حجاب المرأة المسلمة (21) 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال حديثنا متصلا حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث الخامس عشر : حديث الواهبة التى جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : يا رسول الله جئت لأهب لك نفسى , فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر وصوبه ثم طأطا رأسه … الحديث ( متفق عليه ) .

الاستدلال من الحديث : أولا : من قال بجواز كشف الوجه: ذكرت كلام ابن بطال أنه استدل من الحديث على أن الوجه ليس بعورة سواء لمن أراد خطبة المرأة أو لم يرد خطبتها , قائلا : … فلما ثبت أن النظر إلى وجهها ( المرأة ) حلال لمن أراد نكاحها , ثبت أنه حلال أيضا لمن لم يرد نكاحها إذا كان لايقصد بنظره ذلك إلى معنى هو عليه حرام ( انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال 7/239) يقول الحافظ ابن حجر: … وفيه (الحديث) جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها وإن لم تتقدم الرغبة فى تزويجها ولا وقعت خطبتها لأنه صلى الله عليه وسلم صعد فيها النظر وصوبه , وفى الصيغة ما يدل على المبالغة فى ذلك , ولم يتقدم منه رغبة فيها ولا خطبة , ثم قال : لاحاجة لى فى النساء .ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أنه يقبلها ما كان للمبالغة فى تأملها فائدة , ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة , والذى تحرر عندنا أنه صلى الله عليه وسلم , كان لايحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره ،وسلك ابن العربى مسلكا آخر , فقال : يحتمل أن ذلك قبل الحجاب , أو بعده , لكنها كانت متلففة . وسياق الحديث يبعد ما قال ( فتح البارى لابن حجر 9/210) قلت : أى سياق الحديث يبعد أنها كانت متلففة ( أى تغطى وجهها ) , وإلا فكيف صوب النبى صلى الله عليه وسلم النظر إليها، فالنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن يريد خطبتها حتى تكشف وجهها،والقول بأن النظر جائز من أجل الخطبة ليس هذا هو محل النزاع , فهذا ثابت في الشرع فقد أمر النبى صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى المرأة قبل خطبتها ،من ذلك حديث أنس رضى الله عنه أن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه خطب امرأة من الأنصار فقال له النبى صلى الله عليه وسلم : اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ( مسند أحمد وهو فى صحيح سنن الترمذى وغيره , أحرى : أولى وأجدر , يؤدم بينكما : تكون بينكما الألفة والمحبة ) والحكمة من ذلك أن رؤية من يريد الزواج منها يؤدى – غالبا – إلى دوام العشرة , وذلك بخلاف إذا لم يرها قبل الزواج بها فربما كانت لاتعجبه . إنما محل النزاع كيف تكشف وجهها إن كانت منتقبة أمام الصحابة , فالمجلس كان فيه النبى صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة . يقول الشيخ الألبانى … النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن قد خطبها , وإنما هى عرضت نفسها عليه كما هو صريح بالحديث , وكان ذلك فى المسجد – كما فى رواية الإسماعيلى – وعلى مرأى من سهل بن سعد راويه ( راوى الحديث ) والقوم الذين كان فيهم كما فى رواية للبخارى وأبى يعلى والطبرانى و روايتهما أتم ( انظر الرد المفحم 1/ 44 – 45 ) .

ثانيا : من قال بعدم جواز كشف الوجه : يقول الشيخ أبو مصعب فريد بن أمين الهنداوى فى كتابه : اللباب فى فرضية النقاب : فالحديث ورد عليه عدة احتمالات أ- أنها جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم لتهب نفسها له صلى الله عليه وسلم , فيحتمل أنها كشفت عن وجهها لينظر إليها حال هذه الواقعة فقط , فلا وجه للاستدلال بهذا الحديث على جواز السفور لكل أحد .

قلت : صدر الشيخ كلامه بقوله : فيحتمل. مما يعنى أنه لم يقف على دليل لما ذهب إليه أو استدلال قوى من الحديث . ثم قوله : انها كشفت عن وجهها لينظر إليها حال هذه الواقعة فقط .

قلت : ليس النزاع فى ذلك كما سبق وإنما النزاع أنها كانت كاشفة عن وجهها أمام جمع من الصحابة فى المسجد ،ففى رواية للحديث عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال : إنى لفى القوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قامت امرأة فقالت يارسول الله إنها وهبت نفسها لك … الحديث ( صحيح البخارى ) , فإن كانت منتقبة فإن ذلك لايجوز لها , وإنما قصر النظر على من أراد النكاح منها فقط . أو كانت كاشفة عن وجهها ولم تكن منتقبة , وهذا أقوى من ناحية الاستدلال , ومن ناحية سياق الحديث . 

ب- ثم قال الشيخ الهنداوى يحتمل أن ذلك قبل نزول آية الحجاب.

قلت صدر كلامه أيضا كسابقه بقول : يحتمل. وآية الواهبة فى سورة الأحزاب مما يدل على تأخر نزولها , وسورة الأحزاب فيها الآيات التى تأمر المؤمنات بالحجاب والإدناء , فهل كانت قصة الواهبة قبل آيات الحجاب أو بعدها ؟ يبقى ذلك على الاحتمال , خاصة مع تعدد أسماء الواهبات لأنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل أم شريك الأنصارية ( انظر ترجمتها فى سير أعلام النبلاء 2/ 256 ) .وورد عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت : التى وهبت نفسها للنبى صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم ( تفسير ابن كثير 6/443 ) وقيل غير هاتين الصحابيتين رضى الله عنهما.

ج: ثم قال الشيخ الهنداوى : يحتمل أن ذلك بعد الحجاب ولكنها كانت متلفعة , لا أنها كانت سافرة للوجه حيث إن سياق الحديث يبعد أنها كانت كاشفة لكل أجنبى وجهها . قلت : قوله إنها كانت متلفعة , سبق أن قاله ابن العربى المالكى , وأجاب عليه الحافظ ابن حجر بقوله : وسياق الحديث يبعد ما قال . ( انظر فتح البارى 9/ 210 ).

فسياق الحديث لا يبين أنها كانت تستر وجهها ( متلفعة ) وإلا لماذا كشفت عن وجهها أمام الصحابة فى المسجد ؟ بل سياقه يدل على عكس ما ذهب إليه الشيخ أنها كانت كاشفة عن وجهها . 

الحديث السادس عشر : عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس ( متفق عليه ) ، وفى رواية : أو لا يعرف بعضهن بعضا. الاستدلال من الحديث: قال الألبانى : ووجه الاستدلال , هو قولها : لايعرفن من الغلس . فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن , وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهى مكشوفة ثم قال : ثم وجدت رواية صريحة فى ذلك بلفظ : وما يعرف بعضنا وجوه بعض ( قال الألبانى رواه أبو يعلى فى مسنده / بسند صحيح عنها , انظر السلسلة الصحيحة 650/1 ح 332 , وقال الألبانى عقب الحديث : وهى زيادة مفسرة لاتعارض رواية الصحيحين فهى مقبولة , وهو دليل ظاهر على أن وجه المرأة ليس بعورة , الغلس : هو وقت اختلاط ضوء الصبح بظلمة الليل ) .

قال الباجى : وقوله ما يعرفن من الغلس : يحتمل أمرين : أحدهما : لايعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس , إنما يظهر إلى الرائى أشخاصهن خاصة …. ويحتمل أيضا أن يريد لايعرفن من هن من النساء من شدة الغلس , وإن عرف أنهن نساء , إلا إن هذا الوجه يقتضى أنهن سافرات عن وجوههن , ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس …( انظرالمنتقى شرح الموطأ 1/9) قال الداوود ى : معناه ما يعرفن أنساء هن أم رجال , وقيل ما يعرف أعيانهن . قال النووى : وهذا ضعيف , لأن المتلفعة فى النهار أيضا لايعرف عينها , فلايبقى فى الكلام فائدة ( شرح النووى على مسلم 5/144) وتعقب العينى النووى , فقال : هذا ليس بضعيف , لأنه ليس المراد من قوله : ما يعرف أعيانهن , , ما يشخصن حقيقة التشخيص , بل معناه : ما يعرفن أرجال أو صبيان أو نساء أو بنات ( شرح سنن أبى داوود للعينى 2/293) .

وقال فى عمدة القارى : ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل , أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطى , وقيل ما يعرفهن أحد , يعنى ما يعرف أعيانهن , وهذا بعيد والأوجه فيه أن يقال : ما يعرفهن أحد , اى نساء هن أم رجال ؟ وإنما يظهر للرائى الأشباح خاصة ( عمدة القارى 4/90 ) .

قال التويجرى : وهذا الحديث دليل على أن نساء الصحابة رضى الله عنهن كن يغطين وجوههن ويستترن عن نظر الرجال الأجانب , حتى أنهن من شدة مبالغتهن فى التستر وتغطية الوجوه لايعرف بعضهن بعضا ،ولو كن يكشفن وجوههن لعرف بعضهن بعضا , كما كان الرجال يعرف بعضهم بعضا ( الصارم المشهور صــ 86 ). قلت : لايخفى أن الحديث ليس نصا فى النقاب أو عدمه وإنما استدل به جماهير العلماء على وقت صلاة الصبح , ومن استدل به على الحجاب استدل بمفهومه , وهذا الاستدلال يحتمل ما ذهب إليه الفريقان , من استدل به على تغطية الوجه , ومن استدل به على كشف الوجه . وإن كان الأقرب – والله أعلم – بضم رواية أبى يعلى السابقة أنهن كن كاشفات الوجوه , لكن هذا لايدل على جواز كشف الوجه أيضا , لأن المرأة إذا أمنت أن لايراها أحد فى ظلمة الليل قد تكشف وجهها مستترة بظلام الليل , خاصة أن الرجال كانوا يمكثون بعد الصلاة فى المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتخلو شوارع المدينة من الرجال , والله أعلم . الحديث السادس عشر : عن فاطمة بنت قيس رضى الله عنها قالت : أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب , فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته , فقال : والله مالك علينا من شئ , فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , فقال : ليس لك عليه نفقة . فأمرها أن تعتد فى بيت أم شريك , ثم قال : تلك أمرأة يغشاها أصحابى , اعتدى عند ابن أم مكتوم , فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده …. ( الحديث ) وفى رواية : أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون فانطلقى إلى ابن أم مكتوم الأعمى فإنك إذا وضعت خماره لم يرك … وفى رواية … فإنى أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين , ولكن انتقلى إلى بيت ابن عمك عبدالله بن عمرو ابن أم مكتوم فأعتدى عنده , فإنه رجل أعمى إذا وضعت خمارك لم يرك ( صحيح مسلم وغيره ) ( أم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة فى سبيل الله عزوجل ينزل عليها الضيفان ) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين