حجاب المرأة المسلمة (6)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : تكلمنا فى الحلقة السابقة عن قوله تعالى : (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن( ( الأحزاب 53) وذكرنا من أقوال العلماء فيها , ونواصل البحث بإذن الله تعالى .    خلاصة ماذكرنا من أقوال العلماء  حول تفسير هذه الآية يتضمن التالى :  1- الاتفاق على أن  هذه الآية نزلت فى وجوب الحجاب على أمهات المؤمنين    2- الاتفاق على أن هذه الآية توجب على  المؤمنين إذا أرادوا سؤال أمهات المؤمنين عن شئ فليكن ذلك من وراء حجاب , والحجاب يشمل  الستر من وراء حائط أو ستار أو هودج ونحو كذلك وكذلك يشمل ستر جميع البدن بما فى ذلك الوجه والكفين عندما يكون السؤال ليس من وراء جدار ونحوه .  3- الاستدلال من الآية على وجوب ستر الوجه والكفين لغير أمهات المؤمنين , هل هو استدلال مباشر , كما فى الأمر الصريح والمباشر الموجه لأمهات المؤمنين فى الآية – بلا خلاف – أم أنه استدلال غير مباشر ( استنباطى )  ؟   لاشك أن الاستدلال بالآية يكون بالقياس : فإذا كانت الآية تتوجه بالخطاب والحكم لأمهات المؤمنين , فإن دخول غيرهن من النساء أولى , لأن العلة  فى الآية هى طهارة القلوب , ولاشك فى حاجة غيرهن من النساء لطهارة القلوب ,  فإذا كان أصل اللفظ فى الآية خاص بأمهات المؤمنين إلا أن عموم علته يستدل  بها على عموم الحكم . 4- هل طهارة القلوب لاتتحقق إلا بستر الوجه , وأن عدم ستره غير محقق لها , وبالتالى يجب على المراة إذا أرادت أن تطهر قلبها أن تستر وجهها ؟هذا استدلال محتمل , لكنه غير ملزم , فلا تلازم بين ستر الوجه وطهارة القلب , وبالتالى فالاستدلال بهذه العلة غيرقطعى ,ومحل للنزاع   5-  أن اسم التفضيل فى الآية ( أطهر ) ليس على وجهه , بل هو مستعمل للزيادة فى طهورية القلب مع وجود أصلها فى القلوب سواء للنساء أو للرجال , فإن القلوب طاهرة بالتقوى وغض البصر والانتهاء عن ما حرم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . 

 الآية الخامسة ( من آيات الحجاب ) : قول الله تعالى : (ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما) (   الأحزاب : 59 )  .

 أقوال قدامى المفسرين فى الآية : تفسير مقاتل بن سليمان ( ت 150هـ )   قال فى قوله تعالى : ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) يعنى القناع الذى يكون فوق الخمار , وذلك أن المهاجرين قدموا المدينة ومعهم نساؤهم فنزلوا مع الأنصار فى ديارهم فضاقت الدور عنهم , وكان النساء يخرجن بالليل إلى النخل فيقضين حوائجهن …..  , فكان المريب يرصد النساء بالليل فيأتيها فيعرض عليها ويغمزها , فإن هويت الجماع أعطاها أجرها وقضى حاجته , وإن كانت عفيفة صاحت فتركها , وإنما كانوا يطلبون الولائد( الإماء ) فلم تعرف الأمة من الحرة بالليل فذكر نساء المؤمنين ذلك لازواجهن وما يلقين بالليل من الزناة , فذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل : (ياأيها النبى قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) يعنى القناع فوق الخمار ( ذلك أدنى ) يعنى أجدر أن يعرفن فى زيهن أنهن لسن بمريبات وانهن عفايف فلايطمع فيهن أحد فلايؤذين بالليل  ( تفسير مقاتل بن سليمان 3/507-508) .

 تفسير الطبرى(ت 310هــ)  , شيخ المفسرين عن الآية : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ) لايتشبهن بالإماء فى لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن , فكشفن شعورهن ووجوههن , ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن لئلا يعرض لهن فاسق , إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول .

  ثم اختلف أهل التأويل فى صفة الإدناء الذى أمرهم الله به فقال بعضهم : هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلايبدين منهن إلا عينا واحدة , ذكر من قال ذلك : 1- حدثنى على قال ثنا أبو صالح قال ثنى معاوية عن على عن ابن عباس قوله : ( ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن )  أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن فى حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة   ( تفسير الطبرى 20/224 ) .

– سند الأثر :  على  هو ابن داوود بن يزيد القنطرى : صدوق ( تقريب التهذيب صـــ 401 )  وقد وثقه الخطيب وذكره ابن حبان فى الثقات , ولايعلم فيه جرح ( انظر تحرير التقريب 2/42 ) .

 – أبو صالح : هو عبدالله بن صالح الجهنى , أبو صالح المصرى كاتب   الليث  , صدوق كثير الغلط ثبت فى كتابه وكانت فيه غفلة ( تقريب التهذيب صـــ 308 )  وثقه بعض أهل العلم وقال أبو زرعة الرازى : حسن الحديث , وضعفه النسائى وعلى ابن المدينى وابن حبان وغيرهم  ( انظر تحرير التقريب 2/222)   .

– معاوية : هو ابن صالح بن جرير الحضرمى قاضى الأندلس , صدوق له أوهام   ( تقريب التهذيب صــ 538 )       وثقه أحمد بن حنبل وعبدالرحمن بن مهدى وأبو زرعة الرازى وغيرهم واختلف فيه قول يحيى بن معين , وكان يحيى بن سعيد لايرضاه ( ويحيى كما هو معلوم من المتشددين فى الحكم على الرواة )   وقال أبو حاتم : صالح الحديث , حسن الحديث , يكتب حديثه ولايحتج به (انظر تحرير التقريب  3/394).

على :  هو ابن أبى طلحة سالم مولى بنى العباس سكن حمص أرسل عن ابن عباس ولم يره , صدوق قد يخطئ  ( تقريب التهذيب صــ 402 ) وقيل صدوق حسن الحديث  لكن روايته عن ابن عباس وكعب بن مالك منقطعة   وقد احتج به مسلم فى صحيحه ( انظر تحرير التقريب 3/46 )   فالحديث في سنده انقطاع بين على بن أبى طلحة وبين ابن عباس فهو لم يسمع من ابن عباس، قال ابن أبى حاتم : سمعت أبى يقول أن على بن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير , ويقول على بن أبى طلحة عن ابن عباس مرسل إنما يروى عن مجاهد والقاسم بن محمد وراشد بن سعد ومحمد بن زيد ( انظر المراسيل لابن أبى حاتم صــ 140)  وضعف هذا الأثر الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة بعلتين : 1- الانقطاع بين على بن أبى طلحة وبين ابن عباس . 2- ضعف عبدالله بن صالح ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 88 )  .

 2-  حدثنى يعقوب قال ثنا ابن عليه  عن ابن عون عن محمد عن عبيدة فى قوله : ( يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن )     فلبسها عندنا ابن عون قال : ولبسها عندنا محمد قال : ولبسها عندى عبيدة قال ابن عون  بردائه  فتقنع به  , فغطى أنفه وعينه اليسرى وأخرج عينه اليمنى وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبا من حاجبه أو على الحاجب  ( انظر تفسير الطبرى 20/325 )   .

– سند الأثر : يعقوب : هو ابن إبراهيم الدورقى , ثقة , من الحفاظ  ( تقريب التهذيب صـــ 607 ) .

  – ابن عليه : هو إسماعيل بن إبراهيم ابن عليه : ثقة حافظ ( تقريب التهذيب صـــ105 ) .

   -ابن عون : هوعبدالله بن عون بن أرطبان : ثقة ثبت فاضل ( تقريب التهذيب صـــ 317 ) .

  – محمد : هوابن سيرين الأنصارى أبو بكر : ثقة ثبت عابد كبير القدر ( تقريب التهذيب صـــ 483 ) .

  – عبيدة : هوابن عمرو السلمانى : تابعى كبير مخضرم فقيه ( تقريب التهذيب صـــ 379 ) فالسند صحيح مسلسل بالثقات .    لكنه مقطوع ( موقوف على عبيدة السلمانى )    يقول العراقى فى الألفية:

 وسمَّ بالمقطوع قول التابعى       وفعله وقد رأى ( للشافعى )  .  (البيت 103 من الألفية ) .(  ملحوظة سنرى خلال  البحث هل رفع عبيدة الأثر عن أحد من الصحابة , وخاصة على وابن مسعود رضى الله عنهما لأنه أخذ عنهما  أو له متابعة متصلة عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم ) .

  3- حدثنى يعقوب قال ثنا هشيم قال اخبرنا هشام عن ابن سيرين قال سألت عبيدة عن قوله تعالى (قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن)  , قال  فقال بثوبه , فغطى رأسه ووجهه , وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه   ( انظر تفسير الطبرى 20/325 ) .

 سند الأثر :  يعقوب : هو الدورقى _ سبق فى الأثر (3)  .

 – هشيم هو ابن بشير بن القاسم أبو معاوية ابن أبى خازم الواسطى : ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفى ( انظر تقريب التهذيب صـــ 574 )  ذكره الحافظ ابن حجر فى ( مراتب المدلسين المرتبة الثالثة , قال : من أتباع التابعين مشهور بالتدليس مع ثقته ( انظر تعريف اهل التقديس صــ 47 ) (فائدة :المرتبة الثالثة من المدلسين : هى من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع ومنهم من رد حديثهم مطلقا ومنهم من قبله ( انظر السابق صــ 13 ) قلت : وقد صرح هشيم  فى هذا الأثر بالتحديث .   هشام : هوابن حسان الأزدي القردوسى , ثقة من أثبت الناس فى ابن سيرين ( انظر تقريب التهذيب صـــ 572 ) .

 ابن سيرين : سبق فى الأثر ( 2). والإسناد إلى عبيدة صحيح لكن كما قلنا فى الأثر السابق أنه موقوف على عبيدة السلمانى وهو تابعى  فيصير من قبيل المقطوع . 

ثم ذكر الطبرى الآثار الواردة بأن الإدناء هو شد الجلباب على الجباه:.

  1- حدثنى محمد بن سعد قال ثنى  أبى قال ثنى عمى قال ثنى أبى عن أبيه عن ابن عباس قوله : (ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن) إلى قوله تعالى ( وكان الله غفورا رحيما ) قال : كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن , وإدناء الجلباب هو أن تقنع وتشد على جبينها . 

سند الأثر : محمد بن سعد:هو ابن محمد بن الحسن بن عطية العوفى  قال الخطيب : كان لينا فى الحديث , وروى الحاكم عن الدارقطنى أنه لابأس به ( انظر ميزان الإعتدال ت 7583, لسان الميزان ت 603 )  ( أبى)   : هو سعد بن محمد بن الحسن : قال أحمد فيه :جهمى , قال : ولم يكن هذا أيضا ممن يستاهل أن يكتب عنه ولاكان موضعا لذاك ( انظر لسان الميزان ت 67) .

 ( عمى ) هو الحسين بن الحسن بن عطية العوفى : ضعفه يحيى بن معين وغيره وقال ابن حبان : روى اشياء لايتابع عليها لايجوز الاحتجاج بخبره ( انظر لسان الميزان ت 1156 ) –  (أبى) : هو الحسن بن عطية العوفى : ضعيف ( تقريب التهذيب صــــ162  )  ( أبيه)- هوعطية بن سعد العوفى : أبو الحسن : صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيا مدلسا ( انظر السابق صـــ 393 ) .

قلت الأثر شديد الضعف فهو مسلسل بالعوفيين وهم ضعفاء .

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين