حجاب المرأة المسلمة (26)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وبعد ،نواصل الكلام بفضل الله تعالى عن حجاب المرأة المسلمة (الدليل ، الاستدلال )، انتهيت من أدلة القران الكريم ووصلت فى أدلة السنة وأقوال الصحابة الى الحديث الثالث والعشرين ،حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والجلوس على الطرقات : فقالوا ما لنا بد ، إنما هى مجالسنا نتحدث فيها . قال : فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها . قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : غض البصر …….الحديث ( متفق عليه ) .

وموضع الشاهد من الحديث :الأمر بغض البصر . قال الشيخ الألبانى محتجا بالحديث بعد أن ذكر قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ): فإنها تشعر بأن فى المرأة شيئا مكشوفا يمكن النظر إليه ، فلذلك أمر الله تعالى بغض البصر عنهن ، وما ذلك غير الوجه والكفين ثم ذكر حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه(انظر جلباب المرأة المسلمة ص76)

. قلت : مما لاشك فيه أن غض البصر عن وجه المرأة وكفيها يدخل أصالة فى الأمر بغض البصر عن المرأة ، لكن لايقصر الأمر بغض البصر على الوجه والكفين فقط ، إنما الغض عن كل محاسن المرأة ، سواء ما ظهر منها عن غير قصد منها ، أو بقصد منها كحال المتبرجات الآن فى شوارع المسلمين . ولا شك أن الفتنة بجسد المرأة أشد من الفتنة بوجهها ، وإذا كان من أهل العلم من قال إن الأمر بتغطية وجه المرأة من باب قياس الأولى ، قياسا على الأمر بتغطية جسدها كله حتى شعرها إذ أن الفتنة تبدأ من الوجه ، لكنى أرى أن هذا كان يعتمد على واقع المرأة حينها من تغطية جسدها بحجاب فضفاض لايظهر شيئا من محاسنها . أما ما يحدث الآن فى بلاد المسلمين من تعرية وتجسيد مفاتن أجسادهن ، فلا شك أن الفتنة بهذا أشد من الفتنة بالوجه ،ولأن الشرع يشرع للناس حتى قيام الساعة ، والله يعلم سبحانه وتعالى ما سيكون من أمر النساء لذا كان الأمر بغض البصر عن كل ما تتبرج به المرأة ، وتظهر به محاسنها ، خاصة جسدها . وفى الحديث عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات ، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة ، لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا (مسلم وغيره ) . يقول الإمام النووى :هذا الحديث من معجزات النبوة ، فقد وقع هذا الصنفان ، وهما موجودان ….. قيل :معناه كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها وقيل : معناه تستر بعض بدنها ،وتكشف بعضه إظهارا بحالها ونحوه ، وقيل معناه تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها …. ( انظر شرح النووى على صحيح مسلم ١٠٩/٤- ١١٠ ) .

قلت : الإمام النووى من علماء القرن السابع الهجرى ، فكيف يقال عن حال النساء المتبرجات فى زماننا ؟.

قلت : الاستدلال من حديث أبى سعيد الخدرى من أمر النبى صلى الله عليه وسلم بغض البصر ، وما ذلك إلا لظهور وجهها وكفيها ، ليس بقوى ، فالمرأة كلها عورة والرجل مطالب بغض بصره عنها كلها ، وفى الحديث عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : المرأة عورة ، وأنها اذا خرجت استشرفها الشيطان ، وإنها لاتكون أقرب إلى الله منها فى قعر بيتها ( صحيح سنن الترمذى وابن حبان وغيرهما ) . يقول المباركفورى : أى زينها فى نظر الرجال ، وقيل أى نظر إليها ليغويها ويغوى بها …. فإذا خرجت أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوى غيرها بها ، ليوقعهما أو أحدهما فى الفتنة . ( انظر تحفة الأحوذى ٢٨٣/٤ )

. الحديث الرابع والعشرين : عن بريدة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى : يا على لاتتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة ( صحيح سنن الترمذى وغيره ) . سند الحديث : مداره على شريك بن عبدالله بن أبى شريك القاضى وقد اختلفت أقوال أهل العلم فيه بين التقوية والتضعيف ، والكثير على أنه صاحب حديث إلا أنه كثير الخطأ . قال ابن عدى : والغالب على حديثه الصحة والاستواء ، والذى يقع فى حديثه من النكرة إنما أتى به من سوء حفظه ، لا أنه يتعمد شيئا مما يستحق أن ينسب فيه إلا شئ من الضعف ( انظر تهذيب التهذيب ١٦٤/٣-١٦٦) وقال الحافظ ابن حجر : صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة ( انظر تقريب التهذيب ت ٢٧٨٧ ) .

قلت : ومن كان هذا حاله فإنه يصلح فى المتابعات، وقد حسنه الألبانى ، فقال : شريك بن عبدالله القاضى ، وهو سئ الحفظ ، لكنه قد توبع ، فقد أخرج الطحاوى فى كتابيه ، والحاكم ١٢٣/٣ وأحمد 1369، 1373 من طريق حماد بن سلمة -وساق السند – وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبى ،قال الالبانى وابن اسحاق مدلس ، وقد عنعنه ، لكن الحديث حسن بهذين الطريقين ويشهد له الحديث الذى بعده ( يقصد حديث جرير بن عبدالله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة ، فأمرنى صلى الله عليه وسلم أن أصرف بصرى ، أخرجه مسلم وغيره ) ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٧٧_٧٨ ) وكذلك حسن الحديث الأرناؤوط فى تعليقه على المسند ح ٢٢٩٧٤ ).

وقد احتج الشيخ الألبانى بهذا الحديث _ كما احتج بالحديث السابق _ أن الأمر بغض البصر وصرفه يستدل به على أن وجه المرأة يكون مكشوفا ، وإلا فماذا سينظر من المرأة ؟ .

قلت : وكما قلت فى الحديث السابق : أن الأمر بغض البصر وصرفه قد يكون عن النظر إلى الوجه ، وقد يكون إلى العينين من خلف النقاب ، أو إلى المرأة على عمومها

. الحديث الخامس والعشرين : عن جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة ، فأمرنى أن أصرف بصرى (مسلم وغيره ) .

وقد احتج الشيخ الألبانى بالحديث _ كالحديثين السابقين _ أن وجه المرأة يكون مكشوفا وهو محل النظر إليها ، لذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم بصرف البصر ، بينما احتج بالحديث القائلين بوجوب تغطية الوجه ، كالشيخ التويجرى ، إذ قال : ويستفاد من هذا الحديث أن نساء المؤمنين فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم كن يستترن عن الرجال الأجانب ، ويغطين وجوههن عنهن ، وإنما كان يقع النظر فجاءة فى بعض الأحيان ، ولو كن يكشفن وجوههن عن الرجال الأجانب ، لما كان لذكر النظر فجاءة معنى، وأيضا لو كن يكشفن وجوههن عن الرجال الأجانب ، لكان فى صرف البصر عنهن مشقة عظيمة ولاسيما إذا كثرت النساء حول الرجل ، لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلابد أن ينظر إلى أخرى ، وأما إذا كن يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر الحديث ، فإنه لايبقى على الناظر مشقة فى صرف النظر ، لأن ذلك إنما يكون بغتة فى بعض الأحيان ( انظر الصارم المشهور ص ٩٢_٩٥) .

قلت : قول الشيخ التويجرى : يغطين وجوههن كما يفيده ظاهر الحديث ، غير مسلم به . وإنما هو استنباط من الحديث ، قد يدل على ما ذهب إليه ، وقد يدل على ما ذهب إليه الشيخ الألبانى من أن الأمر بصرف البصر يدل على أن النساء كن يكشفن وجوههن . فالحديث ليس نصا لأى من الفريقين ، القائل بوجوب النقاب ، والقائل بعدم وجوبه ، وإنما هو استدلال من الحديث ، وطالما هو استدلال ، فالخلاف في الاستدلال من النص سائغ ومعروف

. يقول الإمام النووى : ومعنى نظر الفجأة : أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه فى أول ذلك ، ويجب عليه أن يصرف بصره فى الحال ، فإن صرف فى الحال فلا إثم عليه ، وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث ، فإنه صلى الله عليه وسلم أمره بأن يصرف بصره ، مع قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم . قال القاضى ( عياض ) قال العلماء وفى هذا حجة أنه لايجب على المرأة أن تستر وجهها فى طريقها ، وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها فى جميع الأحوال ( انظر شرح النووى على مسلم ١٣٩/١٤،إكمال المعلم ٣٧/٧، مرقاة المفاتيح ٢٠٥٢/5) وقال العينى مستدلا من الحديث : دل ذلك على أنه ليس لأحد أن ينظر إلى وجه امرأة إلا أن يكون بينها وبينه من النكاح أو الحرمة ( انظر عمدة القارى ١١٩/٢٠) .

وللحديث بقية، والحمد لله رب العالمين