حجاب المرأة المسلمة (51) 

 الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لانبى بعده ، وبعد : ما زال حديثنا موصولا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن .   المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن وأدلة السنة ، ووصلت فى الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم إلى الأثر الثانى : 

٢- عن عائشة رضى الله عنها – فى حادثة الإفك – قالت : ….. فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت ، وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم ، فأتانى فعرفنى حين رآنى ، وكان يرانى قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى فخمرت وجهى بجلبابى ….. ( البخارى ومسلم وغيرها ) .

 الاستدلال من الأثر : فخمرت وجهى بجلبابى : أى غطيته . استدل بعض أهل العلم بالأثر على أن الوجه عورة ، ولذا خمرت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وجهها . ولاخلاف فى وجوب تغطية وجوه أمهات المؤمنين ، لكن الأثر ليس قطعى الدلالة فى وجوب النقاب على غير أمهات المؤمنين . لكن يستدل به على فضيلة النقاب وفضل التأسى بأمهات المؤمنين . 

٣- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى تفسير قوله تعالى : ( فجاءت إحداهما تمشى على استحياء ) ( القصص : ٢٥) . قال : ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولَّاجة ، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء ( تفسير ابن كثير ٦ / ٢٢٨ ، وقال هذا إسناد صحيح – السلفع من النساء : هى الجريئة على الرجال ) . الاستدلال من الأثر : وقد استدل الشيخ التويجرى بالأثر فى جملة أدلته على وجوب النقاب .

 قلت : والأثر يستدل به على حياء المرأة وخجلها من التعامل مع الرجال ، وقد نقلت من أقوال المفسرين فى تفسير الآية . وليس فى أقوالهم أنها كانت ترتدى شيئا خاصا – نقابا – على وجهها إنما كانت تستر وجهها بثوبها أو بكمها أو بيديها . ( انظر تفسير الطبرى ١٩/ ٥٥٩ ، تفسير مجاهد ص ٢٥٦ ، تفسير يحيى بن سليمان ٢ / ٥٨٧ ، تفسير الجلالين ص ٥١١ ، تفسير الماتريدى ٨٥ / ١٦١، تفسير السعدى ص٦١٤ ) . 

٤- عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لايصل إليها ، فسأل الرجل ، فأنكر ذلك ، وكتب فيه إلى معاوية قال : فكتب أن زوّجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين ، فإن زعمت أنه يصل إليها  فاجمع بينهما ، وإن زعمت أنه لايصل إليها ففرق بينهما . قال : نفعل ، وأتى بهما عنده فى الدار ، قال : فلما أصبح دخل الناس ودخلت قال : فجاء الرجل وعليه أثر صفرة ……وجاءت المرأة متقنعة ( السنن الكبرى للبيهقى ح ١٤٣٠٢ قال الألبانى : سنده حسن ، جلباب المرأة المسلمة ص ١٠٣ ) . الاستدلال من الأثر : وجاءت المرأة متقنعة . استدل به من قال بوجوب تغطية الوجه . قلت : القناع من الألفاظ المشتركة : هو ما يغطى به الرأس وعلى ذلك أكثر كتب اللغة ، وقد يكون لتغطية الرأس والوجه ، وقد يكون لتغطية الوجه فقط . فحمل الكلمة على معنى واحد من معانيها تحتاج إلى دليل . ( انظر مقاييس اللغة ٥ / ٣٣ ، المحكم ١/ ٢٢٨ ، شمس العلوم ٨/ ٥٦٣٩ ، النهاية فى غريب الحديث والأثر ٤ / ١١٤ ، لسان العرب ٨/ ٣٠٠ – ٣٠١) . ب .لها حظ من جمال ودين ، فكيف يوصف جمالها إذا كانت منتقبة ، وقد يجاب على ذلك بأنه لايستلزم ذلك كشف وجهها ، وإنما تراها النساء من قريبات الرجل الذى سيتزوجها. وقد استدل الشيخ الألبانى بالأثر  على جواز كشف المرأة لوجهها ، لأنه قال أن التقنع : هو تغطية الرأس فقط . قلت : وأرى أن الأثر ليس قطعى الدلالة فى كشف المرأة لوجهها أو تغطيته لورود احتمالات على معنى التقنع ، كما بينت .  ٥- عن عاصم الأحول قال : كنا ندخل على حفصة بنت سيرين ( من التابعيات ) وقد جعلت الجلباب هكذا ، وتنقبت به ، فنقول لها رحمك الله قال الله تعالى : (والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) ( النور : ٦٠) .  هو الجلباب : فتقول لنا : أي شئ بعد ذلك ؟ فنقول:( وأن يستعففن خير لهن) ( النور : ٦٠ ) . فنقول : هو إثبات الجلباب ( السنن الكبرى للبيهقى ح ١٣٥٣٤ ، وقال الألبانى : وهذا إسناد صحيح ، جلباب المرأة المسلمة ص ١١٠ ) . الاستدلال من الأثر : ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) : أى ليس عليهن إثم . ( يضعن ثيابهن ) : هل هو خلع النقاب عن الوجه ؟ قال الطبرى : يضعن ثيابهن. : يعنى جلابيبهن ، وهو القناع الذى يكون فوق الخمار ، والرداء الذى يكون فوق الثياب ،  ونقل عن جماعةمن الصحابة ومن بعدهم في معنى وضع الثياب: أن تضع الجلباب ، أو تضع الخمار ،أو تضع الرداء ، أو تضع الملحفة ( انظر تفسير الطبرى ١٩/ ٢١٥ – ٢١٨ ، وكذلك ذكر قدامى المفسرين ذلك  فى معنى وضع الثياب ( انظر تفسير القرطبى ١٢ / ٣٠٨- ٣٠٩  ، تفسير ابن كثير ٦/ ٨٣- ٨٤ ، تفسير مقاتل بن سليمان ٣ / ٢٠٨ ، تفسير ابن وهب ٢/ ٨٩ ، تفسير يحيى بن سلام ١/ ٤٦١ ، تفسير الزجاج ٤ /٥٣ ، تفسير ابن ابى حاتم ٨/ ٢٦٣٩-٢٦٤٢ ، تفسير الماتريدى ٧/ ٥٩٣ ، تفسير الماوردى ٤/ ١٢١ – ١٢٢) . فلم أقف فى هذه التفاسير أن وضع الثياب هو وضع النقاب ، وإن ما جاء فى هذه التفاسير عن معنى وضع الثياب يدور بين :وضع  الجلباب ، أو الرداء ، أو القناع ، أو الخمار ،أو الملحفة . ومن استدل بالأثر أن وضع الثياب هو وضع النقاب ، احتج بقول من قال أن وضع الثياب هو وضع القناع . – وقد سبق أن بينت معنى القناع.

 قلت : والآية ليست نصا قطعيا فى وجوب تغطية الوجه ، أو عدم وجوبه ، إنما هى تتكلم عن القواعد من النساء ( كبيرات السن ) . ويستنبط منها – بمفهوم المخالفة – نهى المرأة الشابة عن التبرج ، مما يجعل الآية دليلا من أدلة الحجاب على عمومه

 . ٦- عن أبى عون قال : كان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قد أتت بجلب لها ( ما يجلب للأسواق للبيع ) فباعته بسوق بنى قينقاع ، وجلست إلى صائغ بها ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها …. ( سيرة ابن هشام ٢ / ٤٨ ) الاستدلال من الأثر: الأثر منقطع من أعلى السند وأسفله ، فقد روى ابن هشام الأثر عن عبد الله بن جعفر ولم يلتق به ( فالسند معلق ) ومن ناحية أخرى فهو مرسل لأن ابن عون تابعى صغير توفى ١١٦هجرية لم يدرك الواقعة . (ضفعه الألبانى فى دفاع عن الحديث النبوى ص ٢٦- ٢٧ ، تخريج فقه السيرة للغزالى ص ٢٤١ ) وقد ساقه بعض أهل العلم كالبوطى الأثر كدليل على النقاب ( انظر فقه السيرة للسيوطى ص١٦٨-١٦٩). ثم إن غزوة بنى قينقاع كانت قبل الاحزاب التى نزل فيها آيات الحجاب .   ٧- قال العجلى : كانت امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج فنظرت يوما إلى وجهها فى المرآة فقالت لزوجها : أترى يرى أحد هذا الوجه لايفتن به ؟ قال : نعم . قالت : من ؟ قال : عبيد بن عمير ، قالت : فأذن لى فلأفتنه قال : قد أذنت لك ، فأتته كالمستفتية فخلا معها ، فى ناحية من المسجد الحرام فأسفرت عن مثل فلقة القمر ، فقال لها : يا أمة الله . فقالت : إنى قد فتنت بك فانظر فى أمرى ….. ( الثقات للعجلى ت ١٠٨٢)

.الاستدلال من الأثر:

 استدل به الشيخ التويجرى على أن التابعين كانوا يرون أن سفور النساء  ( كشف الوجه) من المنكرات      ( انظر الصارم المشهور ص ١٧٧ ) .

قلت : الأثر أورده العجلى فى الثقات بدون إسناد ، وبين ميلاد العجلى ووفاة عبيد بن أبى عمير ، أكثر من مائة سنة . ثم كيف يأذن تابعى فى عصر التابعين لزوجته أن تفتن رجلا من أهل العلم ؟! 

٨- عن أنس رضى الله عنه قال : دخلت أمة على عمر بن الخطاب رضى الله عنه قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به ، فسألها : أعتقت ؟ قالت : لا : قال : فما بال الجلباب ؟ ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين ، فتلكأت  ، فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها ( مصنف بن أبى شيبة ٢/ ٢٣١ ، صححه الحافظ فى الدراية ١/ ١٢٤ ، وقال الألبانى: وهذا إسناد جيد ، انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٩، وصححه فى الإرواء ح ١٧٩٦) . وله رواية أخرى – أخرجها عبد الرازق فى المصنف – عن أنس رضى الله عنه : رأى عمر رضى الله عنه – أمة لنا متقنعة  فضربها ، وقال : لاتشبهى بالحرائر ( وقال ابن حجر إسناده صحيح ، وكذلك الألبانى : انظر السابق ) . الاستدلال من الأثر : متقنعة به : هل كانت تغطى وجهها ، وهذا قال به من قال بوجوب النقاب . أم كانت تغطى رأسها وكاشفة عن وجهها وبهذا عرفها عمر رضى الله عنه ، وهذا ما ذهب إليه الألبانى ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٩٩)   .

 فما بال الجلباب ؟ ضعيه عن رأسك . قد يكون قول عمر رضى الله عنه ضعيه عن رأسك، لصالح من ذهب إلى أن المرأة لم تكن تغطى وجهها ، وإلا كان عمر قال لها : ضعيه عن وجهك.

 . ٩- عن عطاء بن أبى رباح قال : قال لى ابن عباس : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى : قال : هذه المرأة السوداء …… ( البخارى ومسلم وغيرهما ) . الاستدلال من الأثر : هذه المرأة السوداء : استدل به من قال بجواز كشف الوجه كالشيخ الألبانى يرحمه الله . لكن هذه المرأة اختلف فيها ، هل هى ماشطة خديجة رضى الله عنها أم غيرها ( انظر عمدة القارى ٢١ / ٢١٤ – ٢١٥، غوامض الأسماء لابن بشكوال ١/ ٢٩١ ، أسد الغابة   ٧/ ٣٢٢ ، تهذيب الكمال ٣٥/ ٣٦١ ، تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٧٠ ، الإصابة ٨/ ٣٩٤ -٣٩٦ ). ومتى رآها ابن عباس رضى الله عنهما . قبل نزول الحجاب أم بعده ، وهل كانت من القواعد أم لا ؟ هذه الاحتمالات لاتجعل الأثر. مسلما به للاستدلال به على كشف الوجه .والله أعلم .