الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : نواصل حديثنا حول أدلة الحجاب – بفضل الله سبحانه وتعالى – وقد تكلمت عن أدلة الحجاب من القرآن والسنة , فتكلمت عن آيات الحجاب ثم انتقلت إلى الأحاديث , فذكرت ثلاثة عشر حديثا , واختلاف أهل العلم فى الحكم على الأحاديث واختلاف اجتهادهم فى الإستنباط من الأحاديث , ووصلت إلى الحديث الرابع عشر : وهو حديث ابن عباس رضى الله عنهما :الذى فيه أن امراة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع يوم النحر , والفضل بن عباس رضى الله عنهما رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان الفضل رجلا وضيئا , فأخذ الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ،وتنظر إليه … الحديث .
الاستدلال من الحديث : أولا لمن قال بجواز كشف الوجه : قال ابن حزم يرحمه الله , فلو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس , ولأمرها أن تسبل عليه من فوق , ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء , فصح كل ما قلناه يقينا , والحمد لله كثيرا ( المحلى 2/274) .
قال الشيخ الألبانى يرحمه الله : والحديث يدل على ما دل عليه الذى قبله( حديث سفعاء الخدين ) من أن الوجه ليس بعورة ثم نقل كلام ابن حزم – السابق ذكره – ثم ذكر كلام ابن بطال : فى الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة , ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع . قال : ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها فخشى الفتنة عليه ،وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم , وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن . وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبى صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل. قال وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا , لإجماعهم على أن المرأة أن تبدى وجهها فى الصلاة ولو رآه الغرباء ( انظر هامش جلباب المرأة المسلمة ص63-64) .
قال الشوكانى : ومن جملة مااستدلوا به حديث ابن عباس عند البخارى ( ثم ذكر حديث الخثعمية والفضل بن عباس رضى الله عنهما ) ثم قال : وقد استنبط منه ابن القطان جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها , فلو لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل ( يقصد ما قاله العباس رضى الله عنه للنبى صلى الله عليه وسلم : لم لويت عنق ابن عمك ) ولو لم يكن ما فهمه جائزا ما أقره عليه . ثم قال : وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبى صلى الله عليه وسلم ( يقصد قوله تعالى : وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) لأن قصة الفضل فى حجة الوداع وآية الحجاب فى نكاح زينب فى السنة الخامسة من الهجرة ( انظر نيل الأوطار 6/135) .
قلت :
ويرد على استنباط ابن القطان : أن العباس رضى الله عنه لو لم يفهم أن النظر جائز ما كان سأل النبى صلى الله عليه وسلم ، فهذا الاستنباط على الإحتمال , فالعباس رضى الله عنه رأى النبى صلى الله عليه وسلم يحول وجه الفضل عدة مرات فأراد أن يستفسر عن علة ذلك , خاصة أنه لم يجعل فى سؤاله ذكرا للنظر , ومن المؤكد أنه يعلم الأمر بغض البصر فإن خفى عليه فى الحديث لحداثة عهده بالإسلام ،فلايخفى عليه فى القرآن .
ثانيا : من قال بعدم جواز كشف الوجه : قال القاضى عياض : لعل الفضل لم ينظر نظرا ينكر , بل خشى عليه أن يئول إلى ذلك أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب ( انظر فتح البارى للحافظ ابن حجر 4/70 ). ويجاب على القاضى عياض : بأن الأمر بغض البصر على الإطلاق , وأن مالم ينكر يؤدى إلى ما ينكر، وهو الوقوع فى الفتنة ،ولقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن اتباع النظرة النظرة ،كما بحديث بريدة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ياعلى لاتتبع النظرة فإن لك الأولى وليست لك الأخرى ( صحيح سنن الترمذى وغيره ) ،بل أمر صلى الله عليه وسلم بصرف البصر إذا وقع فجأة على امرأة أجنبية , كما فى الحديث عن جرير بن عبدالله رضى الله عنه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة ؟ فقال : اصرف بصرك ( مسلم ).
أما قوله أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب , فهذا مردود عليه بما ثبت أن هذه القصة ( الخثعمية ) إنما وقعت فى حجة الوداع , وآيات الحجاب إنما نزلت قبل ذلك فى زواج النبى صلى الله عليه وسلم من زينب فى السنة الخامسة من الهجرة .
وقال الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – ( وسأسوق نص كلامه , لأنه يحوى غالب ما قيل حول الحديث ) بعد أن ساق حديث الخثعمية :فالإخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم من أنها كانت كاشفة عن وجهها .
وأجيب عن ذلك أيضا من وجهين : الأول : الجواب بأنه ليس فى شئ من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها , وأن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عنه وأقرها على ذلك , بل غاية ما فى الحديث أنها كانت وضيئة , وفى بعض روايات الحديث : أنها حسناء , ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لايستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها , وانه صلى الله الله عليه وسلم اقرها على ذلك , بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها .. ثم قال : ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها , ومما يوضح هذا أن عبدالله بن عباس رضى الله عنهما الذى روى هذا الحديث لم يكن حاضرا وقت نظر أخيه إلى المرأة ونظرها إليه , لما قدمنا من أن النبى صلى الله عليه وسلم قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى فى ضعفة أهله , ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل , وهو لم يقل له : إنها كانت كاشفة عن وجهها ،وإطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لايستلزم السفور قصدا لاحتمال أن يكون رأى وجهها وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها ،واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها، فإن قيل فى قوله إنها وضيئة. وترتيبه على ذلك بالفاء فى قوله : فطفق الفضل ينظر إليها , وقوله : وأعجبه حسنها : فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها وينظر إليه لإعجابه بحسنه . فالجواب : أن تلك القرائن لاتستلزم استلزاما , لاينفك أنها كانت كاشفة ،وأن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كذلك وأقرها , لما ذكرنا من أنواع الاحتمال مع أن جمال المرأة قد يعرف وينظر إليها بجمالها وهى مختمرة , وذلك لحسن قدها وقوامها ،وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط , كما هو معلوم . الوجه الثانى : أن المرأة محرمة وإحرام المرأة فى وجهها وكفيها , فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليه وعليها سترة من الرجال فى الإحرام , كما هو معروف عن أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن , ولم يقل أحد أن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس رضى الله عنهما , والفضل منعه النبى صلى الله عليه وسلم من النظر إليها وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد، فكشفها عن وجهها إذا لإحرامها لا لجواز السفور .فإن قيل كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة , لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج لاتخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال . فالجواب أن الغالب على أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم الورع وعدم النظر إلى النساء , فلامانع عقلا ولاشرعا ولا عادة , من كونها لم ينظر إليها أحد منهم , ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها , ويفهم من صرف النبى صلى الله عليه وسلم بصر الفضل عنها , أنه لاسبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة وهى سافرة , وبالجملة فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء فى الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب , مع أن الوجه هو أصل الجمال , والنظر إليه من الشابة الجميلة هو اعظم مثير للغريزة البشرية وداع إلى الفتنة ( أنظر أضواء البيان 6/254-256) .قلت: وكلام الشيخ الشنقيطى – يرحمه الله – يرد عليه إيرادات , كالتالى : 1- قوله بأنه ليس فى روايات الحديث أنها كانت كاشفة عن وجهها . وغاية ما فى الحديث أنها كانت وضيئة حسناء وهذا لايستلزم منه أن تكون كاشفة عن وجهها . والحقيقة أن وصف المرأة بأنها وضيئة أو حسناء لايكون إلا من خلال وجهها , فإن قيل إن فلانة حسناء او وضيئة , فيفهم منه أن هذا وصف لوجهها , ويستبعد أن يكون هذا وصف لقوامها و ثم كيف يرى قوامها وهى محجبة بملابس المفترض أنها لاتصف شيئا من قوامها , فكيف عرف حسنها ثم يكرر النظر إلى ماذا عدة مرات ؟!! والعلماء الذين قالوا بوجوب تغطية وجه المرأة من استدلالاتهم , أن جمال المرأة فى وجهها , فعندما توصف المرأة بالجمال فهذا يعنى – بداهة – جمال الوجه ،وفى الحديث يقولون أن وصف المرأة بالجمال والوضاءة والحسن , لايشترط منه جمال وجهها .
وفى إحدى روايات الحديث : عن الفضل بن عباس قال : كنت ردف النبى صلى الله عليه وسلم وأعرابى معه بنت له حسناء فجعل الأعرابى يعرضها لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجاء أن يتزوجها … ( قال الحافظ فى الفتح : رواه أبو يعلى بإسناد قوى 4/68 , إلا أن الألبانى ذكر ضعفه وأن فيه خمس علل , انظرها فى الرد المفحم 1/58-61 وبالتالى فلن نعول عليه )
2- قوله – قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد فيراها بعض الرجال .. قلت : لو انكشف خمارها فجأة وسارعت بالتغطية , فهل فى هذا الوقت الذى فى الغالب يكون لمحة سريعة يعرف حسنها ووضائتها ويكررالفضل النظر إليها، , وإن كان من الممكن أن يكرر لها النظر بعد تغطية وجهها إذا رأى جمالها وعاينه وعرفه , وهذا أرى أنه لايتأتى من مجرد نظرة سريعة لامرأة كشف نقابها عن وجهها فسارعت بإعادته .
3- قوله : ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفه . قلت الشيخ قال : ويحتمل , فبنى استدلاله هنا على الإحتمال , وكون الفضل يعرفها قبل ذلك وهى منتقبة،هذا يحتاج إلى دليل وإن كان يعرفها قبل ذلك كما قال فكيف تعرف عليها عندما أتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تعطي وجهها ؟وإذا كان يعرفها ويعرف جمالها وتأثر به , فلماذا لم يسع للزواج بها ؟ !
4- قوله : ليس فى روايات الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم رآها كاشفة عن وجهها … قلت : لماذا إذن كان النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه وبصر الفضل , إن كانت المرأة تغطى وجهها بنقاب أو بإسدال خمارها وجهها، فإحتمال عدم رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لوجهها وهى التى تسأله وتوجه الكلام له , وأن يراها الفضل فقط , فهذا أراه بعيدا , وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
