الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده ،وبعد : ما زال حديثنا متصلا – بفضل الله تعالى حول أدلة حجاب المرأة المسلمة , ولقد تكلمنا فى الحلقات السابقة عن آيات الحجاب , ثم انتقلنا إلى الأحاديث , ووصلنا إلى الحديث الثانى عشر وهو حديث عائشة رضى الله عنها الذى فيه : …. يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا , وأشار إلى وجهه وكفيه ( أخرجه أبو داوود والبيهقى بنحوه ) .ذكرت أن حديث أبى داوود من ناحية سنده فيه خمس علل , وبالتالى فلايستدل به , وحديث البيهقى : قال البيهقى بعد اخراجه له : إسناده ضعيف ،وقال الهيثمى فى المجمع : رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط وفيه ابن لهيعة وهو ثقة فاضل , لكنه كان يحدث من كتبه فاحترقت , فحدث من حفظه فخلط . وقال الألبانى : وعلته ابن لهيعة… , إلى أن قال : والذى لاشك فيه أن حديثه فى المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن وهذا منها . قلت : اختلفت أقوال العلماء فى ابن لهيعة – قاضى مصر – ولد 96هـ وتوفى 174 هــ – مابين تضعيفه مطلقا وتوثيقه مطلقا , أو أنه صالح فى المتابعات , أو أن حديثه صحيح إذا كان من رواية العبادلة الأربعة فقط , وهم : عبدالله بن وهب , عبدالله بن المبارك , عبدالله بن يزيد المقرئ , عبدالله بن مسلمة القعنبى , وألحق بهم بعض أهل العلم كل ثقة حدث عنه قبل احتراق كتبه , ولعل الأخير هو الراجح ، وأن لا يطرح حديثه , كما قال أبو حاتم وأبو زرعة : …. أما ابن لهيعة فأمره مضطرب , يكتب حديثه على الإعتبار ( انظر الجرح والتعديل لابن أبى حاتم 5/147 ) وكذلك قال أحمد بن حنبل : ما حديث ابن لهيعة بحجة , وإنى لأكتب كثيرا مما أكتب أعتبر به , وهو يقوى بعضه بعضا . وكذلك قال ابن خزيمة فى صحيحه : وابن لهيعة لست ممن أخرج حديثه فى هذا الكتاب إذا انفرد ( انظر تهذيب التهذيب 5/375 -377 ) وقال البيهقى : أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة , وترك الإحتجاج بما ينفرد به ( انظر تهذيب الأسماء واللغات للنووى 1/284 , وانظرتفصيل القوى فى ابن لهيعة فى كتابي معالم منهج الشيخ أحمد شاكر فى نقد الحديث صــ 199 -222) فعلى ضوء ما رجحت من أقوال العلماء فى ابن لهيعة , فلننظر من الذى حدث عن ابن لهيعة – فى الحديث الذى نحن بصدده – حدث عن محمد بن رمح ( ت 242هــ ) : ثقة ثبت ( تقريب التهذيب ت 5881 ) لكنه ليس من قدامى اصحابه , وبالتالى فحديثه عنه غير صحيح , لكن يبقى ما أشرت إليه أن حديثه لايطرح بالكليه .
نظرة على بقية السند : عياض بن عبدالله : قال أبو حاتم : ليس بالقوى وذكره ابن حبان فى الثقات وقال يحيى بن معين : ضعيف الحديث وقال البخارى منكر الحديث , وقال الحافظ ابن حجر : فيه لين ( انظر تهذيب التهذيب 8/201 , تقريب التهذيب ت 5278 ).
ابراهيم بن عبيد بن رفاعة : صدوق ( تقريب التهذيب ت 214 ) .
– عبيد بن رفاعة الأنصارى : ذكره ابن حبان فى الثقات , وقال العجلى : مدنى تابعى ثقة ( انظر تقريب التهذيب ت 4372) تهذيب التهذيب 7/65 ) ووثقه الذهبى فى التلخيص . فالسند فيه ابن لهيعة , وفيه عياض بن عبدالله. فلننظر هل هناك شواهد ومتابعات أخرى ؟ .
أثر قتادة : حدثنا محمد بن بشار حدثنا ابن داوود حدثنا هشام عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الجارية إذا حاضت لم يصلح ان يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل ( المراسيل لأبى داوود ح 437 ) .
سند الأثر : – محمد بن بشار ( بندار) : ثقة ( تقريب التهذيب ت 5754 ) .
– ابن داوود ( سليمان بن داوود الطيالسى ) : ثقة حافظ غلط فى أحاديث، سأل أبو مسعود الرازى عنه أحمد بن حنبل : فقال : ثقة صدوق , فقلت إنه يخطئ , فقال يحتمل له ( انظر تهذيب التهذيب 4/182- 186) , تقريب التهذيب ت 2550 ) – هشام الدستوائى : ثقة ثبت ( تقريب التهذيب ت 7299 ).
– قتادة : ثقة ثبت ( تقريب التهذيب ت 5518 ) كان حافظ عصره وهو مشهور بالتدليس ( انظر تعريف أهل التقديس صــ 43 ) . فالأثر إلى قتاده سنده صحيح , لكنه مرسل , فهل المرسل يحتج به ؟
حكم الإحتجاج بالمرسل : قال أبو داوود : وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثورى , ومالك بن أنس والأوزاعي حتى جاء الشافعى فتكلم فيها وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره رضوان الله عليهم ( رسالة أبى داوود إلى أهل مكة صــ 24 ). وقد اختلفوا فى الاحتجاج بالمرسل , فقد احتج به الإمام مالك فى المشهور عنه والإمام أبو حنيفة وتابعوهما , بل وجماعة من المحدثين , والإمام أحمد فى رواية حكاها النووى , وابن القيم وابن كثير وغيرهم ودانوا بمضمونه , وحكاه النووى فى شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم , قال : ونقله الغزالى عن الجماهير ( انظر فتح المغيث للسخاوى 1/175-176 ) وقد ذكر السيوطى عشرة أقوال نقلا عن العلماء حول الاحتجاج بالمرسل ( انظر تدريب الراوى 1/228 – 233). قلت :ومسألة الاحتجاج بالحديث المرسل من مباحث أصول الفقه الطويلة ومن مباحث علم الحديث, وقد كتب فيها العلماء مؤلفات خاصة , وكتبت فيها الرسائل العليا ( ماجستير ودكتوراه ) وأهل الحديث عندهم المرسل له حكم الضعيف – هذا كحكم – لكن الإمام منهم قد يحتج بالمرسل أحيانا بضوابط وشروط , مثل أن يعتضد بأقوال الصحابة أو ظاهر القرآن أو قياس جلى أو خفى أو اصل عام أو مصلحة مرسلة ونحو ذلك . وقد نبه على هذا ابن رجب , وقال : إن ما ينسب إلى مالك وإلى أبى حنيفة وإلى الإمام أحمد من الاحتجاج بالمرسل , إنما هو استدل به أنهم احتجوا ببعض المراسيل , وليس أنهم يحتجون بجميع المراسيل , وفرق بين الاحتجاج بالمرسل لأن معه مرسل آخر يقويه مما يدل على أن له أصلا وبين الاحتجاج بالمرسل من ناحية الدلالة , كأن تكون هناك مجموعة من الأدلة من انواع أو من أصول مختلفة , كأن يكون ظاهر آية , أو قول صحابى , أو يضم إليه مصلحة مرسلة .. إلى غير ذلك ( انظر شرح اختصار علوم الحديث د. إبراهيم اللاحم 1/129-133) . وقتادة بن دعامة , وهو من صغار التابعين , وغالب روايات هؤلاء عن التابعين , لأنهم لم يسمعوا إلا لعدد قليل من الصحابة كأنس بن مالك , وسهل بن سعد , وأبى أمامة الباهلى. والسؤال : هل مرسل قتادة – والعلماء على أن مراسيله ضعيفة ولايحتج بها – هل يعضد حديث عائشة رضى الله عنها الذى رواه أبو داوود وحديث البيهقى أم لا ؟ يقول الألبانى : عدم الاحتجاج بمرسل قتادة ليس موضع خلاف , وإنما هل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا ؟ هذا هو الموضوع , فنحن نرى تبعا للبيهقى وغيره أنه يتقوى … فنحن لم نحتج بمرسل قتادة , وإنما به وبما انضم إليه من الشواهد ( انظر الرد المفحم 1/ 85- 92 ) .
وهل نستطيع القول أن الاحتجاج بمرسل قتادة , هو احتجاج من ناحية الدلالة – كما سبق وبينته – فيحمل كلام البيهقى والذهبى الذى قوى مرسل خالد بن دريك بقول الصحابة الذين صح عنهم في قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) يعنى الوجه والكفين – وقد سبق ذكر تلك الآثار وأسانيدها عن الكلام عن الآية ،وهذا ما قاله ابن كثير فى تفسيره , فقال : ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين , وهذا هو المشهور عند الجمهور , ويستأنس له بالحديث الذى رواه أبو داوود فى سننه … ثم ذكر حديث عائشة رضى الله عنها والذى فيه .. يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا , واشار إلى وجهه وكفيه ( انظر تفسير ابن كثير 6/45-46 ) . ولكن يبقى إن قلنا بتحسين متن الحديث , فهل هذا كان قبل فرض الحجاب , فيكون من قبيل المنسوخ ؟ يقول الشيخ ابن عثيمين بعد أن ذكر ضعف حديث أسماء رضى الله عنها , وأعله فى المتن أيضا , إذ قال : إن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها كان لها حين هجرة النبى صلى الله عليه وسلم سبع وعشرون سنة , فهى كبيرة السن , فيبعد ان تدخل على النبى صلى الله عليه وسلم بثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين . وعلى تقدير الصحة – صحة الحديث – يحمل على ما قبل الحجاب , لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صــ 45 ). وكذلك قال الشيخ التويجرى – بعد أن ذكر علتين فى حديث أسماء رضى الله عنها : وعلى تقدير ثبوته , فهو محمول على أنه كان قبل الأمر بالحجاب فيكون منسوخا , لما تقدم عن عائشة رضى الله عنها وأم سلمة واسماء بنت أبى بكر وفاطمة بنت المنذر أنهن كن يغطين وجوههن عن الرجال الأجانب فى حال الإحرام .. ثم قال : وإذا كان النساء يغطين وجوههن عن الرجال الأجانب فى حال الإحرام , فكذلك فى غيره بطريق الأولى والأحرى ( انظر الصارم المشهور صــ 115 ) .
والقول بالنسخ يحتاج إلى أدلة واضحة وصريحة , لأن الاصل عدم النسخ , كما هو معلوم عند الأصوليين , وعلى من قال بالنسخ أن يأتى بالدليل وهذا سنحققه بإذن الله تعالى فى العدد القادم ( والحمد لله رب العالمين )
