الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : نواصل بفضل الله تعالى الحديث حول حجاب المرأة – الدليل والاستدلال- وقد انتهيت – بفضل الله تعالى – من أدلة القرآن الكريم ثم انتقلت إلى أدلة السنة ووصلت إلى الدليل الرابع والثلاثين : قال العجلى : كانت امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج , فنظرت يوما إلى وجهها فى المرآة فقالت لزوجها : أترى يرى أحد هذا الوجه لايفتن به ؟ قال : نعم , قالت : من ؟ قال : عبيد بن عمير , قالت : فأذن لى فيه فلأفتننه, قال : قد أذنت لك !! قال : فأتته كالمستفتية, فخلا معها فى ناحية من المسجد الحرام , قال : فأسفرت عن مثل فلقة القمر , فقال لها : يا أمة الله , فقالت : إنى قد فتنت بك فانظر فى أمرى ؟ قال : إنى سائلك عن شئ فإن صدقت نظرت فى أمرك . قالت : لاتسألنى عن شئ إلا صدقتك . قال : أخبرينى لو أن ملك الموت أتاك يقبض روحك , أكان يسرك أنى قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : فلو أدخلت فى قبرك فأجلست للمساءلة أكان يسرك أنى قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال صدقت…. ( وأخذ يسألها عدة أسئلة وهى تجيبه ) . ثم قال لها : اتق الله يا أمة الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك، قال : فرجعت إلى زوجها , فقال : ما صنعت ؟ قالت: أنت بطّال ونحن بطّالون ؟فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة , فكان زوجها يقول : مالى ولعبيد بن عمير أفسد على زوجى كانت كل ليلة عروسا فصيرها راهبة ( الثقات للعجلى ترجمة 1082) قال التويجرى : يستفاد من إنكار عبيد بن عمير على المرأة الجميلة لما أسفرت بوجهها عنده أن التابعين كانوا يرون أن سفور النساء من المنكرات , والله أعلم ( الصارم المشهور صـــ 177 ) قلت : الأثر لم أقف عليه مسندا , وإنما ذكره العجلى فى ،الثقات ، بدون إسناد ، وبين ميلاد العجلى ووفاة عبيد ابن عمير أكثر من مائة سنة , ولو تساهلنا فى سند القصة فهى تدل على مشروعية النقاب , وهذا ليس موضع خلاف بين أهل العلم , وعبيد بن عمير قاص أهل مكة وواعظها وكان يحضر مجلسه فى الوعظ عبدالله بن عمر رضى الله عنهما ( انظر ترجمته فى سير أعلام النبلاء 4/156-157).
وفى القصة أنكر عليها عبيد بن عمير لما كشفت عن وجهها قائلا : يا أمة الله . ولكن كان إنكاره الشديد ووعظه عندما ذكرت له إنها قد فتنت به . وإن كنت – والله أعلم – أستبعد أن يأذن الرجل فى زمن التابعين لزوجته أن نتعرض لرجل من أجل أن تفتنه . الدليل الخامس والثلاثون : عن أنس رضى الله عنه قال : دخلت على عمر بن الخطاب رضى الله عنه- أمة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به , فسألها : عتقت ؟ قالت : لا . قال : فما بال الجلباب ؟ضعيه عن رأسك . إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين , فتلكأت فقام إليها بالدرة , فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها . ( مصنف ابن أبى شيبة 2/231 , صححه الحافظ فى الدراية 1/124 , وقال الألبانى : وهذا إسناد جيد , انظر جلباب المرأة المسلمة صــ 29) وله رواية أخرجها عبد الرازق فى المصنف عن أنس رضى الله عنه : رأى عمر أمة لنا متقنعة فضربها , وقال : لاتشبهى بالحرائر . ( قال ابن حجر إسناده صحيح , وكذلك صححه الألبانى , انظر السابق ).
وقد احتج بأثر عمر رضى الله عنه من قال بوجوب النقاب , وذلك لأن عمر رأى الأمة متقنعة ( أى مغطية وجهها ) فنهاها عن تغطية وجهها حتى لاتتشبه بالحرائر من النساء . يقول الألبانى : ووجه الإستدلال بهذا الأثر أن عمر رضى الله عنه عرف هذه الأمة مع أنها كانت متقنعة بالجلباب , أى متغطية به , وذلك يعنى بكل وضوح أن وجهها كان ظاهرا , وإلا لم يعرفها . وإذ الأمر كذلك فقوله رضى الله عنه : إنما الجلباب على الحرائر , دليل واضح جدا أن الجلباب ليس من شرطه عند عمر أن يغطى الوجه , فلو أن النساء – كل النساء-كن فى العهد الأول يسترن وجوههن بالجلابيب ,ما قال عمر رضى الله عنه ما قال ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 99 ). قلت : قد يثار سؤال , كيف عرفها عمر رضى الله عنه إذا كانت قد غطت وجهها على اعتبار أن القناع هو النقاب هل سأل عنها ؟ الرواية تقول إنه كان يعرفها , هل عرفها بأمر آخر , ربما , لكن يبقى هذا على الاحتمال , أم أنه عرفها لأنها كانت كاشفة عن وجهها , أو عرفها بهيئتها , كما عرف سودة رضى الله عنها عندما خرجت وهى منتقبة لبعض حاجتها .
لكن هل القناع هو غطاء الوجه ( النقاب ) ؟. سبق أن ذكرت أقوال العلماء في ذلك- في مقالة الشهر الماضي فارجع إليها.
مسألة : هل نفهم من ذلك الأثر أن الأمة يجوز لها أن تتبرج ؟
يقول ابن حزم : معترضا على أقوال بعض المفسرين فى التفرقة بين الحرة والأمة فى الملابس : وأما الفرق بين الحرة والأمة , فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة , كل ذلك فى الحرائر والإماء سواء , حتى يأتى نص فى الفرق بينهما فى شئ فيوقف عنده .
قال : وقد ذهب بعض من وهل فى قوله الله تعالى ( يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ان يعرفن فلايؤذين ) إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق , فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلايعترضوهن … ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل , أو افتراء كاذب فاسق , لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على اعراض إماء المسلمين , وهذه مصيبة الأبد , وما اختلف اثنان من أهل الإسلام فى أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة , وان الحد على الزانى بالحرة كالحد على الزانى بالأمة , ولافرق , وأن تعرض الحرة فى التحريم كتعرض الأمة ولافرق , ولهذا وشبهه وجب أن لايقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام ( انظر المحلى 2/248 – 249 ) .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وليس فى الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء , ولاترك احتجابهن وإبداء زينتهن , ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر به الحرائر , والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر , ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام , بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء… ثم قال : فإذا كان فى ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك ( انظر حجاب المرأة ولباسها فى الصلاة صــ 38-39).
وقد أورد الشيخ الألبانى رواية ابن سعد فى (الطبقات) : أخبرنا محمد بن عمر ابن أبى سبرة عن أبى صخر عن ابن كعب القرظى , قال : كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن , فإذا قيل له ؟ قال كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زى الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن . وقال الألبانى : لايصح , ففى سنده ابن أبى سبرة , وهو ضعيف جدا , وكلك محمد بن عمر ( الواقدى ) وهو متروك . ثم قال : وفى معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطى فى الدر المنثور ) وبعضها عند ابن جرير وغيره , وكلها مرسلة لاتصح , لأن منتهاها إلى ابن مالك وأبى صالح والكلبى ومعاوية بن قرة والحسن البصرى , ولم يأت شئ منها مسندا فلا يحتج بها , لاسيما وظاهرها مما لاتقبله الشريعة المطهرة , ولا العقول النيرة , لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين – وفيهن مسلمات قطعا – على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن . ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) بالحرائر دون الإماء , وبنوا على ذلك أنه لايجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر , بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل : من السرة إلى الركبة , وقالوا : فيجوز للأجنبى النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها . وهذا مع أنه لادليل عليه من كتاب أو سنة مخالف لعموم قوله تعالى : ( ونساء المؤمنين )، ثم نقل قول أبى حيان الأندلسى فى تفسيره ( البحر المحيط ) : والظاهر أن قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) يشمل الحرائر والإماء , والفتنة بالإماء أكثر , لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر , فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ( انظر جلباب المرأة المسلمة للألبانى صـــ90-96).
الدليل السادس والثلاثون :
عن عطاء بن أبي رباح قال :قال لي ابن عباس رضي الله عنهما :ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟قلت :بلى .قال:هذه المرأة السوداء ،أتت النبي صلّى الله عليه وسلم ،قالت :إني أصرع وإني أتكشف ،فادع الله أن يشفيني .قال :إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك (ولك الجنة ) ،قالت :بل أصبر ولا حساب علي ،ثم قالت :إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف .فدعا لها .
وعن ابن جريج :أخبرني عطاء :أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة (البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم )
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
