الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده ,وبعد : نواصل الحديث عن أدلة حجاب المرأة المسلمة , وقد تكلمنا فى الحلقات السابقة عن آيات الحجاب , ثم انتقلنا إلى الأحاديث , فذكرنا أحد عشر حديثا , ونستأنف البحث بإذن الله تعالى .
الحديث الثانى عشر ,: عن عائشة رضى الله عنها قالت : أن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها , دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : يا اسماء , إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا : واشار إلى وجهه وكفيه ( أخرجه أبو داوود والبيهقى بنحوه ) ولأهمية هذا الحديث فهو العمدة للقائلين بكشف الوجه فأننا سوف نتوقف معه بالبحث والتأمل .
سند حديث أبى داوود : حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكى , ومؤمل بن الفضل الحرانى , قالا : ثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد . قال أبو داوود : هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضى الله عنها. رواة الحديث :1- يعقوب بن كعب : ثقة ( انظر تقريب التهذيب ت 7829 , تهذيب التهذيب ت 759 ) 2- مؤمل بن الفضل : صدوق ( انظر تقريب التهذيب ت 7032 , تهذيب التهذيب ت 686 ) 3- الوليد بن مسلم : ثقة لكنه كثير التدليس والتسويه ( انظر تهذيب التهذيب ت 7456 , وتهذيب التهذيب ت 254 ) ( فائدة : تدليس التسويه : هو أن يروى حديثا عن شيخ ثقة غير مدلس , وذلك الثقة يرويه عن ضعيف عن ثقة , فيأتى المدلس الذى سمع من الثقة الأول غير المدلس فيسقط الضعيف الذى فى السند , ويجعل الحديث عن شيخه الثقة الثانى بلفظ محتمل , فيستوى الإسناد كله ثقات , وهذا شرأقسام التدليس , قادح فيمن تعمد فعله … وكان الوليد بن مسلم ممن يفعل ذلك ( انظر التدليس والمدلسون لحماد الانصارى 2/94 ) قلت من ذكر أن الوليد بن مسلم – مع إمامته – كان يدلس تدليس التسويه ذكر أنه كان يفعل ذلك مع أحاديث الأوزاعى , فكان يحذف الرواة الضعفاء الذين يروى عنهم الأوزاعى محتجا أنه ينبل الأوزاعى أن يروى عن مثل هؤلاء- أى الضعفاء , ويفعل ذلك أيضا مع ابن جريج ( انظر توضيح الأفكار للصنعانى 1/338 ) ووصف الحافظ ابن حجر الوليد بن مسلم بالتدليس الشديد مع الصدق ( انظر تعريف أهل التقديس صـــ 51 ) ، وقد عنعن الوليد روايته عن سعيد بن بشير 4– سعيد بن بشير : أكثر أهل العلم على تضعيفه ( انظر تهذيب التهذيب10- 4/8) وقال الحافظ فى التقريب : ضعيف ( تقريب التهذيب ت 2276 ) 5- قتادة بن دعامة السدوسى : ثقة ثبت ( تقريب التهذيب ت 5518 ) وهو مشهور بالتدليس وصفه به النسائى وغيره ( انظر تعريف أهل التقديس صــ 43 ) 6- خالد بن دريك : ثقة يرسل ( تقريب التهذيب ت 1625 ) على ضوء النظر فى سند الحديث فإن فيه اربع علل : 1- الأنقطاع بين خالد بن دريك وبين عائشة رضى الله عنها , فهو لم يدرك عائشة رضى الله عنها , 2- ضعف سعيد بن بشير 3- عنعنة الوليد بن مسلم 4- عنعنة قتادة بن دعامة ، كما أن فيه علة خامسة وهى الاضطراب , قال ابن عدى : ولا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير , وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة – رضى الله عنهما – ( انظر الكامل فى ضعفاء الرجال 4/417 ) .وكذلك فى ميزان الاعتدال : خالد بن دريك عن عائشة – رضى الله عنها منقطع لم يسمع منها , وثقه ابن معين والنسائى لكن روايته عن الصحابة مرسلة ( انظر ميزان الإعتدال للذهبى 1/630 ) وقد قوى الحديث الشيخ الألبانى , فقال : لكن الحديث قد جاء من طرق أخرى يتقوى بها : 1- أخرج أبو داوود فى مراسيله عن قتادة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل ( المراسيل لأبى داوود ) 2- أخرج البيهقى من طريق ابن لهيعة عن عياض بن عبدالله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصارى يخبر عن أبيه , أظن عن اسماء ابنة عميس أنها قالت : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة بنت أبى بكر وعندها أختها أسماء بنت أبى بكر وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام , فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فخرج , فقالت عائشة رضى الله عنها تنحى فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا كرهه , فتنحت , فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عائشة رضى الله عنها لم قام ؟ قال : أو لم ترى إلى هيئتها , إنه ليس للمرأة ، أن يبدو منها إلا هذا واخذ بكميه فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبدو من كفيه إلا أصابعه ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه ( السنن الكبرى البيهقى ح 13497 , وقال إسناده ضعيف , وقال الهيثمى فى المجمع : رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط إلا أنه قال ( ثياب شامية ) بدل ( سابغة ) وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح ح 8614 ) قال الألبانى : وعلته ابن لهيعة ,,, وهو ثقة فاضل , لكنه كان يحدث من كتبه فاحترقت فحدث من حفظه فخلط , وبعض المتأخرين يحسن حديثه , وبعضهم يصححه ثم قال : والذى لاشك فيه أن حديثه فى المتابعات والشواهد لاينزل عن رتبة الحسن وهذا منها ،وقد قوى البيهقى حديث عائشة رضى الله عنها الذى رواه خالد بن دريك من وجهة أخرى, فقال : قال أبو داوود هذا مرسل , خالد بن دريك لم يدرك عائشة ثم قال البيهقى : مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة رضى الله عنهم فى بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة , فصار القول بذلك قويا ووافقه الذهبى فى تهذيب سنن البيهقى , والصحابة الذين يشير إليهم البيهقى : عائشة وابن عباس وابن عمر – واللفظ للأخير – يعنى ابن عمر ) الزينة الظاهرة : الوجه والكفان ( انظر جلباب المراة المسلمة صــ 58-59 , السنن الكبرى للبيهقى 2/319 ) كما ذكر الشيخ الألبانى أثرين عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم فى تفسير ( إلا ما ظهر منها ) قال : الكف ورقعة الوجه , وقال أن سندهما صحيح ( انظر تمام المنة صــ 160 ) وابن كثير استأنس بحديث عائشة رضى الله عنها عندما نقل تفسير ( إلا ما ظهر منها ) فقال : ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ( ما ظهر منها ) بالوجه والكفين , وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذى رواه أبو داوود فى سننه , ثم ذكر الحديث … وعلق عليه فقال : لكن قال أبو داوود وأبو حاتم الرازى : هذا مرسل : خالد بن دريك لم يسمع من عائشة , فالله أعلم ( انظر تفسير ابن كثير 6/45-46 ).
مسألة هامة : هل يتقوى الحديث الضعيف بكثرة طرقه ؟ :هذه المسالة فى غاية الأهمية , فليست كل الطرق تقوى الحديث الضعيف , فالطرق شديدة الضعف وإن تعددت فلا يتقوى بها الحديث , وإنما يتقوى الحديث بالطرق التى فيها ضعف يسير , على تفصيل فى ذلك ، يقول الشيخ أحمد شاكر : إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوى أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع فإنه لايرقى إلى الحسن , بل يزداد ضعفا إلى ضعف , إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين فى عدالتهم بحديث لايرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة ويؤيد ضعف روايتهم ( انظر شرح ألفية الحديث ص 16 ) .
ويقول الشيخ الألبانى : من المشهور عند أهل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ويصير حجة وإن كان كل طريق فيها على انفراده ضعيفا , ولكن هذا ليس على إطلاقه , بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته فى مختلف طرقه ناشئا من سوء حفظهم لا من تهمة فى صدقهم أو دينهم , وإلا فإنه لايتقوى مهما كثرت طرقه , وهذا ما نقله المحقق المناوى في ( فيض القدير ) عن العلماء , قالوا : وإذا قوى الضعف لاينجبر بوروده من وجه آخر وإن كثرت طرقه , ومن ثم اتفقوا على ضعف حديث : من حفظ على أمتى أربعين حديثا . مع كثرة طرقه لقوة ضعفها وقصورها عن الجبر , خلاف ما خف ضعفه ولم يقصر الجابر عن جبره فإنه ينجبر ويعتضد … ومع هذا فلابد لمن يريد ان يقوى الحديث بكثرة طرقه أن يقف على حال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ( انظر تمام المنة صــ 31- 32 ).
فهل حديث عائشة رضى الله عنها من النوع الذى يتقوى بكثرة طرقه وشواهده , أم هو من النوع الذى لايتقوى ؟
, وهذا نستأنفه فى العدد القادم إن شاء الله وقدر وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
