الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : ما زال حديثنا متصلا عن الحجاب , فانتهينا بفضل الله تعالى من الكلام عن آيات الحجاب ثم انتقلنا للأحاديث , فذكرنا منها حديثين : الحديث الأول : حديث أمنا عائشة رضى الله عنها : كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله– صلى الله عليه وسلم – فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها , فإذا جاوزونا كشفناه . الحديث الثانى : حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ولاتنتقب المحرمة ولاتلبس القفازين. ورأينا سنده , ونستأنف البحث بإذن الله تعالى.
الاستدلال من الحديث : يستدل بمفهوم المخالفة على أن النقاب والقفازين كانا معروفين فى النساء لذا أمر النبى صلى الله عليه وسلم المرأة إذا أحرمت أن لاتلبسهما . ويتفرع عن ذلك سؤالان : السؤال الأول : ما هو مفهوم المخالفة , وهل هو حجة أم ليس بحجة ؟ 1- المفهوم نوعان : مفهوم الموافقة , مفهوم المخالفة . مفهوم الموافقة : هو ما يكون مدلول اللفظ فى محل السكوت موافقا لمدلوله فى محل النطق ( انظر إرشاد الفحول 1/393-394 ) مثال ذلك قوله تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا ( النساء :10 ) فمنطوق الآية تحريم أكل أموال اليتامى , ومفهوم الموافقة تحريم كل صور الإعتداء على أموال اليتامى كإحراقها أو إغراقها أو إتلافها …. ومفهوم الموافقة حجة عند الجمهور : 2- مفهوم المخالفة : وهو ما يكون مدلول اللفظ فى محل السكوت مخالفا لمدلوله فى محل النطق , فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به ،مثال ذلك حديث : وفى كل خمس من الإبل سائمة شاة وفيه : وفى كل أربعين شاة سائمة شاة …. ( صحيح سنن أبى داود وغيره ) فالنبى صلى الله عليه وسلم خص الزكاة بالسائمة ( وهى التى ترعى بنفسها ولاتعلف )فدل بمفهوم المخالفة أن المعلوفة من الأنعام لازكاة فيها 3- هل العمل بمفهوم المخالفة حجة ؟ عمل به الصحابة وأقره النبى صلى الله عليه وسلم , فعن يعلى بن أمية قال : قلت لعمر بن الخطاب ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) ( النساء :101 ) فقد أمن الناس , فقال : عجبت مما عجبت منه , فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته ( صحيح مسلم ) فالآية تدل على أن قصر الصلاة فى السفر يكون من أجل الخوف , ومفهوم المخالفة أن المسافر لايقصر الصلاة إذا كان آمنا , ولم ينكر النبى صلى الله عليه وسلم على عمر رضى الله عنه العمل بمفهوم المخالفة , وإنما بين له أن مفهوم المخالفة لايعمل به هنا فى هذه الآية . قال ابن قدامة : وهذا حجة ( مفهوم المخالفة ) فى قول إمامنا (أحمد ) والشافعى ومالك وأكثر المتكلمين , وقالت طائفة منهم أبو حنيفة: لادلالة له ،ثم ذكر الأدلة ورجح العمل به ( انظر روضة الناظر 2/115-121 ).
السؤال الثانى : هل يستدل بمفهوم المخالفة على وجوب النقاب والقفازين لغير المحرمة ؟ لايستفاد من مفهوم المخالفة فى الحديث الوجوب , وإنما يستفاد منه مشروعية النقاب والقفازين للنساء وأن هذا كان معروفا ومشتهرا بينهن , وإلا فلماذا نهى النبى صلى الله عليه وسلم المحرمة عن ارتدائهما ؟ وقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم الرجال عن ارتداء العمامة والقميص والسراويل حال إحرامهم , فهل يستدل بذلك على وجوب ارتدائهن فى غير الإحرام ؟, وهذا له نظائر فى الشرع أن يكون الشئ محرما فى وقت مباحا فى آخر , كالبيع والشراء وقت صلاة الجمعة , فهو محرم فى وقت الصلاة , مباح فى غيرها , وكالأكل والشرب والجماع فى نهار رمضان , فهو محرم بالنهار , مباح فى غيره …. وهكذا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مستدلا من الحديث : وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين فى النساء اللاتى لم يحرمن , وذلك يقتضى ستر وجوههن وأيديهن ( مجموع الفتاوى 15/372 ) .
وقال الشيخ عبد الله بن إبراهيم الجار الله – مستدلا من الحديث على وجوب النقاب بجامع أن كشف الوجه يؤدى إلى الفتنة :وكشف المحرمة وجهها فى حالة الإحرام أمام الرجال الأجانب فتنة للناظرين , ومشغلة للحاجين والمعتمرين عن عبادة الله تعالى , وإذا كان كشفه واجبا على المحرمة , كما ذهب إليه بعض الفقهاء إذا أمنت الفتنة , فإن ستره أوجب لأن فى كشفه فتنة أو أذى . وإباحة كشف الوجه للمحرمة دليل على أن الحجاب له , ولو كان الحجاب لغيره , لما كان لهذه الإباحة معنى ( مسؤلية المرأة المسلمة صــــ 45-46 ) ومن أهل العلم من استدل من الحديث أن الوجه ليس بعورة , وإلا ما نهاها النبى صلى الله عليه وسلم عن تغطيته فى إحرامها , فلو كان عورة ما نهى عن تغطيته . يقول ابن بطال : والمرأة كلها عورة , حاشا ما يجوز لها كشفه فى الصلاة والحج , وذلك وجهها وكفاها , فإن المرأة لاتلبس القفازين محرمة , ولاتنتقب فى الصلاة ولاتتبرقع فى الحج , وأجمعوا أنها لاتصلى منتقبة ولا متبرقعة , وفى هذا أوضح دليل على أن وجهها وكفيها ليس بعورة …. ( شرح صحيح البخارى 2/35 ) , وكذلك قال ابن عبد البر فى الإستذكار 2/201 , وأبو الوليد الباجى فى المنتقى شرح الموطأ 2/200 ) .
ويقول الشيخ الألباني عن الحديث : يدل على أن الانتقاب كان معروفا , لكنه لايدل على وجوبه ( انظر رسالة حجاب المرأة المسلمة لابن تيمية , تحقيق الألبانى هامش صــ 16 ) وعلى العموم – والله أعلم – أن الحديث لايستفاد منه وجوب النقاب , وإنما يستفاد من مشروعيته , أما الوجوب فقد يستفاد من أدلة أخرى ( فائدة : هل يجوز للمرأة المحرمة أن تغطى وجهها بالنقاب , الجمهور قالوا بالمنع , وأجازه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية , ولم يختلفوا فى منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين انظر : فتح البارى لابن حجر 4/54 ) والراجح ما عليه الجمهور لأن الأصل فى النهى التحريم , ولاينتقل عنه إلا بقرينة ظاهرة ).
الحديث الثالث : عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : كنت عند النبى صلى الله عليه وسلم , فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنظرت إليها ؟ قال لا ، قال فاذهب فانظر إليها فإن فى أعين الانصار شيئا ( مسلم ) .
وبمعناه وردت أحاديث اخرى منها حديث جابر رضى الله عنه : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع ان ينظر إلى ما يدعوه لنكاحها فليفعل , ( مسند أحمد وقال الأرناؤوط : حسن , وحسنه الألبانى فى المشكاة ) وعن أبى حميد الساعدى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا خطب أحدكم امرأة , فلا جناح عليه ان ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة , وإن كانت لاتعلم ( مسند أحمد وقال الأرناؤوط : صحيح وهو فى السلسلة الصحيحة للألبانى ).
الاستدلال من الحديث : يقول النووى وفيه ( حديث أبى هريرة رضى الله عنه ) استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها , وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبى حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء , وحكى القاضى عن قوم كراهته , وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها , ثم إنه يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فقط لأنهما ليسا بعورة , ولأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده وبالكفين على خصوبة البدن أو عدمها …. ثم قال : ثم مذهبنا ومذهب مالك وأحمد والجمهور أنه لايشترط فى جواز هذا النظر رضاها , بل له ذلك فى غفلتها , ومن غير تقدم إعلام ( انظر شرح النووى على مسلم 9/210 ) .
وقال الحافظ فى الفتح : قال الجمهور لابأس أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته قالوا : ولا ينظر إلى غير وجهها وكفيها , وقال الأوزاعى : يجتهد وينظر إلى ما يريد منها إلا العورة ( انظر فتح البارى 9/182 ) فاستدل قوم من الحديث وأمثاله : أن النبى صلى الله عليه وسلم رفع الإثم عن من ينظر إلى المرأة بغرض خطبتها , فدل ذلك على إثم من ينظر إلى المرأة وهو لايريد خطبتها، وحيث أن الجمهور على أن النظر يباح للوجه والكفين , فدل ذلك على وجوب تغطيتهما , وإنما أبيح النظر للضرورة , والضرورة تقدر بقدرها , فلو كانت المرأة كاشفة لوجهها وكفيها فلماذا أذن النبى صلى الله عليه وسلام بالنظر إليها إذن ؟ وقال آخرون إن رفع الإثم عن النظر إلى الوجه والكفين , دل على أنهما ليسا بعورة و لأنهما لو كانا من العورات لما جوز النبى صلى الله عليه وسلم النظر إليهما بحال .
ولم يرد فى الأحاديث تحديد النظر بالوجه والكفين , لذا تنازع اهل العلم فى الموضع الذى يجوز النظر إليه من المخطوبة , فقال الأوزاعى : ينظر إلى مواضع اللحم , وقال داوود : ينظر إلى جميع بدنها , وقال ابن حزم : فينظر إلى ما أقبل منها وما أدبر منها ( انظر شرح النووى على مسلم 9/210 , وفتح البارى 9/182 ) وأحاديث النظر إلى المخطوبة , ليست نصا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه , وغاية ما فيها أن ينظر الخاطب إلى من يريد خطبتها لأنه أحرى أن يؤدم بينهما كما ذكر النبى صلى الله عليه وسلم العلة من ذلك . بل ربما تكون هذه الأحاديث فى جانب من قال أن الوجه والكفين ليسا من العورات , خاصة إذا نظر إليها دون علمها , ويختبأ لها كما وردت آثار فى ذلك , فهو سينظر إلى وجه مكشوف وليس مغطى , وإن كان يرد على ذلك , أن ذلك فى مكان أمنت أن يراها الرجال فيه فكشفت عن وجهها , والله أعلم وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
