الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : تكلمنا فى الحلقات السابقة عن آيات الحجاب – حسب ترتيبها فى المصحف , فذكرنا الآيات 31 ,60 من سورة النور , والآيات 32,33 من سورة الأحزاب , ثم بدأنا فى قوله تعالى : وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب , ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبد إن ذلكم كان عند الله عظيما ( الأحزاب : 53 ) فذكرنا تفسير مقاتل بن سليمان للآية , وبدأنا فى تفسير الطبرى ونستكمل البحث بإذن الله تعالى.
يقول الطبرى : وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين اللواتى لسن لكم بأزواج , متاعا ( فاسألوهن من وراء حجاب ) يقول من وراء ستر بينكم وبينهن , ولاتدخلوا عليهن بيوتهن ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) يقول تعالى ذكره : سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التى تعرض فى صدور الرجال من أمر النساء , وفى صدور النساء من أمر الرجال , وأحرى من أن يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل ( تفسير الطبرى 20/313-314 ) .
تفسير الماتريدى ( ت 333هـ ) : وقد فرق الماتريدى بين طهارة قلوب الرجال المخاطبين فى الآية , وطهارة قلوب أمهات المؤمنين فحملهما على معنيين مختلفين , فقال : عن قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ), جائز أن يكون المعنى الذى يكون أطهر لقلوب الرجال . غير المعنى الذى يكون أطهر لقلوبهن ( أمهات المؤمنين ) ذلك المعنى الذى يكون أطهر لقلوبهم : من الفجور والهم لقضاء الشهوة , وماتدعوه النفس إليه ( أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) من العداوة والضغينة , لاالفجور وقضاء الشهوة , وذلك أنهن قد عرفن أنهن لايحللن لغيره نكاحا لما اخترنه والدار الآخرة على الدنيا وزينتها , وقد أوعدن بارتكاب الفاحشة العذاب ضعفين , على ماذكر , وذلك يمنعهن ويزجرهن عن ارتكاب ذلك , فإذا كان ذلك فإذا عرض من الداخلين عليهن والناظرين إليهن نظر الشهوة وقع فى قلوبهن لهم العداوة والضغينة . فيقول : السؤال من وراء حجاب أطهر لقلوبكم من الفجور والريبة , وأطهر لقلوبهن من العداوة والضغينة , والله أعلم ( تفسير الماتريدى 8/407 ) .
تفسير البغوى ( ت 510 هـ ) ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ) : أى : من وراء ستر , فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم منتقبة كانت أو غير منتقبة ثم ذكر بإسناده إلى البخارى عن عائشة رضى الله عنها : ان أزواج النبى صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع , وهو صعيد أفيح , وكان عمر يقول للنبى صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك , فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل , فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبى صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالى عشاء , وكانت امرأة طويلة فناداها عمر , ألا قد عرفناك يا سودة – حرصا على أن ينزل الحجاب – فأنزل الله تعالى آية الحجاب ( المناصع : موضع ناحية البقيع كانوا يأتونه لقضاء حاجتهم : صعيد أفيح : الصعيد : وجه الأرض , أفيح : واسع , صحيح البخارى ح 146 , تفسير البغوى 6/370 ).
تفسير القرطبى ( ت 671هـ ) : فى هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن فى مسألتهن من وراء حجاب فى حاجة تعرض, أو مسألة يستفتين فيها , ويدخل فى ذلك : جميع النساء بالمعنى , وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة , بدنها وصوتها كما تقدم , فلايجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها , أو داء يكون ببدنها ., أو سؤالها عما يعرض ويتعين عندها . ثم قال : ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) يريد من الخواطر التى تعرض للرجال فى أمر النساء وللنساء فى أمر الرجال , أى : ذلك أنفى للريبة وأبعد للتهمة وأقوى فى الحماية , وهذا يدل على أنه لاينبغى لأحد أن يثق بنفسه فى الخلوة مع من لاتحل له , فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله وأحصن لنفسه وأتم لعصمته ( انظر تفسير القرطبى 14/227-228 ) .
تفسير أضواء البيان للشنقيطى ( ت 1393هـ ) : قول كثير من الناس إن آية (الحجاب ), أعنى قوله تعالى : وإذا سألتموهن حجابا فاسألوهن من وراء حجاب) , خاصة بأزواج النبى صلى الله عليه وسلم , فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذى هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة , فى قوله تعالى : ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم , إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبى صلى الله عليه وسلم لاحاجة إلى أطهرية قلوبهن وقلوب الرجال من الريبة منهن , وقد تقرر فى الأصول أن العلة قد تعمم معلولها , وإليه أشار فى مراقى السعود : وقد تخصص وقد تعمم لأصلها لكنها لاتخرم … وبما ذكرنا نعلم أن فى هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام فى جميع النساء , لاخاص بأزواجه صلى الله عليه وسلم , وإن كان أصل اللفظ خاص بهن، لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه , ومسلك العلة الذى دل على أن قوله تعالى ( ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ) هو علة قوله تعالى : ( فاسألوهن من وراء حجاب ) هو المسلك المعروف فى الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه ( انظر أضواء البيان 6/242- 244 ) .
وما أجمل ما قاله الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير : واسم التفضيل فى قوله ( اطهر ) مستعمل للزيادة دون التفضيل والمعنى : ذلك أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهن فإن قلوب الفريقين طاهرة بالتقوى وتعظيم حرمات الله وحرمة النبى صلى الله عليه وسلم ولكن لما كانت التقوى لاتصل بهم إلى درجة العصمة أراد الله ان يزيدهم منها بما يكسب المؤمنين مراتب من الحفظ الإلهى من الخواطر الشيطانية بقطع أضعف أسبابها وما يقرب أمهات المؤمنين من مرتبة العصمة الثابتة لزوجهن صلى الله عليه وسلم , فإن الطيبات للطيبين بقطع الخواطر الشيطانية عنهن بقطع دابرها ولو بالفرض, وأيضا فإن للناس أوهاما وظنونا سوأى تتفاوت مراتب نفوس الناس فيها صرامة ووهنا , ونفاقا وضعفا , كما وقع فى فى قضية الإفك المتقدمة فى سورة النور , فكان شرع حجاب أمهات المؤمنين قاطعا لكل تقول وإرجاف بعمد أو بغير عمد . ووراء هذه الحكم كلها حكمة أخرى سامية وهى زيادة تقرير معنى أمومتهن للمؤمنين فى قلوب المؤمنين التى هى أمومة جعلية شرعية , بحيث إن ذلك المعنى الجعلى الروحى وهو كونهن أمهات يرتد وينعكس إلى باطن النفس وتتقطع عنه الصور الذاتية , وهى كونهن فلانة أو فلانة فيصبحن غير متصورات إلا بعنوان الأمومة , فلا يزال ذلك المعنى الروحى ينمو فى النفوس , ولاتزال الصور الحسية تتضاءل من القوة المدركة حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين معنى قريبا فى النفوس من حقائق المجردات كالملائكة، وهذه حكمة من حكم الحجاب الذى سنه الناس لملوكهم فى القدم ليكون ذلك أدخل لطاعتهم فى نفوس الرعية . وبهذه الآية مع الآية التى تقدمتها من قوله : ( يانساء النبى لستن كأحد من النساء ) ( الأحزاب : 32 ) تحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين المركب من ملازمتهن بيوتهن وعدم ظهور شئ من ذواتهن حتى الوجه والكفين , وهو حجاب خاص بهن لايجب على غيرهن , وكان المسلمون يقتدون بأمهات المؤمنين ورعا وهم متفاوتون فى ذلك على حسب العادات … ودل قوله : ( لقلوبكم وقلوبهن ) أن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبى صلى الله عليه وسلم على السواء ( التحرير والتنوير 22/90- 92 ) وفى فتح البارى : قال عياض : فرض الحجاب مما اختصصن به ( يعنى أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ) فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين , فلايجوز لهن كشف ذلك فى شهادة ولاغيرها ولا إظهار شخوصهن , وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز.
قال الحافظ وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن , وقد كن بعد النبى صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن , وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص ( فتح البارى 8/530هـ ). وقال الشوكانى فى نيل الأوطار بعد أن ذكر حديث الفضل بن عباس مع الخثعمية وهوعن ابن عباس ( عن الفضل بن عباس ) : أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ( يوم النحر ) والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم و(كان الفضل رجلا وضيئا ) فوقف النبى صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم , … الحديث وفيه فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء , ( وفى رواية وضيئة ) : فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ( وتنظر إليه ) فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر . وروى هذه القصة على بن أبى طالب رضى الله عنه وذكر أن الإستفتاء كان عند المنحر بعدما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة وزاد : فقال له العباس : يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ( الحديث أصله فى الصحيحين والزيادات انظرها فى جلباب المرأة المسلمة للألبانى صــــ 60-63 ) قال الشوكانى : وهذا الحديث أيضا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبى صلى الله عليه و على آله وسلم , لأن قصة الفضل فى حجة الوداع وآية الحجاب فى نكاح زينب فى السنة الخامسة من الهجرة . ثم رد على من قال أن ذلك خاص بأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ( الحجاب ) لأنه إنما شرع قطعا لذريعة وقوف اصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فى بيته , ولايخفى أن الإعتبار بعموم اللفظ لابخصوص السبب ( انظر نيل الأوطار 6/135 ) وللحديث بقية , والحمد لله رب العالمين
