حجاب المرأة المسلمة (20) 

الحمد لله وحده , والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث متصلا حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث الرابع عشر : حديث الخثعمية التى استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع يوم النحر وأخذ الفضل ينظر إليها … الحديث ورأينا استدلال الفريقين من الحديث , الفريق القائل بوجوب تغطية الوجه , والفريق القائل بجواز كشف الوجه .

وأوردت بعض الايرادات على هذه الاستدلالات , وقد انتهيت بفضل الله تعالى فى الحلقة السابقة من كلام الشيخ الشنقيطى يرحمه الله , ونواصل البحث.

يقول الشيخ التويجرى يرحمه الله حول حديث الخثعمية : وأما حديث ابن عباس رضى الله عنهما , فالجواب عنه من وجوه : أحدها : أن ابن عباس رضى الله عنهما لم يصرح فى حديثه بأن المرأة كانت سافرة بوجها , وأن النبى صلى الله عليه وآله وسلم رآها كذلك وأقرها حتى يتم الاستدلال به على جواز سفور المرأة بوجهها بين الرجال الأجانب , وغاية ما فيه أنه ذكر أن المرأة كانت وضيئة , وفى الرواية الأخرى ( حسناء ) فيحتمل أنه أراد حسن قوامها وقدها ووضاءة ما ظهر من أطرافها ( الصارم المشهور 122 ) .

قلت : هذا الاستدلال ذكره بنحوه الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – ويجاب عن كلام الشيخ التويجرى بقريب مما سبق أن أجبت به على كلام الشيخ الشنقيطى , ففى قول الشيخ التويجرى أن ابن عباس رضى الله عنهما لم يصرح فى حديثه بأن المرأة كانت سافرة بوجهها وأن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كذلك وأقرها …

قلت : لماذا أذن كان النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إن كانت المرأة تغطى وجهها.

و فى قول الشيخ التويجرى : غاية ما فيه أنه ذكر أن المرأة كانت وضيئة , وفى الرواية الأخرى حسناء , فيحتمل أنه أراد حسن قوامها وقدها ووضاءة ما ظهر من أطرافها …

قلت : يستبعد أن توصف المرأة بأنها حسناء ووضيئة ويراد بذلك قوامها , وما ظهر من أطرافها , فمن البديهى أن هذه الأوصاف تكون لوجه المرأة ولايوصف قوامها بهذه الأوصاف , وهى امرأة محجبة , فما هى الأطراف التى ظهرت منها , وهل تغطى وجهها وتترك أطرافها التى تشير إلى وضاءتها وحسنها , وهل قوامها استلفت نظر الفضل حتى يكرر النظر إليه مرات ، ثم فى رواية من روايات الحديث , قال الفضل رضى الله عنه : فكنت أنظر إليها فنظر النبى صلى الله عليه وسلم فقلب وجهى عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهى عن وجهها , حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهى ( انظر روايات الحديث فى جلباب المرأة المسلمة صـــ 62). قلت : واستبعاد الشيخ التويجرى رؤية النبى صلى الله الله عليه وسلم لوجه الخثعمية , يرده أمور , منها : إنه فى إحدى روايات الحديث ذكر الفضل رضى الله عنه قوله : : كنت ردف النبى صلى الله عليه وسلم وسلم وأعرابى معه بنت له حسناء فجعل الاعرابى يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها … ( قال الحافظ فى الفتح رواه أبو يعلى بإسناد قوى 4/68 , وضعفه الألبانى وذكر أن فيه خمس علل , انظرها فى الرد المفحم 1/58 – 61 ).

قلت : فمن أخذ بتقوية الحديث , جعل كشف الخثعمية لوجهها من أجل أن يراها النبى صلى الله عليه وسلم فيعجبه حسنها فيتزوجها .

قلت : وهل تكشف المنتقبة وجهها أمام عموم الناس فى الحج ليراها النبى صلى الله عليه وسلم ويراها الناس ؟ فهذا بعيد , فالمنتقبة تكشف وجهها فقط لمن أراد خطبتها ،وقد يرد على ذلك أنها كانت جاهلة بالأحكام ، وهذا محتمل , لكن يبقى فى كلامه الإقرار بكشف وجهها , وأنها كشفته ليراه النبى صلى الله عليه وسلم , وبالتالى الإقرار بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رآها . ولايخفى أنه فى الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها، والرد على من قال أنه لم يرها إلا الفضل وحده، كيف وهى وتتعرض للنبى صلى الله عليه وسلم لينظر إليها , وفى هذا رد أيضا على من زعم أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها ولا أقرها على كشف وجهها، أما من قال بضعف الحديث فلم يعول عليه فى شئ كالشيخ الألبانى على الرغم من أن الحديث دليل قوى لما ذهب إليه من جواز كشف المرأة لوجهها .

ثم قال الشيخ التويجرى , الوجه الثانى : أن عبدالله بن عباس رضى الله عنهما لم يكن حاضرا حين كان أخوه الفضل ينظر إلى الخثعمية وتنظر إليه , لأنه كان ممن قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الضعفة بليل , كما ثبت ذلك عنه فى الصحيحين والمسند والسنن , وروايته للقصة إنما كانت من طريق أخيه الفضل بن عباس رضى الله عنهما ( الصارم المشهور صــ 122) قلت : قال الترمذى سألت محمدا – يعنى البخارى – عن هذا – أى عن حديث الفضل فقال : اصح شئ فيه ما روى ابن عباس عن الفضل : قال : فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة . قال الحافظ ابن حجر : ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة وحضره ابن عباس , فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة بما شاهده ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذى واحمد وابنه عبدالله والطبرى من حديث على رضى الله عنه مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمى , وأن العباس كان شاهدا … فقال العباس : يا رسول الله لويت عنق ابن عمك , قال : رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان، وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك , فلا مانع أن يكون ابنه عبدالله ابن عباس أيضا كان معه ( انظر فتح البارى 4/67 ) قلت : وقد ثبت أن سؤال الخثعمية كان بعد رمى الجمرات , وابن عباس إنما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم مع الضعفة بليل , فانتهى مما كلفه به النبى صلى الله عليه وسلم وعاد اليه ليكمل معه المناسك ، ويؤيد ذلك أن ابن عباس كلفه النبى بالتقاط الحصى الذى سيرمى به جمرة العقبة فعن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة ( وفى رواية غداة النحر , وفى رواية غداة جمع ) وهو واقف على راحلته : هلم القط لى , فلقطت له حصيات هن حصى الخذف … الحديث ( انظر حجة النبى صلى الله عليه وسلم للألبانى هامش صـــ 78 ، والحديث أخرجه أحمد فى المسند ح 1851 بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما , ح 3248 بالشك من عوف ابن أبى جميلة الأعرابى أحد رواة الحديث أنه لايدرى عبدالله أو الفضل بن عباس، وقد أخرج الحديث النسائى وابن أبى شيبة وابن حبان وغيرهم أن من التقط هو ابن عباس , انظر تخريج الحديث فى سلسلة الأحاديث الصحيحة للألبانى ح 1283 ) .

ثم قال الشيخ التويجرى : وعلى تقدير أن الفضل رأى وجه الخثعمية , فيحتمل أنه قد انكشف بغير قصد منها , فرآه الفضل وحده , يوضح ذلك ، الوجه الثالث : وهو أن الذين شاهدوا قصة الفضل والخثعمية لم يذكروا حسن المرأة ووضاءتها , ولم يذكروا أنها كانت كاشفة عن وجهها , فدل هذا على أنها كانت مستترة عنهم .

قلت : بعد أن قال الشيخ بعدم رؤية وجهها , عاد فقدر أن الفضل رأى وجهها – وهذا ظاهر فى الحديث – لكنه قصر رؤية وجهها للفضل فقط , واحتمال أن ينكشف نقابها أو إسدالها عن وجهها بغير قصد منها وارد، لكنه يبقى مجرد احتمال , مع استبعادى تعلق نظر الفضل بها وتكراره النظر إليها لمجرد لمحة عابرة رآها عندما انكشف غطاء وجهها , ففى العادة أن غطاء الوجه إذا انكشف بفعل هواء أو غير ذلك فإنه لايظهر الوجه كاملا وتسارع المرأة بتغطية وجهها , فلا يستطيع من لمح هذه اللمحة السريعة , أن يصف جمال المرأة وأنها وضيئة حسناء، أما قول الشيخ التويجرى أنه لم يصف حسن المرأة ووضاءتها إلا ابن عباس فقط , مما يدل على أنها كانت مستترة عن الأعين.

قلت : لايلزم لكل من رأى القصة أن يرويها بتفاصيلها- وهذا مقرر فى علم الحديث – والغالب على الراوى أن يركز على المعنى الرئيس فى الحديث , وهو فى حديث الخثعمية السؤال عن الحج عن أبيها الذى لايستطيع الحج لكبر سنه، ومقتضى رواية ابن عباس تستلزم أن يذكر وصف المرأة وحسنها لأنها العلة فى صرف وجه النبى صلى الله عليه وسلم للفضل عدة مرات . ثم قال الشيخ التويجرى : وفى تعليله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم خوف الفتنة على الفضل بشباب المرأة , إشعار بأنها لم تكشف وجهها بمرأى من النبى صلى الله عليه وسلم , وأنه صلى الله عليه وسلم لم ير ما ذكر عنها من الحسن , وإلا فالحسن أدعى إلى الفتنة من الشباب أو التعليل به أقوى من التعليل بالشباب , ولما لم يعلل النبى صلى الله عليه وسلم بذلك , دل على أنها كانت ساترة لوجهها.

قلت : التعليل بالشباب وليس بالحسن , لأن الحسن يشترك فيه الشابة وغيرها ،أما التعليل بالشباب لأن مظنة الفتنة بين الشباب أقوى , وهذا ظاهر فى كلام النبى صلى الله عليه وسلم : رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ،فالنبى صلى الله عليه وسلم لم يقصر علة الشباب على المرأة فقط وإنما أشرك فيها الفضل ابن عباس رضى الله عنهما.

قال الشيخ السندى : لا حجة فى الحديث للذين يقولون بجواز كشف الوجه والكفين لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر على الفضل بن عباس إنكارا باتا بأن لوى عنقه وصرفه إلى جهة أخرى , وكان فى هذا الصنيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكار واضح لأنه أنكر باليد ( ثلاث رسائل فى الحجاب صــ 83 ).

قلت : فى قول الشيخ السندى أن النبى صلى الله عليه وسلم أنكر باليد على الفضل رضى الله عنه , فهل يترك النبى صلى الله عليه وسلم الخثعمية بلا إنكار ولو بكلمة , وهل هذا يجوز فى حق النبى صلى الله عليه وسلم أن يرى منكرا ولا يأمر بتغييره , ولا يذكر كلمة واحدة للمرأة , وهو المشرع وسكوته صلى الله عليه وسلم يعد إقرار منه لما يرى , لأن سكوته صلى الله عليه وسلم ليس كسكوت اى أحد , فكيف ينكر على الفضل وحده نظره للخثعمية بينما هو رد فعل لكشفها المرأة لوجهها و لاينكر على المرأة ،ومنكرها بكشف وجهها هو السبب فيما حدث من الفضل ؟ الحديث الخامس عشر : عن سهل بن سعد رضى الله عنه ان امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المسجد فقالت يارسول الله جئت لأهب لك نفسى فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه , ثم طأطأ برأسه , فقامت قياما طويلا , فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئا جلست , فقام رجل من أصحابه , فقال : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ,,, الحديث ( البخارى ومسلم وغيرهما ) .

الاستدلال من الحديث .

أولا لمن قال بجواز كشف الوجه : يقول ابن بطال : وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال , فخرج بذلك حكمه من حكم العورة , لأنا رأينا ما هو عورة لايباح لمن أراد نكاحها النظر إليه , ألا ترى أن من أراد نكاح امرأة فحرام عليه النظر إلى شعرها أو إلى صدرها أو إلى ما أسفل من ذلك من بدنها , كما يحرم ذلك منها على من لم يرد نكاحها , فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها , ثبت أنه حلال أيضا لمن لم يرد نكاحها إذا كان لايقصد بنظره ذلك إلى معنى هو عليه حرام … ( شرح صحيح البخارى لابن بطال 7/239) .

وللحديث بقية ،والحمد لله رب العالمين