الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال حديثنا متصلا عن آيات الحجاب , وفى الحلقة السابقة وصلنا إلى الآية الخامسة من آيات الحجاب , وهى قوله تعالى : (يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما )( الأحزاب : 59 ) فذكرنا أقوال بعض قدامى المفسرين فى الآية , وتوقفنا عند تفسير الطبرى لننظر فى الأقوال التى نقلها عن أهل التأويل .
القول الأول : أن الإدناء هو تغطية الوجه وعدم إبداء إلا عينا واحدة , ورأينا أسانيد هذا القول : أ- عن ابن عباس رضى الله عنهما , فرأينا ضعف هذا الأُثر , وعلته الانقطاع بين على بن أبى طلحة وابن عباس .
ب- عن عبيدة السلمانى يرحمه الله – وسنده صحيح إلى عبيدة , لكنه مقطوع ( موقوف على عبيدة السلمانى ) وهو تابعى .
ج- عن عبيدة – أيضا – وهو كسابقه موقوف عليه .
القول الثانى : أن الإدناء هو شد الجلباب على الجباه , وأسانيد هذا القول : أ- عن ابن عباس رضى الله عنهما – وهذا رأيناه فى الحلقة السابقة – ,أن سند هذا الأثر شديد الضعف , فهو مسلسل بالعوفيين وهم ضعفاء.
ونستكمل البحث بإذن الله تعالى .
ب- حدثنى بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله ( ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين) أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ( ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين ) وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء , فنهى الله تعالى الحرائر أن يتشبهن بالإماء . – سند الأثر : بشر : هو ابن معاذ العقدى البصرى , أكثر الطبرى من الرواية عنه , (حيث زادت عدد رواياته عن 3423 رواية بإسناد واحد , عنه عن يزيد بن زريع , عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسى) وهو صدوق (انظر تقريب التهذيب 1/124ت 702 ) .
يزيد : هو ابن أبى زريع : ثقة ثبت ( انظر تقريب التهذيب 1/601 ت 7713 ) .
سعيد : هو ابن أبى عروبة : ثقة حافظ لكنه كثير التدليس واختلط , وكان من أثبت الناس فى قتادة ( انظر تقريب التهذيب 1/239 ت 2365 ) قال أحمد بن حنبل : كل شئ رواه يزيد بن زريع عن سعيد فلاتبال أن لا تسمعه من أحد , سماعه من سعيد قديم ( قبل الاختلاط ) ( انظر الكامل فى ضعفاء الرجال4/446 ) ذكره الحافظ ابن حجر فى المرتبة الثانية من المدلسين , وهى من احتمل الأئمة تدليسهم وأخرجوا لهم فى الصحيح لإمامتهم وقلة تدليسهم فى جنب ما رووا ( انظر تعريف أهل التقديس 1/13, 31 ) .
قتادة : هو ابن دعامة السدوسى : ثقة ثبت ( انظر تقريب التهذيب 1/453 ت 5518 ) – فالإسناد حسن , لكنه موقوف على قتادة وهو تابعى.
ج- حدثنى محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عيسى وحدثنى الحارث قال ثنا الحسن قال ثنا ورقا ءجميعا عن ابن أبى نجيح عن مجاهد , قوله ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى من قول ولاريبة . – سند الأثر – محمد بن عمرو بن العباس الباهلى ( أبوبكر ) : ذكره ابن حبان فى الثقات ( 9/107 ) , ثقة ( انظر تاريخ بغداد 4/213 )
– أبو عاصم : الضحاك بن مخلد ( أبو عاصم النبيل ) : ثقة ثبت ( انظر تقريب التهذيب 1/280 , ت 2977 ) – عيسى : ابن ميمون الجرشى : ثقة ( انظر تقريب التهذيب 1/441 , ت 5334 )
– الحارث : ابن أبى أسامة : قال الدارقطنى : هو صدوق , وقال إبراهيم الحربى ثقة ( انظر تاريخ بغداد 9/114 )
– الحسن بن موسى الأشيب : ثقة ( انظر تقريب التهذيب 1/164 ت 1288 )
ورقاء : ابن عمر بن كليب اليشكرى : صدوق ( انظر تقريب التهذيب 1/580 , ت 7403 )
– ابن أبى نجيح : هو عبدالله أبو يسار الثقفى , ثقة رمى بالقدر وربما دلس ( انظر تقريب التهذيب 1/326 ت 366 ) وثقه جماعة من أهل العلم , وقال يحيى بن سعيد لم يسمع ابن أبى نجيح التفسير من مجاهد رواه من غير سماع ( انظر تهذيب التهذيب 6/54 )
– مجاهد بن جبر : ثقة إمام فى التفسير وفى العلم ( انظر تقريب التهذيب 1/520 ت 6481 )
فالأثر سنده حسن , وهو موقوف على مجاهد بن جبر يرحمه الله
. د- حدثنا ابن حميد قال ثنا حكام عنبسة عمن حدثه عن أبى صالح قال : قدم النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة على غير منزل , فكان نساء النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن إذا كان الليل خرجن يقضين حوائجهن , وكان رجال يجلسون على الطريق للغزل , فأنزل الله ( ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) يقنعن بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة , وقوله ( ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين ) يقول تعالى ذكره : إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به ويعلموا انهن لسن بإماء فيتنكبوا عن أذاهن بقول مكروه او تعرض بريبة ,.
وهذا الأثر ضعيف , ففى سنده محمد ابن حميد : محمد بن حميد الرازى : ضعيف ( انظر المجروحين لابن حبان 2/303-304 ).
– حكام : ابن اسلم الكنانى : ثقة , قال أحمد بن حنبل : كان يحدث عن عنبسه احاديث غرائب ( انظر تهذيب الكمال 7/83 – 85 , تقريب التهذيب 1/174 ت 1437 ) .
– أبو صالح : باذام مولى أم هانئ : ضعيف مدلس ( انظر تقريب التهذيب 1/ 120 , ت 634 ) .
والأثر ضعيف.
خلاصة ماذكرناه من آثار عن الطبرى: أولا: الآثار فى أن الإدناء هو تغطية الوجه : 1- أثر ابن عباس رضى الله عنهما: ضعيف 2- أثر عبيدة السلمانى : سنده صحيح إلى عبيدة , لكنه موقوف على تابعى.
ثانيا : الأثار فى الإدناء وهو شد الجلباب على الجباه 1- أثر ابن عباس : ضعيف 2- أثر قتادة : حسن , لكنه موقوف على تابعى .
3- أثر مجاهد : حسن , لكنه موقوف على تابعى .
4- أثر أبى صالح مولى أم هانئ رضى الله عنها : ضعيف.
فما ورد عن ابن عباس فى القولين : تغطية الوجه , وشد الجلباب على الجباه : لم يصح سنده إليه . صحة الأثار الواردة عن التابعين فى كلا القولين , لكنها موقوفة عليهم , وليست مرفوعة .
تفسير الفخر الرازى ( ت 606هــ ): وفى تفسيره للآية قال : … لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة , لايطمع فيها أن تكشف عورتها , فيعرفن أنهن مستورات ( انظر تفسير الفخر الرازى 25/184 ) .
تفسير القرطبى (ت 671هــ ) : قال فى تفسيره للآية : … واختلف الناس فى صورة إرخائه ( أى الجلباب ) فقال ابن عباس وعبيدة السلمانى : ذلك أن تلويه المرأة حتى لايظهرمنها إلا عين واحدة تبصر بها , وقال ابن عباس أيضا وقتادة : ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الانف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه , وقال الحسن : تغطى نصف وجهها ( انظر تفسير القرطبى 14/243 ).
تفسير البحر المحيط ( ت 745هــ ): من فى ( من جلابيبهن ) للتبعيض و ( عليهن ) شامل لجميع أجسادهن , أو ( عليهن ) على وجوههن , لأن الذى كان يبدو منهن فى الجاهلية هو الوجه ( انظر تفسير البحر المحيط 8/ 504 هــ ) .
– تفسير ابن كثير ( ت 774هــ ): الجلباب : هو الرداء فوق الخمار , قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصرى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وعطاء الخراسانى وغير واحد وقال عكرمة : تغطى ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها ( انظر تفسير ابن كثير 6/482 ) .
مسألة : فى التفرقة بين الحرة والأمة فى الزى : يقول ابن حزم معترضا على أقوال المفسرين فى التفرقة بين الحرة والأمة فى الملابس : وأما الفرق بين الحرة والأمة , فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة , كل ذلك فى الحرائر والإماء سواء , حتى ياتى نص فى الفرق بينهما فى شئ فيوقف عنده . قال : وقد ذهب بعض من وهل فى قوله الله تعالى ( يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى ان يعرفن فلايؤذين ) إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق , فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلايعترضوهن … ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم ووهلة فاضل عاقل , أو افتراء كاذب فاسق , لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على اعراض إماء المسلمين , وهذه مصيبة الأبد , وما اختلف اثنان من أهل الإسلام فى أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة , وان الحد على الزانى بالحرة كالحد على الزانى بالامة , ولافرق , وأن تعرض الحرة فى التحريم كتعرض الأمة ولافرق , ولهذا وشبهه وجب أن لايقبل قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأن يسنده إليه عليه السلام ( انظر المحلى 2/248 – 249 ) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : وليس فى الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء , ولاترك احتجابهن وإبداء زينتهن , ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر به الحرائر , والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر , ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام , بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء ثم قال : فإذا كان فى ظهور الأمة والنظر إليها فتنة وجب المنع من ذلك ( انظر حجاب المرأة ولباسها فى الصلاة صــ 38-39) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
