حجاب المرأة المسلمة (8)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث متصلا عن آيات الحجاب ووصلنا فى الحلقة السابقة إلى الآية الخامسة من آيات الحجاب , وهى قوله تعالى : يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما ( الأحزاب :59 ) وذكرنا أقوال بعض قدامى المفسرين للآية , وتوقفنا مع أسانيد الطبرى للآية من الناحية الحديثية , ونستأنف البحث بإذن الله تعالى .

مسألة التفرقة بين الحرة والأمة فى الزى ( والتى أشار إليها الكثير من المفسرين ) ذكرنا اعتراض ابن حزم على هذه التفرقة , وأنه لافرق بين الحرة والأمة فى الخلقة ( فالفتنة بالنساء واحدة بصرف النظر عن كونها حرة أو أمة ) وأنه لم يرد فى ذلك شئ مرفوع إلى النبى صلى الله عليه وسلم . وكذلك قول ابن تيمية , أنه إذا كان فى ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك

. – أورد الشيخ الألبانى رواية ابن سعد فى الطبقات : أخبرنا محمد بن عمر ابن أبى سبرة عن أبى صخر عن ابن كعب القرظى , قال : كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن , فإذا قيل له ؟ قال كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زى الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن . وقال الألبانى : لايصح , ففى سنده ابن أبى سبرة , وهو ضعيف جدا , وكلك محمد بن عمر ( الواقدى ) وهو متروك . ثم قال : وفى معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطى فى الدر المنثور ) وبعضها عند ابن جرير وغيره , وكلها مرسلة لاتصح , لأن منتهاها إلى ابن مالك وأبى صالح والكلبى ومعاوية بن قرة والحسن البصرى , ولم يأت شئ منها مسندا فلا يحتج بها , لاسيما وظاهرها مما لاتقبله الشريعة المطهرة , ولا العقول النيرة , لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين – وفيهن مسلمات قطعا – على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن . ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) بالحرائر دون الإماء , وبنوا على ذلك أنه لايجب على الأمة ما يجب على الحرة من ستر الرأس والشعر , بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل : من السرة إلى الركبة , وقالوا : فيجوز للأجنبى النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها . وهذا مع أنه لادليل عليه من كتاب أو سنة مخالف لعموم قوله تعالى : ( ونساء المؤمنين )، ثم نقل قول أبى حيان الأندلسى فى تفسيره ( البحر المحيط ) : والظاهر أن قوله تعالى ( ونساء المؤمنين ) يشمل الحرائر والإماء , والفتنة بالإماء أكثر , لكثرة تصرفهن بخلاف الحرائر , فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح ( انظر جلباب المرأة المسلمة للألبانى صـــ 90-96 ) .

ثانيا : أدلة السنة : الحديث الأول :حديث أمنا عائشة رضى الله عنها , قالت : كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها , فإذا جاوزونا كشفناه .

تخريج الحديث : أخرجه أحمد فى المسندح 24021 قال : حدثنا هشيم . وأبو داوود ح 1833 , قال حدثنا أحمد بن حنبل : قال حدثنا هشيم . وابن ماجة ح 2935 , قال حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة قال حدثنا محمد بن فضيل (ح) وحدثنا على بن محمد قال حدثنا عبدالله بن إدريس . وابن خزيمة ح 2691 قال : حدثناه عبدالله بن سعيد الأشج قال : حدثنا ابن إدريس (ح) وحدثنا يوسف بن موسى قال حدثنا جرير ( ح ) وحدثنا محمد بن هشام , قال حدثنا هشيم .الأربعة : هشيم , محمد بن فضيل , عبدالله بن إدريس , جرير , كلهم عن يزيد بن أبى زياد عن مجاهد عن عائشة رضى الله عنها والحديث فيه : يزيد بن أبى زياد الهاشمى مولاهم : ضعفه الكثير من أهل العلم , وكبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيا ( انظر ترجمته فى تهذيب التهذيب ت 630, وتقريب التهذيب ت 7717 ) فالحديث ضعيف ضعفه الألبانى فى إرواء الغليل ح 1024 , وكذلك الأرناؤط فى مسند أحمد ح 24021 .لكن الحديث له شواهد : عن فاطمة بنت المنذر , قالت : كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبى بكر . ( موطأ مالك ح 1050 ) وبنحوه رواه الحاكم فى المستدرك ح 1668 , وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى , وصححه الألبانى فى إرواء الغليل ح 1023 .

الاستدلال من الحديث وفى المغنى لابن قدامة : والمرأة إحرامها فى وجهها , فإن احتاجت سدلت على وجهها , وجملة ذلك أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها فى إحرامها , كما يحرم على الرجل تغطية رأسه , لانعلم فى هذا خلافا , إلا ما روى عن أسماء أنها كانت تغطى وجهها وهى محرمة , ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة , فلايكون اختلافا , قال ابن المنذر وكراهية البرقع ثابتة عن سعد وابن عمرو وابن عباس وعائشة ولانعلم أحدا خالف فيه … ولأن بالمرأة حاجة إلى ستر وجهها , فلم يحرم عليها ستره على الإطلاق كالعورة , ( انظر المغنى 3/301- 303 ) .

لكن السؤال هل يستفاد من الحديث وجوب تغطية الوجه فى غير الإحرام أم مشروعية ستره ؟ .

يقول الشيخ ابن عثيمين عن الحديث : دليل على وجوب ستر الوجه , لأن المشروع فى الإحرام كشفه , فلولا وجود مانع قوى من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفا حتى للركبان , وبيان ذلك أن كشف الوجه فى الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من اهل العلم , والواجب لايعارضه إلا ما هو واجب , فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عند الأجانب , ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صـــ 34-35 ) . لكن يشكل على القول بوجوب تغطية الوجه حال الإحرام , حديث عائشة رضى الله عنها قالت : المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تتلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ( أخرجه البيهقى فى الكبرى ح 9050 , وقال الألبانى فى إرواء الغليل سنده صحيح 4/212 ) .

يقول الشوكانى : وأما تغطية وجه المرأة فلما روى أن إحرام المرأة فى وجهها ولكنه لم يثبت ذلك من وجه يصلح للإحتجاج . ثم ذكر حديث عائشة رضى الله عنها فى السدل إذا حاذاهم الركبان , فقال : وليس فيه ( الحديث ) ما يدل على أن الكشف لوجوههن كان لأجل الإحرام , بل كن يكشفن وجوههن عند عدم وجود من يجب سترها منه ويسترنها عند وجود من يجب سترها منه ( انظر السيل الجرار صــ 316 ) .

وقد نقل ابن بطال كراهية لبس النقاب للمحرمة وليس التحريم – فقال : وثبت كراهية النقاب عن سعد وابن عباس وابن عمر وعائشة ولا نعلم أحدا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم رخص فيه ( انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال 4/218 ) بل نقل الكراهة للمرأة أن ترتدى النقاب فى إحرامها – ابن عبد البر- فقال : وعلى كراهة النقاب للمرأة جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من فقهاء الأمصار , لم يختلفوا فى كراهة التبرقع والنقاب للمرأة المحرمة ( انظر الإستذكار 4/1 , التمهيد 15/107 ) ومنع الجمهور أن ترتدى المرأة النقاب واجازه الحنفية وهو رواية عند الشافعية والمالكية , ولم يختلفوا فى منعها من ستر وجهها وكفيها بما سوى النقاب والقفازين ( انظر فتح البارى 4/54 )

.والحديث ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم , إنما هو من إقراره , لعلم النبى صلى الله عليه وسلم بسدلهن, فقد ورد فى بعض الروايات : ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وسكوت النبى صلى الله عليه وسلم يعنى إقراره , لكن هل الإقرار يستفاد منه الوجوب أم الجواز ؟

يقول الشاطبى : وأما الإقرار فحمله على أن لاحرج فى الفعل الذى رآه عليه الصلاة والسلام – فأقره أو سمع به فأقره، وأن ما لاحرج فيه جنس لأنواع الواجب , والمندوب , والمباح ( انظر الموافقات 4/434-435 ). يقول الجوينى : اتفق الأصوليين على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرر إنسانا على فعل , فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور , ولو كان محظورا لأنكره ثم لايمكن بعد ذلك قطع القول بكونه مباحا أو واجبا أومندوبا , بل تجتمع فيه هذه الإحتمالات , ولايتبين من التقرير المطلق إلا نفى الحظر ( التلخيص فى أصول الفقه 2/246 ) وذكر جماعة من الأصوليين أن دلالة الإقرار هى الإباحة يقول الزركشى : التقرير : وصورته أن يسكت النبى صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل قيل أو فعل بين يديه أو فى عصره وعلم به , فذلك منزل منزلة فعله فى كونه مباحا ( البحر المحيط فى أصول الفقه 6/54 ) .

ويقول المرداوى : إذا سكت صلى الله عليه وسلم عن إنكار فعل أو قول بحضرته أو زمنه عالما به دل على جوازه ( انظر التحبير شرح التحرير3/1491).

الحديث الثانى : عن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: …ولاتنتقب المحرمة ولاتلبس القفازين … ( أخرجه البخارى ح 1838 ضمن حديث طويل عن ابن عمر رضى الله عنهما ) وقال بعض أهل العلم أن هذا موقوف على ابن عمر رضى الله عنهما , لكن االبخارى أشار إلى صحة هذه الزيادة , وذكر اتفاق جماعة من الثقات عليها , خلافا للحافظ فى الفتح , فرجح أنها موقوفة على ابن عمر . قال الألبانى : والأرجح عندى الأول – رفعها للنبى صلى الله عليه وسلم – وهو الذى يشعر به قول الترمذى : حديث حسن صحيح . وفى رواية لأحمد من طريق ابن إسحاق عن نافع بلفظ : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا على المنبر ( انظر إرواء الغليل ح 1012 ) .

الاستدلال من الحديث : بمفهوم المخالفة يدل الحديث على أن النقاب والقفاز كانا معروفين فى النساء اللاتى لم يحرمن .

لكن السؤال هل الحديث يدل – بمفهوم المخالفة – على وجوب النقاب لغير المحرمة , أم يستفاد منه المشروعية ؟ وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين