الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : ما زال حديثنا متواصلا عن أدلة حجاب المرأة المسلمة , وقد تكلمنا على مدى الحلقات السابقة عن آيات الحجاب , ثم انتقلنا إلى الأحاديث , وذكرنا منها ثمانية أحاديث , ونستأنف البحث بإذن الله تعالى.
الحديث التاسع : عن عائشة رضى الله عنها قالت إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس (متفق عليه ) وفى رواية – عند البخارى – ولايعرفن بعضهن بعضا ( المرط : كساء من صوف ) .
الاستدلال من الحديث : 1- الحديث يورده العلماء فى مواقيت الصلاة عند تبيين وقت صلاة الفجر (الغلس : هو وقت اختلاط ضوء الصبح بظلمة الليل).
2- هل يستدل من الحديث على تغطية الوجه أم عدم تغطيته ؟ قال فى المنتقى : وقوله ( ما يعرفن من الغلس ) : يحتمل أمرين : أحدهما : لايعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس , إنما يظهر إلى الرائى أشخاصهن خاصة , قال ذلك الراوى . ويحتمل أيضا أن يريد لايعرفن من هن من النساء من شدة الغلس , وإن عرف أنهن نساء إلا أن هذا الوجه يقتضى أنهن سافرات عن وجوههن , ولو كن غير سافرات لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس , إلا أنه يجوز أن يبيح لهن كشف وجوههن أحد أمرين : إما أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب , أو يكون بعده لكنهن أمن أن تدرك صورهن من شدة الغلس فأبيح لهن كشف وجوههن ( المنتقى شرح الموطأ , لأبى الوليد الباجى 1/9 ) قال الداودى : معناه ما يعرفن أنساء هن أم رجال , وقيل ما يعرف أعيانهن , قال النووى , وهذا ضعيف : لأن المتلفعة فى النهار أيضا لايعرف عينها , فلايبقى فى الكلام فائدة ( شرح النووى على مسلم 5/144 ) وتعقب العينى النووى , فقال : هذا ليس بضعيف , لأنه ليس المراد من قوله : ما يعرف أعيانهن , ما يشخصن حقيقة التشخيص , بل معناه : ما يعرفن أرجال أو صبيان أو نساء أو بنات ( شرح سنن أبى داود للعينى 2/293 ) . وقال فى ” عمدة القارى “: ثم عدم معرفتهن يحتمل أن يكون لبقاء ظلمة من الليل , أو لتغطيتهن بالمروط غاية التغطى , وقيل ما يعرفهن أحد , يعنى ما يعرف أعيانهن , وهذا بعيد , والأوجه فيه أن يقال : ما يعرفهن أحد , أى : أنساء هن أم رجال ؟ وإنما يظهر للرائى الأشباح خاصة ( عمدة القارى 4/90 ).
قال الألبانى مستدلا من الحديث على جواز كشف الوجه : ووجه الاستدلال به هو قولها : لايعرفن من الغلس : فإن مفهومه : أنه لولا الغلس لعرفن , وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهى مكشوفة … وقد ذكر هذا المعنى الشوكانى عن الباجى , ثم وجدت رواية صريحة فى ذلك بلفظ : وما يعرف بعضنا وجوه بعض : رواها أبو يعلى فى مسنده بسند صحيح عنها ( جلباب المرأة المسلمة صـــ 65 ) . قال التويجرى : وهذا الحديث دليل على أن نساء الصحابة رضى الله عنهن كن يغطين وجوههن ويستترن عن نظر الرجال الأجانب , حتى أنهن من شدة مبالغتهن فى التستر وتغطية الوجوه لايعرف بعضهن بعضا ولو كن يكشفن وجوههن لعرف بعضهن بعضا , كما كان الرجال يعرف بعضهم بعضا ( الصارم المشهور صــ 86 ) قلت : لايخفى أن الحديث ليس نصا فى النقاب أو عدمه وإنما استدل به جماهير العلماء على وقت صلاة الصبح , ومن استدل به على الحجاب استدل بمفهومه , وهذا الاستدلال يحتمل ما ذهب إليه الفريقان , من استدل به على تغطية الوجه , ومن استدل به على كشف الوجه . وإن كان الأقرب – والله أعلم – بضم رواية أبى يعلى السابقة أنهن كن كاشفات الوجوه , لكن هذا لايدل على جواز كشف الوجه أيضا , لأن المرأة إذا أمنت أن لايراها أحد فى ظلمة الليل قد تكشف وجهها مستترة بظلام الليل , خاصة أن الرجال كانوا يمكثون بعد الصلاة فى المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتخلو شوارع المدينة من الرجال , والله أعلم .
الحديث العاشر : حديث عاشة رضى الله عنها , قالت : أومت امرأة من وراء ستر بيدها كتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقبض النبى صلى الله عليه وسلم يده , فقال : ما أدرى أيد رجل أم يدا امرأة ؟ قالت : بل يدا امرأة : قال : لو كنت امرأة لغيرت أظفارك . يعنى بالحناء ( سنن أبى داوود وغيره ) .
سند الحديث : حدثنا حسن بن موسى قال حدثنا مطيع بن ميمون العنبرى يكنى أبا سعيد , قال حدثتنى صفية بنت عصمة عن عائشة أم المؤمنين . مطيع بن ميمون العنبرى : أورد ابن عدى هذا الحديث فى الكامل فى ترجمة مطيع , وقال :ولمطيع بن ميمون بهذا الإسناد حديث أخر وجميعا غير محفوظين ( انظر الكامل ت 1943 ) وقال عنه الحافظ ابن حجر : لين الحديث ( تقريب التهذيب ت 6720 ).
قال الألبانى : وهذا سند لين ( الثمر المستطاب صــ 314 ) وحسنه بشواهده فى سنن أبى داوود ح 4166 , وفى سنن النسائى ح 5089 , وذكر له عدة شواهد ( انظر الثمر المستطاب صـــ 311-315 ) قلت : مطيع بن ميمون العنبرى ضعيف , وكذلك جهالة صفية بنت عصمة , فالحديث من جهة سنده ضعيف , والشيخ الألبانى , إنما حسنه لشواهده الكثيرة التى أوردها , وإن كان لايخلوسند منها من مقال . الاستدلال من الحديث : استدل به من قال بوجوب تغطية الوجه , كالشيخ التويجرى , إذ قال فى الصارم المشهور : وهذا الحديث يدل على أن نساء الصحابة رضى الله عنهم كن يستترن عن الرجال الأجانب , ويغطين وجوههن عنهم , ولم يكن الصحابة رضى الله عنهم رجالا ونساءا يفعلون شيئا إلا بأمر من الشارع , فعلم من هذا أن الاستتار
وتغطية الوجوه كان مشروعا للنساء ولهذا أنكر النبى صلى الله عليه وسلم على المرأة ترك الخضاب فى يديها وأقرها على الاستتار وتغطية الوجه ( الصارم المشهور صــ 88 ) .واستدل الشيخ الألبانى بالحديث وشواهده بجواز كشف وجه المرأة وكفيها , وإلا ما أقر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة على كشف يديها ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 71-72 ) .
قلت : الحديث من ناحية السند فيه ما رأينا , ومن ناحية متنه إن كان لليد حكم الوجه فهو حجة للقائلين بجواز كشفهما، وإن كانت اليد قد يتجاوز عن كشفها أحيانا للضرورة فهو حجة للقائلين بتغطية الوجه , وإن كنت أرى أن مناولة الكتاب ليس من حالات الضرورة , إلا لو كانت المرأ ة تغطى يديها بكم جلبابها الطويل ولاترتدى القفازين فلما ناولت الكتاب للنبى صلى الله عليه وسلم ظهر كفاها , والله أعلم .
الحديث الحادى عشر : عن عاشة رضى الله عنها قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لاتخفى على من يعرفها , فرآها عمر بن الخطاب , فقال يا سودة : أما والله ما تخفين علينا , فانظرى كيف تخرجين , قالت : فانكفأت راجعة , ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى , وإنه ليتعشى وفى يده عرق , فدخلت فقالت : يا رسول الله إنى خرجت لبعض حاجتى , فقال لى عمر كذا وكذا . قالت : فأوحى الله إليه ثم رفع عنه , وإن العرق فى يده ما وضعه فقال : إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن ( متفق عليه ) وفى رواية مسلم : وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما ( أى أطول من النساء ) ورواية أخرى : وكانت امرأة طويلة. الاستدلال من الحديث : قال القاضى عياض : فرض الحجاب مما اختص به أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين , فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولاغيرها , ولايجوز لهن إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج للبراز , قال الله تعالى :(وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب , وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن , كما جاء فى حديث حفصة يوم وفاة عمر رضى الله عنهما سترها النساء عن أن يرى شخصها، ولما توفيت زينب رضى الله عنها جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها ( شرح النووى على مسلم 14/151 , ارشاد السارى 8/119 ).
قال الألبانى وفى الحديث دلالة على أن عمر رضى الله عنه : إنما عرف سودة من جسمها فدل على أنها كانت مستورة الوجه , وقد ذكرت عائشة رضى الله عنها أنها كانت رضى الله عنها تعرف بجسامتها , فلذلك رغب عمر رضى الله عنه أن لاتعرف من شخصها , وذلك بأن لاتخرج من بيتها , ولكن الشارع الحكيم لم يوافقه هذه المرة لما فى ذلك من الحرج ( جلباب المرأة المسلمة صــ 105 ) قلت : من استدل بالحديث على وجوب تغطية الوجه , قال إن معنى الحجاب هو تغطية الوجه والكفين وسائر الجسم وإذا لم يكن هذا المعنى هو المراد من الحجاب , فماذا كانوا يغطون قبل نزول الحجاب، والحديث فى حجاب أمهات المؤمنين , وفرض الحجاب الكامل عليهن بما فى ذلك الوجه والكفين لم ينازع فيه احد , فهذا أمر متفق عليه ، إنما يبقى الخلاف – الذى أشرنا إليه من قبل – هل الخطاب لأمهات المؤمنين يشمل جميع النساء أم لا ؟ وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين .
