(مهداة إلى أصدقاء الصبا )
…………
في ذات مساءٍ شتائيٍ باردٍ
مرّ بي .
مرّ بي فجأةً وكأنّه أيقونة .
يحملُ فوق رأسهِ أشجارَ الحزنِ ويمضي صمتاً
صوبَ أسوارِ المدينة .
ألقى نظرةً نحوي ثمّ أثبتني
ثمّ سدّدَ إلى قلبي سهمَ القبيلة .
عندما كنّا طفلينِ صغيرينِ
نحلقُ ليلاً فوقَ مصابيحِ الزينة .
نمشي ثمّ نعدو قبيلَ الفجرِ
إلى الخيمةِ
يلقانا دفءُ الوالدينِ
وسحرُ الحكاياتِ القديمة .
كنّا وردتينِ معطّرتينِ ساذجتينِ
ولا نعرفُ بعدُ قسوةَ أشواك الحديقة .
أو نعرفُ أنّ القلوبَ تخادعُ
وأنّ العيونَ تداري من خلفها
أحقاداً مريرة .
كنّا قطرتي مطرٍ
تهبطانِ معاً
ثمّ تنحدرانِ معاً
للموجِ والأصدافِ الصغيرة .
كنّا نعشقُ لونَ البحرِ وصوتَ البحرِ وأبنيةَ الشاطئِ
وخفوتَ الضوءِ الذي يأتي
من إشاراتِ السفنِ المستديرة .
كنّا نسرعُ
عندما تتساقطُ أمطارُ الليلِ
على شرفاتِ القلبِ الكسيرة.
نحتمي بمظلّات الميدانِ
وأركانِ الشِعر المستفيضة.
كنّا كالقصيدة.
ثمّ دارت بنا الأعوامُ
فألقتنا وحداناً
فوقَ أرصفةِ السفرِ العتيقة .
نحملُ خوفنا وحقائبنا وسنواتِ الصبا
واشياءً عديدة .
اكتست بالقساوةِ ملامحنا
وتراءت لنا ألوانُ الطيفِ البعيدة .
جُزنا أوطاناً وأنهاراً وبحاراً
وأعيتنا بواعثُ الشوقِ الدفينة .
وانتوينا العودةَ مرّاتٍ تلوَ مرّاتٍ
لكن أوقفتنا حراساتُ العقلِ الثقيلة .
والآنَ…
وبعدما أنكرتنا القبيلة
فلماذا
تمرّ بي هذه الليلة صامتاً ؟
ولماذا
تثبتني عيناكَ كثيراً
ثمّ تسدّدُ إلى قلبي
سهمَ الأحلامَ المستحيلة؟ .
