مجلة التو حيد عدد جمادى الأول 1440هـ.
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : ما زال حديثنا متصلا حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , انتهيت- بفضل الله تعالى – من أدلة القرآن , ووصلت إلى الحديث الرابع عشر من أدلة السنة , وهو حديث الخثعمية التى استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع يوم النحر وأخذ الفضل ينظر إليها …. الحديث ورأينا الاستدلال من الحديث للفريقين , الفريق القائل بجواز كشف الوجه , والفريق الذى قال بعدم جواز كشف الوجه . ووصلت إلى كلام الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – وهو من القائلين بعدم جواز كشف الوجه , فنقلت كلامه – لأنه يضم أكثر استدلالات القائلين بعدم جواز كشف الوجه -ثم أوردت على استددلالاته بعض الإيرادات , من ذلك : 1- قوله : ليس فى روايات الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها … والرد على ذلك 2- قوله : قدينكشف عنها خمارها من غير قصد … والرد على ذلك 3- ويحتمل أن يكون يعرف حسنها – أى الفضل – قبل ذلك الوقت …. والرد على ذلك 4- قوله : ليس فى روايات الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها … والرد على ذلك.
ونستأنف بقية الإيرادات على كلام الشيخ الشنقيطى : 5- قول الشيخ الشنقيطى : ومما يوضح هذا أن عبدالله بن عباس رضى الله عنهما الذى روى هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى المرأة ونظرها إليه , لما قدمنا من أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم قدمه – أى ابن عباس – بالليل من مزدلفة إلى منى فى ضعفة أهله , ومعلوم انه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل , وهو لم يقل له : أنها كانت كاشفة عن وجهها .
قلت :فى قوله أن ابن عباس روى الحديث عن أخيه الفضل ولم يكن حاضرا الواقعة , فى قوله هذا نظر . قال الترمذى : سألت محمدا يعنى البخارى عن هذا – أى عن حديث الفضل – فقال : أصح شئ فيه ما روى ابن عباس عن الفضل . قال : فيحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة . يقول الحافظ ابن حجر : وإنما رجح البخارى الرواية عن الفضل لانه كان ردف النبى صلى الله عليه وسلم حينئذ , وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع الضعفة … وقد سبق فى باب التلبية والتكبير من طريق عطاء عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى الجمرة , فكأن الفضل حدث أخاه بما شاهده فى تلك الحالة , ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة فحضره ابن عباس , فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة وتارة عما شاهده , ويؤيد ذلك ما وقع عند الترمذى وأحمد وابنه عبدالله والطبرى من حديث على مما يدل على أن السؤال المذكور وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمى , وأن العباس كان شاهدا , ولفظ أحمد عندهم من طريق عبيدالله بن أبى رافع عن على قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة , فقال : هذه عرفة وهو الموقف … فذكر الحديث , وفيه ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر , فقال : هذا المنحر , وكل منى منحر، واستفتته , وفى رواية عبدالله ( بن أحمد ) ثم جاءته جارية شابة من خثعم , فقالت : إن أبى شيخ كبير قد أدركته فريضة الله فى الحج , أفيجزئ أن أحج عنه ؟ قال : حجى عن ابيك , قال : ولوى عنق الفضل : فقال العباس : يارسول الله لويت عنق ابن عمك , قال : رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان . وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك , فلامانع أن يكون ابنه عبدالله أيضا كان معه ( انظر فتح البارى 4/67,والأحاديث التى أشار إليها الحافظ ابن حجر فى المسند , ح562, ح 1348وقال الأرناؤوط : حسن , والترمذى ح 885 وقال الألبانى : حسن , والطبرى فى التفسير ح 3828 ,3827 ) .
6- قول الشيخ الشنقيطى : أن المرأة محرمة وإحرام المرأة فى وجهها وكفيها , فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه , وعليها ستره من الرجال فى الإحرام كما هو معروف عن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن ثم قال : و بذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد , فكشفها عن وجهها إذن لإحرامها , لا لجواز السفور .
قلت :ذكرت من روايات حديث الفضل رضى الله عنه أن ذلك كان بعدد رمى الجمرات وعند النحر ومعنى ذلك أن سؤال الخثعمية كان بعد التحلل من الإحرام , وبالتالى فلا حجة فى كلامه أنها كاشفة عن وجهها لأنها محرمة. يقول الشيخ الألبانى – يرحمه الله – استدل الحافظ فى الفتح على أن الأستفتاء وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمى، ثم قال الشيخ : ومعنى ذلك أن السؤال كان بعد التحلل من الإحرام , كما هو معلوم أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة , حل له كل شئ إلا النساء وحينئذ فالمرأة الخثعمية لم تكن محرمة ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 63) ثم قال الألبانى : ثم هب أنها كانت محرمة , فإن ذلك لا يخدج فى استدلال ابن بطال المذكور ( قلت يقصد قول ابن بطال استدلالا من الحديث : وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب , ما يلزم أزواج النبى صلى الله عليه وسلم , إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبى صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالإستتار ولما صرف وجه الفضل ،وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدى وجهها فى الصلاة ولو رآه الغرباء ،وأن قوله ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) على الوجوب فى غير الوجه ). ثم نقل كلام الحافظ ابن حجر تعليقا على كلام ابن بطال : فى استدلاله – ابن بطال – بقصة الخثعمية كما ادعاه نظر لأنها كانت محرمة. قال الألبانى : كلا فإنه لا دليل على أنها كانت محرمة , بل الظاهر خلافه , فقد قدمنا عن الحافظ نفسه أن سؤال الخثعمية للنبى صلى الله عليه وسلم إنما كان بعد رمى جمرة العقبة – أى بعد التحلل – فكأن الحافظ نسى ما كان حققه هو بنفسه رحمه الله تعالى. ثم قال الألبانى : المحرمة تشترك مع غير المحرمة فى جواز ستر وجهها بالسدل عليه وإنما يجب عليها أن لاتنتقب فقط , فلو أن كشف المرأة لوجهها أمام الأجانب لايجوز لأمرها صلى الله عليه وسلم أن تسبل عليه من فوق كما قال ابن حزم – لاسيما وهى من أحسن النساء وأجملهن , وقد كاد الفضل بن عباس أن يفتن بها ( انظر جلباب المرأة المسلمة صــ 63-64) ومن ناحية أخرى فإن الشيخ الشنقيطى قال: فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه , وعليها ستره من الرجال فى الإحرام قلت : وكلام الشيخ يلزم منه أنها كانت تغطى وجهها فى حال إحرامها , وهى لم تكن محرمة وكانت كاشفة عن وجهها !!- قال الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – فإن قيل كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة , لأن الغالب أن المرأة السافرة فى وسط الحجيج لاتخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال، ثم قال الشنقيطى: فالجواب أن الغالب على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء , فلامانع عقلا ولا شرعا ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم , ولو نظر لحكى كما حكى نظر الفضل إليها . قلت : بنى الشيخ كلامه على أنها لم يرها إلا الفضل وهذا بعيد , وهى تأتى وتسأل النبى صلى الله عليه وسلم عند المنحر ( شديد الزحام ) , والنبى صلى الله عليه وسلم دائما محاطا بأصحابه إن لم يكن بأجسادهم فبعيونهم !! أما قوله أن الغالب على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء , قلت فهذا معناه أنها كانت كاشفة عن وجهها , والصحابة لورعهم لم ينظروا، وقوله : لم ينظر إليها أحد منهم – أى من الصحابة – ولو نظر لحكى كما حكى الفضل ،فالرؤية أنها كانت للفضل وحده بعيدة , أو أن وجهها انكشف فجأة دون قصد منها وتستمر فى كشفه حتى يحول النبى صلى الله عليه وسلم وجه الفضل مرات , بعيدة أيضا . و لايلزم لكل من رأى أن يصف بالتفاصيل , وهذا معلوم من الروايات المتعددة للحديث الواحد , فالبعض يصف كل شئ بدقة والبعض يركز على المعنى المراد من الحديث فقط , وعلى فرض أن بعض الصحابة رآها , فكيف يصف حسنها وجمالها وهو يعلم أنه مأمور بغض البصر من ناحية , ومن ناحية أخرى عدم وصف المرأة إذا وقعت عينه عليها من غير قصد. ستقول : ولماذا إذن وصف الفضل أو ابن عباس جمال المرأة , قلت مقتضى الحديث يستدعى ذلك , فلماذا يكرر الفضل النظر , ولماذا يكرر النبى صلى الله عليه وسلم تحويل وجهه للناحية الأخرى , ما العلة لذلك , العلة وضاءة المرأة وحسنها .
8- قال الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – وبالجملة : فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء فى الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب , مع أن الوجه هو أصل الجمال , والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير , قلت : يعود الشيخ هنا ليقرر أن وصف الجمال يأتي من الوجه , وأن الوجه هو أصل الجمال , ومع أنه سبق له أن ذكر – كما رأينا أن وضاءة المرأة وحسنها قد تعرف من غير وجهها .
يقول الشيخ ابن عثيمين – يرحمه الله – فإن قيل : فلماذا لم يأمر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة بتغطية وجهها ؟ فالجواب : ان الظاهر انها كانت محرمة , والمشروع فى حقها أن لاتغطى وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الأجانب(ثلاث رسائل في الحجاب ص46) .
قلت : أما قول الشيخ الظاهر أنها كانت محرمة , فهذا سبق الرد عليه , بأن روايات الحديث بينت أن قصة الخثعمية كانت فى يوم النحر بعد رمى الجمرات بعد التحلل من الإحرام ومن هذه الأحاديث – إضافة لما ذكرت – حديث جابر بن عبدالله فى صفة حجة النبى صلى الله عليه وسلم وفيه : … وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس وأردف الفضل بن عباس وكان رجلا حسن الشعر ابيض وسيما … ( صحيح مسلم ح 1218 ).
وأما قول الشيخ ابن عثيمين – يرحمه الله – والمشروع فى حقها – أى المحرمة – أن لاتغطى وجهها إذا إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الاجانب , قلت : وهذا سبق أن رددت عليه بأنها كانت كاشفة عن وجهها عندما استفتت النبى صلى الله عليه وسلم وإلا فكيف وصفها الفضل بالحسن والجمال , ولماذا صرف النبى صلى الله عليه وسلم وجه الفضل حتى لاينظر إليها . ثم قال الشيخ ابن عثيمين : أو يقال : لعل النبى صلى الله عليه وسلم أمرها بعد ذلك , فإن عدم نقل أمره بذلك لايدل على عدم الأمر , إذ عدم النقل ليس نقلا للعدم. قلت : الشيخ هنا أقام كلامه على افتراض , وهو أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها بتغطية وجهها لكن هذا لم ينقل إلينا , وهذا أراه بعيدا جدا , إذ كيف لايذكر رواة الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها بتغطية وجهها , والمقتضى لذكر ذلك موجود بل وقوى , فبعد صرف وجه الفضل , لو أمرها النبى صلى الله عليه وسلم بتغطية وجهها لذكر الرواة ذلك فى الحديث، ولكونه لم يأت فى أى رواية – فيما أعلم – فيبقى هذا مجرد احتمال لايقرر شيئا ،وفى ثنايا كلامه أقر الشيخ بانها كانت كاشفة عن وجهها لان هذا واضح من الحديث – وإلا لماذا قال : لعل النبى صلى الله عليه وسلم أمرها بعد ذلك – اى بتغطية وجهها-
وللحديث بقية .
والحمد لله رب العالمين
