الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده ، وبعد : نستكمل الحديث عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن والسنة ، والآثار عن الصحابة ومن بعدهم .
وقد وقفت على دليلين من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أضيفهما إلى أدلة السنة، قبل ختام البحث .
(١)عن عقبة بن عامر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والدخول على النساء ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أفرأيت الحمو ؟ قال : الحمو : الموت ( متفق عليه ) ( الحمو : هم أقارب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن أخته وعمه وأبناء عمه ونحوهم مما يحل للزوجة أن تتزوجه إن تكن متزوجة ).
يقول الشيخ الشنقيطى مستدلا من الحديث : فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن ، وسؤالهن متاعا إلا من وراء حجاب ، لأن من سألها متاعا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها …. ( انظر أضواء البيان ٦/ ٢٤٨ – ٢٤٩) .
ويقول الشيخ البوطى : فلولا أن المرأة بمجموعها عورة بالنسبة للرجال الأجانب لما أطلق النبى صلى الله عليه وسلم النهى عن دخولهم عليهن ( انظر إلى كل فتاة تؤمن بالله ص ٤١ ). القرائن حول الحديث : ١- بوب الإمام البخارى للحديث : باب لايخلون رجل بامرأة إلا ذومحرم والدخول على المغيبة .
٢- فى صحيح مسلم باب : تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها .
٣- بوّب ابن حبان : ذكر الزجر عن الدخول على النساء ولا سيما الحمو . ٤- بوّب البغوى فى شرح السنة : باب النهى عن أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية . فالنبى صلى الله عليه وسلم ينهى الأقارب الذين ليسوا من محارم الزوجة على التأبيد أن يدخلوا عليها ، وذلك من باب سد الذرائع خوفا من الوقوع فى الفاحشة إذا خلا الرجل بالمرأة . فليس في الحديث ما يدل على تغطية المرأة لوجهها أو عدم تغطيته .
٢- عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم لاتباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها ( البخارى ). استدل الشيخ التويجرى من الحديث على وجوب تغطية المرأة لوجهها ، وقال عنه : دليل على احتجاب النساء عن الرجال الأجانب ، وأنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة – أى الوصف – أو الإغتفال ( غفلة المرأة ) ونحو ذلك ، فدل ذلك على أن نظر الرجال إلى النساء غير المحارم ممتنع فى الغالب ، من أجل احتجابهن عنهم ، ولو كان السفور جائزا ، لما كان الرجال يحتاجون إلى أن تنعت لهم الأجنبيات من النساء بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن ، كما هو معروف فى البلدان التى فشا فيها التبرج والسفور ( انظر الصارم المشهور ص ٩٥) .
القرائن حول الحديث : ١- لاتباشر المرأة المرأة : هل النهى عن المباشرة فى الحديث ، يحمل على وصف الوجه فقط أم يحمل على معنى أوسع من ذلك ؟. فلاشك أن المباشرة أوسع من النظر إلى الوجه فقط ، بدليل القرائن التالية .
٢- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لايباشر الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ( أخرجه ابن حبان وقال الألبانى صحيح لغيره فى التعليقات الحسان ) .
وقد استدل الإمام مالك من الحديث بعدم جواز تعرى النساء بين بعضهن البعض ( انظر فتح البارى لابن رجب ٣/ ٣٦٥ – ٣٦٧ ).
٣- حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة ، ولايفضى الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد ، ولاتفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد ( صحيح سنن الترمذى ) .
٤- وقال ابن الجوزى : ولاتباشر المرأة المرأة : كأن المباشرة هاهنا مستعارة من التقاء البشرتين للنظر إلى البشرة . فتقديره : تنظر إلى بشرتها … ( انظر كشف المشكل من حديث الصحيحين ١/ ٢٩٩) .
٥- لاتباشر المرأة المرأة فى الثوب الواحد ( رواية النسائى ) .قال الحافظ ابن حجر مستدلا من الحديث : ومما تعم به البلوى ويتساهل فيه كثير من الناس الاجتماع فى الحمام ، فيجب على من فيه أن يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره وأن يصون عورته عن بصر غيره ( انظر فتح البارى لابن حجر ٩/ ٣٣٨ – ٣٣٩) .
(خاتمة البحث )
وقد انتهيت بفضل الله تعالى مما وقفت عليه من الأدلة التي تتعلق بحجاب المرأة سواء من القرآن أو السنة أو الآثار الواردة عن الصحابة ومن وبعدهم ، وقد تكلمت عن كل دليل وأثر من هذه الأدلة والآثار باستفاضة.
مذكرا بأنى في البحث أقصد السياق بمفهومه الواسع : ١- النصوص السابقة واللاحقة لما يراد وبيانه وتأويله ، والنصوص الأخرى المتعلقة بالمسألة موضع البحث .٢- مقاصد التشريع . ٣- أسباب نزول الآيات ، وأسباب ورود الحديث ،وأحوال المخاطبين ، وظروف القول …… إلى غير ذلك . وأن السياق – بمفهومه الشامل – يجعلنا ننظر إلى النصوص نظرة كلية مستوعبة فلا نأخذ نصا ونترك نصا ، أو نأخذ نصا ونترك ما يحيط به من قرائن متعددة . فالسياق – كما يقول ابن القيم – وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط فى نظره وغالط فى مناظرته ( انظر بدائع الفوائد ٤/ ١٠٩) .وقد قسمت أنواع السياق إلى قسمين كبيرين ، هما : أولا : قرائن السياق الخاصة ، التى تنقسم إلى ١- قرائن لفظية : متصلة بالنص ، منفصلة عن النص ٢- قرائن غير لفظية ( حالية) ، متصلة بالخطاب ، منفصلة عن الخطاب ، أسباب نزول الآيات ، أسباب ورود الأحاديث ، بيئة الخطاب المحتملة فى عادات المخاطبين فى أقوالهم وأفعالهم ومعهودهم فى معانى الألفاظ …. وغير ذلك . ثانيا : قرائن السياق العامة : وهذه تنقسم إلى أقسام متعددة ، منها ١- المقاصد الشرعية ٢- المصلحة المرسلة ٣- اعتبار المآلات ٤- الكليات العامة ٥- عدم التعارض بين النصوص …. إلى غير ذلك وقد قمت باستعمال هذه القرائن وغيرها فى ما وقفت عيه من الأدلة حول الحجاب ، بعد أن قسمت الأدلة إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : الأدلة من القرآن .القسم الثانى : الأدلة من السنة. القسم الثالث : الأدلة من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وبعد نهاية البحث ألخص ما توصلت إليه .
أولا : أدلة القرآن. : ١- قوله تعالى : (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ( النور : ٣١ ).
الدليل فى الآية ( إلا ماظهر منها ) ليس قطعى الدلالة ، بمعنى أنها ليست نصا قاطعا له معنى واحد محدد ، لايسوغ الاختلاف فيه ، ولذلك اختلف أهل العلم فى توجيه معناها .
٢- قوله تعالى : (والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم )( النور : ٦٠) الآية ليست نصا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه ، وإنما هى موجهة بالأصل إلى القواعد من النساء اللواتى أذن الله تعالى لهن فى تخفيف بعض ثيابهن على أن لايكون بغرض التبرج والتزين وأن الاستعفاف خير لهن. ٣- قوله تعالى ( يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا ، وقرن فى بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى )( الأحزاب ٣٢، ٣٣). وإن كانت الآيات مسبوقة ومتبوعة بالخطاب لنساء النبى صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها عموم النساء من باب أولى ، لكن ليس فى الآيات دليل قطعى على وجوب ستر الوجه والكفين ، بل هى دليل على الحجاب وعدم التبرج .
٤- قوله تعالى : (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) ( الأحزاب :٥٣). الآية تتوجه بالخطاب أصالة إلى أمهات المؤمنين مع وجوب الحجاب الكامل بما فى ذلك ستر الوجه والكفين ، والإستدلال منها على وجوب ستر الوجه والكفين لغير أمهات المؤمنين غير مباشر ( استنباطى ) من باب القياس ، بجامع العلة وهى طهارة القلوب ، فيستدل بعموم العلة ( طهارة القلوب ) على عموم الحكم ( تغطية الوجه والكفين وسائر الجسد ) ، ولم يسلم القياس هنا فقيل لاتلازم بين ستر الوجه وطهارة القلب ، فطهارة القلب تتحقق بالتقوى وغض البصر والانتهاء عن ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فالاستدلال من الآية بهذه العلة غير قطعى ومحل للنزاع .
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
