حجاب المرأة المسلمة (27)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وبعد : ما زال حديثنا متصلا حول حجاب المرأة المسلمة _ الدليل والاستدلال_ ،وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن الكريم ، ثم انتقلت إلى أدلةالسنة ووصلت إلى الحديث السادس والعشرين .

الحديث السادس والعشرين : عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ، قال استأذن عمر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله ، قال : عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب ، قال عمر : فأنت يارسول الله أحق أن يهبن ، ثم قال : أى عدوات أنفسهن ، أتهبننى ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلن : نعم ، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :والذى نفسى بيده ، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ( متفق عليه ) .

يقول الحافظ ابن حجر : وعنده نسوة من قريش ، هن من أزواجه ، ويحتمل أن يكون معهن من غيرهن ، لكن قرينة قوله : يستكثرنه يؤيد الأول ، والمراد أنهن يطلبن منه أكثر مما يعطيهن ، وزعم الداودى أن المراد أنهن يكثرن الكلام عنده ، وهو مردود بما وقع التصريح به فى حديث جابر عند مسلم أنهن يطلبن النفقة ( فتح البارى ٤٧/٧) .

قلت :لكن حديث جابر الذى أشار إليه الحافظ ابن حجر فى صحيح مسلم هو فى قصة أخرى وفيه : دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الناس جلوسا ببابه لم يؤذن لأحد منهم ، قال : فأذن لأبى بكر ، فدخل ثم أقبل عمر ، فاستأذن فأذن له فوجد النبى صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه ساكتا …… هن حولى كما ترى يسألننى النفقة ( صحيح مسلم ١٤٧٨ ) والإمام مسلم فى شرحه لحديث سعد بن أبى وقاص لم يقيد قوله : ويستكثرنه ، بحديث جابر :يسألننى النفقة. لاختلاف الحديثين .

قلت :والحديث فيه ثلاث قرائن ترجح أنهن لسن أمهات المؤمنين-أو لسن بمفردهن على الأقل ، القرينة الأولى :قوله: وعنده نساء من قريش . ومن المعلوم أن أمهات المؤمنين لسن كلهن من قريش ، إلا لو كان ذلك مخصوص ببعض أمهات المؤمنين القرشيات فقط ، كما قال القسطلانى : هن عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش ( انظر مرقاة المفاتيح ٣٨٩٣/٩) لكن لاتوجد رواية فيها هذا التخصيص ، ولا قرينة فى السياق يفهم منها هذا التخصيص ، إلا قوله : نساء من قريش ، فقد حاول أن يجمع بين هذا الوصف وبين يستكثرنه النفقة بأن ذلك من بعض أمهات المؤمنين القرشيات فقط . لكن كيف يصف الراوى أمهات المؤمنين بصفة غير أمهات المؤمنين وهى الصفة التى كن يوصفن بها عند ذكرهن . وهذا له أمثلة كثيرة ، على سبيل المثال فى حديث أنس رضى الله عنه قال : أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بنى بزينب فأشبع المسلمين خبزا ولحما ، ثم خرج إلى أمهات المؤمنين فسلم عليهن ودعا لهن … ( رواه ابن سعد ١٠٧/٨ ، والنسائى فى الوليمة ٦٦/٢ بسند صحيح ، انظر آداب الزفاف فى السنة المطهرة للألبانى ص ١٣٩ ) .

وكذلك فى حديث أنس رضى الله عنه قال : كان النبى صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين …. ( صحيح البخارى ) .

ولا أعلم حديثا وصف أمهات المؤمنين بهذا الوصف : نساء من قريش ، غير الحديث الذى بين أيدينا .

أو يصفهن بما نادى الله عليهن فى كتابه : يا نساء النبى ( الأحزاب ) القرينة الثانية : قول عمر رضى الله عنه للنساء : أى عدوات أنفسهن . فأرى أنه بعيد أن يخاطب عمر رضى الله عنه أمهات المؤمنين بهذا الخطاب فى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم،أو حتى في غيابه ، فهذا يرجح عندى أنهن لسن أمهات المؤمنين .

القرينة الثالثة : هل تخشى أمهات المؤمنين عمر رضى الله عنه بحيث يختبأن منه ، وذلك بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.فهذا يرجح عندي أنهن لسن أمهات المؤمنين،أو معهن غيرهن من النساء من قريش .

ويؤيد ذلك ما ورد فى رواية أبى هريرة رضى الله عنه :… وعنده نسوة قد رفعن أصواتهن ….. ( صحيح مسلم ) .

ومن الأسهل توجيه ما ورد فى رواية مسلم لحديث جابر رضى الله عنه-لو افترضنا أن القصة واحدة كما قال بعض أهل العلم- : ويستكثرنه النفقة : أنهن كن نساء من قريش أسلمن ولم يسلم أزواجهن ، أو غاب أزواجهن فى غزو ونحوه . وفى عمدة القارى رد على قول الحافظ ابن حجر فى رده على الداودى :ويستكثرنه : أى الكلام : برواية جابر : يستكثرنه النفقة . قال العينى : ورد كلامه ( أى الداودى ) ليس له وجه ولا يصلح أن يكون حديث جابر مؤيدا لما ذهب إليه هذا القائل ، لأن حديث سعيد غير حديث جابر ، ولئن سلمنا أن يكون معناهما واحدا فلا يلزم من قوله : يطلبن النفقة ، أن تكون تلك النسوة أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يكون أزواج تلك النسوة غائبين ولم يكن عندهن شئ ، فجئن إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وطلبن منه النفقة ، وأيضا لفظ النفقة غير مخصوص بنفقة الزوجات مع مالا يخفى ( انظر عمدة القارى ١٩٥/١٦ ) قال النووى : قال العلماء معنى يستكثرنه : يطلبن كثيرا من كلامه وجوابه بحوائجهن وفتاويهن . ( انظر شرح النووى على مسلم ١٦٤/١٥ ) وفى قوله : يبتدرن الحجاب ، أرجح انتقالهن إلى مكان آخر بحيث يختبأن عن عمر رضى الله عنه ، وليس ارتداء الحجاب ، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضى الله عنه : عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب . ففى قول النبى صلى الله عليه وسلم كن عندى ، ما يشعر أنهن غادرن مجلسهن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واختبأن من عمر رضى الله عنه ، وعلم عمر بما حدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه لهن الكلام فى مكانهن وأجبن عليه .

ويثار سؤال معنا : إن كن لسن أمهات المؤمنين – كما رجحت – فهل كن يجلسن بلا حجاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أى بلا تغطية الوجه ، لأنه لايتصور جلوسهن متخففات من ملابسهن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسكت النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك . فمن قال : ابتدرن الحجاب ، أى لبسن النقاب ، فإن كن أمهات المؤمنين فلا إشكال فى الحالتين ، فهن فى بيوتهن ومع زوجهن صلى الله عليه وسلم ، لكن سنعود مرة ثانية إلى أن الخلاف فى النقاب لايشمل أمهات المؤمنين ، فهذا واجب عليهن بلا خلاف . ومن قال ابتدرن الحجاب : أى اختبأن خلف ما يحجبهن – وهذا ما رجحته – فهن أى النساء كن يجلسن محجبات ثم اختبأن عندما سمعن صوت عمر رضى الله عنه.

وفى قوله : قمن يبتدرن الحجاب . فإن كان الكلام عن أمهات المؤمنين أو غيرهن فإنهن مأمورات بالحجاب . لكنى أرى أن الحديث موضع الشاهد فيه : يبتدرن الحجاب – ليس دليلا صريحا للفريق الذى قال بوجوب تغطية الوجه ، ولا الفريق الذى قال بجواز كشف الوجه لأن لفظ الحجاب من الألفاظ المشتركة ، فقد يكون الحجاب هو التوارى خلف بناء ونحوه ، وقد يكون بالملابس التى تغطى سائر الجسد بما فى ذلك الوجه والكفين ، أو بما تغطى سائر الجسد إلا الوجه والكفين .

الحديث السابع والعشرين : عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : لما انقضت عدتى من أبى سلمة أتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمنى وبينى وبينه حجاب ، فخطب إلى نفسى ( أخرجه ابن سعد فى الطبقات ٩٠/٨ – انظر جلباب المرأة المسلمة للألبانى ص ٨٧ ) . قال الشيخ فريد أمين الهنداوى مستدلا بالحديث على فرضية النقاب على غير أمهات المؤمنين : المقصود من هذين الحديثين – هذا الحديث وحديث حفصة عندما طلقها النبى صلى الله عليه وسلم وسيأتى – تستر النساء فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم عن الرجال الأجانب وتغطيتهن وجوههن عنهم …. ولما جاء يخطب أم سلمة كلمته من وراء حجاب ….. وعندما دخل النبى صلى الله عليه وسلم على أم سلمة لم تكن أم سلمة وقتها من أمهات المؤمنين ، ومع ذلك كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب فكيف بمن هو دونه ( انظر اللباب فى فرضية النقاب ص ١٢٤-١٢٥ ) . ( فائدة ) هل من خصوصيات النبى صلى الله عليه وسلم جواز النظر والخلوة بالمؤمنات الأجنبيات ؟ هذه مسألة تنازع أهل العلم فيها ، فمنهم من عدها من خصوصيات النبى صلى الله عليه وسلم كالحافظ ابن حجر الذى قال : أنه يجوز له النظر إلى وجه المرأة وأن يخلو بها ( انظر فتح البارى ٢٠٣/٩ ) وهناك من أهل العلم من لم يعد ذلك من خصائص النبى صلى الله عليه وسلم ، كما قال العراقى : فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يخلو بالأجنبيات ولايصافحهن ، وإن كان لو فعل ذلك لم يلزم منه مفسدة لعصمته ، لكنهم لم يعدوا ذلك من خصائصه ، فهو فى ذلك كغيره فى التحريم ( طرح التثريب ١٦٧/٥).

يقول الشيخ الألبانى : لكن الظاهر أن الحجاب فى هذه الرواية ليس هو الثوب الذى تتستر به المرأة ، وإنما هو ما يحجب شخصها من جدار أو ستار أو غيرهما ، وهو المراد من قوله تعالى ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) ( الأحزاب : 53 ).

قلت : وسواء كان الحجاب فى الحديث هو التستر وراء جدار أو ستار – وهو الراجح – أو ارتداء النقاب ، فالحديث حجة لمن قال بتغطية الوجه ،والفريق الذى قال بعدم وجوب تغطية الوجه ، لم ينازع فى النقاب وفى انتشاره بين الكثير من الصحابيات ، وإنما النزاع هو فى حكمه ، هل هو على الوجوب أم على الاستحباب . وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين .