الحمد لله وحده , والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : بدأت فى الحلقة السابقة فى بيان أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وكتبت تعريفات مختصرة تبين السياق وأهميته وأقسامه. وذكرت أننى سأقسم أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . ثم بدأت الكلام عن أدلة القرآن : القرائن اللفظية المتصلة بالنص.: 1- قوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن أبصارهن ويحفظن فروجهن إلا ما ظهر منها ( النور : 31)
2- قوله تعالى : والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( النور : 60).
3- قوله تعالى : يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن فى بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ( الأحزاب : 33,32) .
4- وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ( الأحزاب : 53) ونواصل الحديث بإذن الله تعالى .
5- قوله تعالى : يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما ( الأحزاب : 59). القرينة اللفظية فى الآية: ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) فما معنى إدناء الجلباب ؟ خلاصة ماذكر فى معنى الإدناء : 1- هو تغطية الوجه بالجلباب . 2- هو شد الجلباب على الجباه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه عن الأنف وإن ظهرت عيناها لكن يستر الصدر ومعظم الوجه . 3- تغطى وجهها حتى لايظهر منها إلا عين واحدة. 4- تغطى نصف وجهها . 5- تغطة ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها . 6- هو القناع فوق الخمار . ( انظر تفسير مقاتل بن سليمان 3/507-508 , تفسير الطبرى 20/224, 325, تفسير الفخر الرازى 25/184, تفسير القرطبى 14/243, تفسير البحر المحيط 8/504, تفسير ابن كثير 6/284) وقد سبق أن حررت هذه الآثار من الناحية الحديثية , وبينت أن الآثار التى نقلت عن ابن عباس على أن الإدناء هو تغطية الوجه فى رواية , وفى رواية أخرى هو شد الجلباب على الجباه , لم تصح الروايتان سندا عنه . وصحت آثار عن بعض التابعين فى تفسير الإدناء بأنه هو تغطية الوجه , وكذلك صحت آثار بأن الإدناء هو شد الجلباب على الجباه , لكنها موقوفة عليهم وليست مرفوعة .
2- ( من جلابيبهن) فما هو الجلباب ؟ قيل هو القناع فوق الخمار , وقيل هو الرداء فوق الخمار . وقيل : الجلابيب جمع جلباب وهو ثوب أصغر من الرداء وأكبر من الخمار والقناع , تضعها المرأة على رأسها فيتدلى جانباها على عذاريها وينسدل سائره على كتفها وظهرها , تلبسه عند الخروج والسفر ( انظر تفسير مقاتل بن سليمان 3/507-508) تفسير ابن كثير 6/482 , التحرير والتنوير 22/106- 107, المغرب فى ترتيب المعرب ص87 ) .
قال ابن السكيت : قالت العامرية : الجلباب : الخمار : وقيل : جلباب المرأة : ملاءتها التى تشتمل بها . وقال الليث : الجلباب : ثوب أوسع من الخمار دون الرداء , تغطى به المرأة رأسها وصدرها ( انظر تهذيب اللغة للأزهرى 11/64).
وفى لسان العرب : الجلباب : القميص . والجلباب : ثوب أوسع من الخمار , دون الرداء , تغطى به المرأة رأسها وصدرها , وقيل هو ثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة , وقيل هو الملحفة قالت جنوب اخت عمرو ذى الكلب ترثيه : تمشى النسور وإليه لاهية مشى العذارى عليهن الجلابيب . وقيل : هو ما تغطى به المرأة الثياب من فوق كالملحفة , وقيل : هو الخمار …. وقيل ملاءتها التى تشتمل بها ….. ( انظر لسان العرب 1/ 272- 273).
وكما رأينا فإن الإدناء فى الآية اختلفت أقوال أهل العلم فيه , وأرى أنه ليس بدليل قطعى – ( أى لايحتمل إلا معنى واحدا) – فيكون حجة لمن استدل بأن الإدناء هو تغطية الوجه . بل هو دليل قطعى فى حجاب المرأة وسترها لجميع جسدها بمالايظهر مفاتنها .
وما يقال فى الإدناء يقال أيضا عن الجلباب .
المجموعة الثانية : أدلة الحجاب من السنة : 1- حديث عائشة رضى الله عنها قالت : كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها , فإذا جاوزونا كشفناه . ( مسند أحمد وغيره ) .
القرائن فى الحديث : 1- القرائن اللفظية : أ- ونحن محرمات : ومن المعلوم أن المرأة إحرامها فى وجهها , فلايجوز لها تغطية وجهها .
ب- فإذا حاذونا – الركبان – سدلت إحدانا جلبابها . فهل السدل على الوجه للمحرمة يدل على وجوب تغطية وجه المرأة فى غيرالإحرام , أم يدل على مشروعية ستره ؟ وبكل قال فريق من أهل العلم .
2- من القرائن الحالية ( غير اللفظية ) حول الحديث : 1- حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فى سنده ضعف , وقد سبق أن بينت علته بالتفصيل عند الكلام عنه – وقد ضعفه الألبانى فى الإرواء ح 1024 , وضعفه الأرناؤط فى مسند أحمد ح 24021 ) . 2- شواهد الحديث : عن فاطمة بنت المنذر : كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبى بكر ( موطأ مالك ح 1050 )، وبنحوه أخرجه الحاكم فى المستدرك ح 1668 , وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبى , وصححه الألبانى فى الإرواء ح 1023).
3- إقرار النبى صلى الله عليه وسلم : والحديث ليس من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما من إقراره , لعلم النبى صلى الله عليه وسلم بسدلهن , فقد ورد فى بعض روايات الحديث : ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكون النبى صلى الله عليه وسلم رأى وسكت فهذا يعنى أنه أقر فعل النساء , لكن السؤال : هل الإقرار يستفاد منه الوجوب أم الإستحباب , أم الإباحة فقط ؟ .
يقول الشاطبى : وأما الإقرار فمحمله على أنه لاحرج فى الفعل الذى رآه – عليه الصلاة والسلام – فأقره أو سمع به فأقره – وأن مالا حرج فيه جنس لأنواع : الواجب , والمندوب , والمباح . ( انظر الموافقات 4/434- 435).
يقول الجوينى : اتفق الأصوليون على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرر إنسانا على فعل , فتقريره إياه يدل على أنه غير محظور , ولو كان محظورا لأنكره , ثم لايمكن بعد ذلك قطع القول بكونه مباحا أم واجبا أو مندوبا , بل يجتمع فيه هذه الإحتمالات , ولايتبين من التقرير المطلق إلا نفى الحظر ( التلخيص فى أصول الفقه 2/246). وقد ذكر جماعة من الأصوليين أن دلالة الإقرار هى الإباحة . يقول الزركشى : التقريروصورته ان يسكت النبى صلى الله عليه وسلم عن إنكار قول أو فعل قيل أوفعل بين يديه , أوفى عصره وعلم به , فذلك منزل منزلة فعله فى كونه مباحا ( البحر المحيط فى أصول الفقه 6/54).
ويقول المرداوى : إذا سكت صلى الله عليه وسلم عن إنكار فعل أو قول بحضرته او زمنه عالما به دل على جوازه ( انظر التحبير شرح التحرير 3/1491 ) .
فالاتفاق على أن تقريرالنبى صلى الله عليه وسلم يدل على مشروعية ما أقره , لكن يبقى القول هل التقرير يدل على الوجوب او على الإستحباب وهذا يحتاج إلى قرينة أخرى غير اقراره فقط – والله أعلم . .
3.من القرائن اللفظية المنفصلة : ما ثبت من حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها – الذى قالت فيه : المحرمة تلبس من الثياب ماشاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولاتتبرقع ولاتتلثم، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ( أخرجه البيهقى فى الكبرى ح 9050 , وقال الألبانى سنده صحيح , إرواء الغليل 4/212 ).
وهذا الحديث قد يشكل على قول من قال بوجوب تغطية وجه المرأة فى غير حال الإحرام – .
الحديث الثانى : حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ولاتنتقب المحرمة ولاتلبس القفازين …. ( أخرجه البخارى ح 1838 ضمن حديث طويل عن ابن عمر رضى الله عنهما , وقال بعض أهل العلم أن هذا موقوف على ابن عمر رضى الله عنهما , لكن البخارى اشار إلى صحة هذه الزيادة , وذكر اتفاق جماعة من الثقات عليها , خلافا للحافظ فى الفتح , فرجح أنها موقوفة على ابن عمر رضى الله عنهما . قال الألبانى : والأرجح عندى الأول – رفعها للنبى صلى الله عليه وسلم – وهو الذى يشعربه قول الترمذى : حديث حسن صحيح . وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
