الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال حديثنا متصلا عن الحجاب , فتكلمنا عن آيات الحجاب , وانتقلنا إلى أحاديثه فذكرنا ثلاثة أحاديث : 1- حديث أمنا عائشة رضى الله عنها : كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم …. 2- حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لاتنتقب المحرمة ولاتلبس القفازين 3- حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال : كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار … ورأينا الاستدلال من الأحاديث الثلاثة , ونستأنف البحث بإذن الله تعالى. الحديث الرابع : حديث جرير بن عبدالله ر, قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرنى أن أصرف بصرى ( صحيح مسلم وغيره ) الإستدلال من الأحاديث : اصرف بصرك : أى لاتنظر مرة ثانية , لأن الأولى إذا لم تكن بالإختيار فهو معفو عنها , فإن أدام النظر أثم , وعليه قوله تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) قال القاضى عياض : فيه حجة على أنه لايجب على المرأة ستر وجهها وإنما ذلك سنة مستحبة لها , ويجب على الرجال غض البصر عنها , فى جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعى ( عون المعبود 6/131 ) .
يقول الشيخ ابن عثيمين : …. نظر الفجأة هو الذى يفاجأ الإنسان , مثل أن تمر به امرأة مفاجأة ,وتكون قد كشفت وجهها , فقال النبى صلى الله عليه وسلم : اصرف بصرك يعنى أدره يمينا أو شمالا حتى لاتنظر , فيستفاد من هذا الحديث تحريم نظر الرجل إلى المرأة , لكن إذا حصل هذا فجأة فإنه يعفى عنه لأنه بغير اختيار من الإنسان … ( شرح رياض الصالحين 6/363 ) .
قال الشيخ حمود التويجرى : …. فلو كن يكشفن وجوههن عند الرجال الأجانب لكان فى صرف البصر عنهن مشقة عظيمة , لاسيما إذا كثرت النساء حول الرجل , لأنه إذا صرف بصره عن واحدة فلابد أن ينظر إلى أخرى أو أكثر , وأما إذا كن يغطين وجوههن – كما يفيده ظاهر الحديث – فإنه لايبقى على الناظر مشقة فى صرف البصر , لأن ذلك إنما يكون بغتة فى بعض الأحيان ( الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور صـــ 92 ) .
قلت : الحديث فيه تحريم النظر إلى المرأة بعد نظرة الفجأة , وهى النظرة غير المتعمدة وهو نهى عام عن النظر إلى المرأة فهولايقصر صرف البصر على الوجه أو غيره , بل هو عام فى صرف البصر عن النظر إلى المرأة، فهذا النظر يشمل النظر إلى وجهها , ويشمل النظر إلى جسدها وحجمها ومشيتها أو إلى أى شئ يتعلق بها مما يثيره ، فتخصيصه بالنهى عن النظر إلى غير الوجه , أراه بعيدا , بل قد يستدل به على كشف وجه المرأة , لأن البصرأول ما يقع عليه هو الوجه الذى يعبر عن جمال المرأة أو قبحها . الحديث الخامس : عن ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة , فقالت أم سلمة رضى الله عنها : فكيف يصنع النساء بذيولهن قال يرخين شبرا , فقالت إذا تنكشف أقدامهن قال : فيرخين ذراعا لايزدن عليه ( صحيح أبى داوود وغيره ) .
الاستدلال من الحديث : ( استخدم بعض أهل العلم القياس – قياس الأولى – فى استدلاله على وجوب تغطية الوجه , يقول الشيخ ابن عثيمين : هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة , وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة رضى الله عنهن، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب , فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم , وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة , ويرخص فى كشف ما هو أعظم منه فتنة , فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه ( ثلاث رسائل فى الحجاب صــ 33 ) .
وكذلك قال الشيخ حمود التويجرى : وفى هذا الحديث دليل على أن المرأة كلها عورة فى حق الرجال الأجانب , ولهذا لما رخص النبى صلى الله عليه وسلم للنساء فى إرخاء ذيولهن شبرا قلن له : إن شبرا لايستر من عورة والعورة هنا القدم كما هو واضح من باقى الروايات عن ابن عمر وأم سلمة رضى الله عنهم , وإذا كان الأمر هكذا فى القدمين فكيف بما فوقها من سائر أجزاء البدن ولاسيما الوجه الذى هو مجمع محاسن المرأة ( الصارم المشهور صـــ 96, 97 ) .
( فائدة : هناك رواية للحديث عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى ذيول النساء : شبرا فقالت عائشة رضى الله عنها : إذن تخرج سوقهن , قال فذراع ( صحيح سنن ابن ماجه وغيره ) فمن قاس لم يقس على هذه الرواية , لأنه لو قاس الوجه على الساقين سيكون القياس ليس فى قوة القياس على القدمين , للإجماع على أن سيقان المراة عورة فى الصلاة وخارجها , ولاشك أن إظهارها أكثر فتنة من إظهار القدمين فهناك فارق بين القدمين والساقين فالمرأة لو أظهرت سيقانها فى الصلاة , بطلت صلاتها باتفاق , بينما لو أظهرت قدميها , فهناك من أهل العلم من قال بعدم بطلان صلاتها كالحنفية واختاره ابن تيمية ( انظر اختلاف الأئمة العلماء لابن هبيرة 1/101 , مجموع الفتاوى 22/115 ) .
الحديث السادس : عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المرأة عورة , فإذا خرجت استشرفها الشيطان , وأقرب ما تكون بروحة ربها وهى فى قعر بيتها ( صحيح سنن الترمذى وغيره ) .
الاستدلال من الحديث / هل يستدل من الحديث على وجوب تغطية وجه المرأة باعتبار أنه بعض من كل , وأن هذا الكل أن المرأة كلها عورة , ام هذا يستثنى منه الوجه والكفان ؟ يقول الشيخ حمود التويجرى : وهذا الحديث دال على أن جميع أجزاء المرأة عورة فى حق الرجال الأجانب , وسواء فى ذلك وجهها وغيره من أعضائها ، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال : ظفر المرأة عورة فإذا خرجت من بيتها فلا تبن منها شيئا ولا خفها , فإن الخف يصف القدم , وأحب إلى أن تجعل لكمها ذرا عند يدها حتى لايبين منها شئ ( الصارم المشهور صــ 96 ) .
يقول ابن رشد : المسألة الثالثة : وهى حد العورة من المرأة , فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة ما خلا الوجه والكفين , وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن , واحمد إلى أن المرأة كلها عورة وسبب الخلاف فى ذلك احتمال قوله تعالى : ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ( النور : 31 ) هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة , أم إنما المقصود به مالايملك ظهوره ؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك مالايملك ظهوره عند الحركة , قال بدنها كله عورة حتى وجهها … ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لايستر وهو الوجه والكفان , ذهب إلى أنهما ليسا بعورة , واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها فى الحج ( انظر بداية المجتهد 1/123 ) .
( ملحوظة : من يذهب إلى وجوب النقاب , يقول عن كلام ابن رشد السابق , وما يماثله أن هذا
عن عورتها فى الصلاة وليس على العموم , والنقل السابق يوضح أن كلامه عن عورة المرأة على عمومه وليس عن الصلاة , وإلا لما نقل عن الإمام أحمد أن المرأة كلها عورة , لو كان الكلام عن عورتها فى الصلاة ).
يقول القارى عن الحديث : المرأة عورة فإذا خرجت من خدرها استشرفها الشيطان : أى زينها فى نظر الرجال , وقيل : أى نظر إليها ليغويها ويغوى بها …. ( انظر مرقاة المفاتيح 5/ 2054 ) ويقول المناوى عن الحديث ( المرأة عورة ) : أى هى موصوفة بهذه الصفة , ومن هذه صفته فحقة أن يستر , والمعنى أنه يستقبح تبرزها وظهورها للرجل . وقال الطيبى : …. أنها ما دامت فى خدرها لم يطمع الشيطان فيها وفى إغواء الناس فإذا خرجت طمع وأطمع لأنها حبائله وأعظم فخوخه …. ( انظر فيض القدير 6/266 ) وفى سبل السلام : جعل المرأة نفسها عورة …. وقيل إنها ذات عورة ( انظر سبل السلام 4/283 ) يقول ابن مفلح ( الحنبلى ) : هل يسوغ الإنكار على النساء الأجانب إذا كشفن وجوههن فى الطريق ؟ ينبنى( أى الجواب) على أن المرأة هل يجب عليها ستر وجهها , أو يجب غض النظر عنها ؟ فى المسألة قولان : قال القاضى عياض عن حديث جرير ( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة ؟ فأمرنى أن أصرف بصرى ،قال العلماء رحمهم الله تعالى : وفى هذا حجة على أنه لايجب على المرأة أن تستر وجهها فى طريقها , وإنما ذلك سنة مستحبة لها , ويجب على الرجل غض البصر عنها فى جميع الأحوال إلا لغرض شرعى , ذكره الشيخ محى الدين النووى ولم يزد عليه , وقال الشيخ تقى الدين : وكشف النساء وجوههن يحيث يراهن الأجانب غير جائز , ولمن اختار هذا أن يقول : حديث جرير لا حجة فيه , لأنه إنما فيه وقوعه , ولا يلزم منه جوازه فعلى هذا هل يشرع الإنكار ؟ ينبنى على الإنكار فى مسائل الخلاف , وقد تقدم الخلاف فيه , فأما على قولنا وقول جماعة من الشافعية وغيرهم : أن النظر إلى الأجنبية جائز من غير شهوة ولا خلوة , فلا ينبغى الإنكار ( انظر الآداب الشرعية 1/280 ) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
