدخل فيه عموم النساء من باب أولى 

. 3- وقرن فى بيوتكن : والأمر هنا يدخل فيه عموم النساء . 4-ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى : والتبرج : هو كل ماتظهره المرأة من زينتها ومحاسنها مما يجب عليها ستره , والنهى هنا لسائر النساء وليس خاصا بأمهات المؤمنين فقط .

5- وأقمن الصلاة . 6-وآتين الزكاة . والأمران هنا لجميع الأمة من رجال ونساء . فإذا كان الله تعالى يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المنكرة ويأمرهن بالطاعة , مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن , فمن باب أولى أن يدخل عموم النساء فى هذه الأوامر والنواهى . 

فإن كانت الآيات مسبوقة ومتبوعة بالخطاب لنساء النبى صلى الله عليه وسلم , ويدخل فيها عموم النساء من باب أولى , لكن ليس فى الآيات دليل قطعى على وجوب ستر الوجه والكفين , بل هى دليل على الحجاب وعدم التبرج . 

4- قوله تعالى : (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ( الأحزاب : 53 ) . 

القرينة اللفظية فى الآية : ( فاسألوهن من وراء حجاب ) هذه الآية نزلت فى وجوب الحجاب على أمهات المؤمنين باتفاق أهل العلم , وهى توجب على المؤمنين إذا أرادوا سؤال أمهات المؤمنين عن شئ فليكن ذلك من وراء حجاب , وهو إما من وراء ساتر أو ستر جميع البدن بما فى ذلك الوجه والكفين، فهل الاستدلال من الآية على وجوب ستر الوجه والكفين لغير أمهات المؤمنين , هو استدلال مباشر , كما فى الأمر الصريح المباشر الموجّه لأمهات المؤمنين , أم إنه غير مباشر ( استنباطى ) ؟

الآية تتوجه بالخطاب لأمهات المؤمنين , ودخول غيرهن من النساء هو من باب القياس , بجامع العلة , وهى طهارة القلوب , ولاشك أن حاجة النساء غير أمهات المؤمنين لطهارة القلوب هو أولى , فيستدل بعموم العلة – طهارة القلوب – على عموم الحكم- وذلك عند من قال بوجوب النقاب . أما الفريق الآخر فلم يقصر العلة – طهارة القلوب- على ستر الوجه فقط, وأن عدم ستره غير محقق لطهارة القلوب . فلا تلازم بين ستر الوجه وطهارة القلب . وطهارة القلوب تتحقق بالتقوى وغض البصر والإنتهاء عما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . وعموما فالاستدلال من الآية بهذه العلة غير قطعى ومحل للنزاع , وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين .