الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين , وبعد : نواصل الحديث عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن وأدلة السنة , ووصلت إلى الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم إلى الأثر العاشر . الأثر العاشر : عن قيس بن أبى حازم قال : دخلت أنا وأبى على أبى بكر رضى الله عنه فى مرضه , وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس وهى امرأة بيضاء موشومة اليدين , كانوا أوشموها فى الجاهلية نحو وشم البربر … ( أخرجه الطبراني فى المعجم الكبير 24/131 , والطبري فى تهذيب الآثار 1/114, وقال الألبانى : وإسناده صحيح ، انظر جلباب المرأة المسلمة صــ 96) . ( الوشم حرام , وقد لعن النبى صلى الله عليه وسلم الواشمات والمستوشمات , فكيف كانت يدها موشومة ؟ فى الأثر أنها كانت موشومة فى الجاهلية , ولايستطاع إزالته , لذا فلا إثم عليها ) . وقد أورد الألبانى هذا الأثر فى أدلة جواز كشف الوجه والكفين , وقال فى الرد المفحم : وقد عارض هذا الأثر بعض من لاعلم عنده من المقلدة بآية الضرب بالخمر , زاعماً بأنها تعنى تغطية الوجه … كما زعم أن كشف يديها كان للذب بها عن أبى بكر – رضى الله عنه – وهذه ضرورة … كأنه لايعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان , وأن الذب المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة , فأين الضرورة المجوزة للكشف عن اليدين كلتيهما ؟ ( انظر الرد المفحم 1/94) . قرائن السياق حول الأثر : 1- وهى امرأة بيضاء : وصفها بهذا الوصف يحتمل أنها كانت كاشفة عن وجهها , أو عرفوا بياضها من يديها . مع أن الأقرب لوصف المرأة بالبيضاء أن هذا لوصف الوجه . 2- أسماء بنت عميس رضى الله عنها : إذا كانت كاشفة عن وجهها , فهل هى من القواعد من النساء ؟ ليست من القواعد , لقد تزوجت بعد وفاة أبى بكر رضى الله عنه على بن أبى طالب رضى الله عنه وأنجبت له , بل هى أنجبت محمد بن أبى بكر فى حجة الوداع ( انظر تقريب التهذيب ت 8531, سير أعلام النبلاء 1282/2)
3- وشموها فى الجاهلية : يبدو أن الوشم كان على الكفين , لأنها رضى الله عنها لن تبدى أكثر من ذلك – كذراعها مثلا – وتغطية اليدين بالوشم , ربما يرجح أن وصف البياض كان لرؤية وجهها. الأثر الحادى عشر : عن أبى السليل قال : جاءت ابنة أبى ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها ,فمثلت بين يديه وعنده أصحابه , فقالت : ياأبتاه زعم الحرّاثون والزرّاعون أن أفلسك هذه بهرجة , فقال : يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولابيضاء إلا أفلسه هذه ( حلية الأولياء 1/164, قال الألبانى : إسناده جيد فى الشواهد , انظر جلباب المرأة المسلمة ص 97) . القرائن حول الأثر : 1- ابنة أبى ذر : لم أقف على عمر ابنة أبى ذر , فهل هي صغيرة لم تبلغ الحيض , بعد , أم كانت كبيرة ؟ .
2- سفعاء الخدين : كانت كاشفة عن وجهها . وقد أورد الألبانى الأثر فى أدلة وشواهد جواز كشف الوجه والكفين، لكن يبقى الدليل على الإحتمال . الأثر الثانى عشر : عن قبيصة بن جابر قال : كنا نشارك المرأة فى السورة من القرآن نتعلمها , فانطلقت مع عجوز من بنى أسد إلى ابن مسعود فى بيته. فى ثلاث نفر , فرأى جبينها يبرق , فقال : أتحلقينه ؟ فغضبت , وقالت التى تحلق جبينها امرأتك , قال فادخلى عليها فإن كانت تفعله فهى منى بريئة , فانطلقت ثم جاءت فقالت : لاوالله مارأيتها تفعله . … الحديث ( انظر السلسلة الصحيحة تحت حديث 2792, آداب الزفاف صــ 204 , وقال : سنده حسن , وأخرجه ابن حبان بنحوه ح 5481, وأبو داوود ح 4169). القرائن حول الأثر : عجوز من بنى أسد : فهى متقدمة فى السن , من القواعد من النساء . وقد أورد الألبانى فى شواهده على جواز كشف الوجه , ومن المؤكد أنه لم يخف عليه أنها عجوز , فربما أتى به استئناسا على جواز كشف الوجه ،وأن هذا كان معروفا عند النساء ولو كانت المرأة من القواعد .
الأثر الثالث عشر : عن أبى أسماء الرحبي أنه دخل على أبى ذر رضى الله عنه وهو بالربذة , وعنده امرأة له سوداء مشبعة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق , قال : فقال : ألا تنظرون إلى ما تأمرنى به هذه السويداء ؟ تأمرنى أن آتى العراق , فإذا أتيت العراق مالوا علىَّ بدنياهم …. الحديث . ( أخرجه أحمد فى المسند ح 21416 , وقال الأرناؤوط إسناده صحيح , وقال الألبانى : سنده صحيح , جلباب المرأة المسلمة ص 98 ) ( مشبعة : كثيرة السواد ,وفي رواية : مسغبة : أى جوعى . المجاسد : الثياب المصبوغة بالزعفران أو العصفر , الخلوق : الطيب المركب من الزعفران وغيره ). أورده الألبانى فى شواهده على جواز كشف الوجه ( جلباب المرأة المسلمة صــ 98). القرائن حول الأثر : امرأة له سوداء مشبعة : هل السواد وصف للونها , أم هو وصف لملابسها؟. 2 – وتحته امرأة له سحماء ( رواية للأثر عن أبى نعيم بسنده عند عبد الله بن خراش , قال : رأيت أبا ذر رضى الله عنه بالربذه فى ظلة له سوداء , وتحته امرأة له سحماء …. قالوا : يا أباذر لو اتخذت امرأة غير هذه ؟ قال : لأن أتزوج امرأة تضعنى أحب إلى من امرأة ترفعنى … ( الحلية 1/160, الطبقات الكبرى 4/178, سحماء : سوداء .انظر جمهرة اللغة 1/ 535).
فهذا يرجح أن المرأة كانت كاشفة عن وجهها وليس السواد وصفا لملابسها.
3- هل هى من القواعد من النساء : لم أقف على عمرها .
4- لو اتخذت امرأة غير هذه ؟ هذا يدل على دمامتها , فلا فتنة فى إظهار وجهها عند من يرى ذلك , بدليل أن من دخل على أبى ذر سأله عندما رآها عن السبب فى زواجها مع شديد قبحها الظاهر . ( الجمال والقبح ليس له علاقة بلون البشرة , فكم من سوداء جميلة , وكم من بيضاء غير جميلة ) . الأثر الرابع عشر : أخرج ابن عساكر بسنده عن عطية : رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا , وامرأة تحمل فى محفة حتى صارت إليه , فقال الناس : هذه أمه ( أسماء رضى الله عنها ) فرأيتها مسفرة الوجه مبتسمة … ( تاريخ دمشق لابن عساكر ح 8703 , أورده الألبانى فى الشواهد على جواز كشف الوجه صــ 98 , جلباب المرأة المسلمة ). قال الألبانى : ومن المفيد أن نستدرك ما فاتنا فى الطبعات السابقة من الآثار السلفية التى تنص على جريان العمل بذلك أيضا بعد النبى صلى الله عليه وسلم . ( يقصد جواز كشف الوجه ) .فأقول : ثم ذكر آثارا مرقمة , وذكر أثر أسماء رقم 6 . وقد رد بعض أهل العلم على الألبانى فى استدلاله بهذا الأثر ردا شديدا ( انظر الرد على كتاب الحجاب للألبانى د. محمد نعيم سامى صــ 76) .
القرائن حول الأثر : وامرأة تحمل على محفة : تقدمت أسماء رضى الله عنها فى السن وكانت قد جاوزت المائة من عمرها , فهى من القواعد . . وظنى أن الألبانى لم يخف عليه ذلك , إنما هو يسوق جملة من الشواهد يريد بإيرادها أن يثبت أن كشف الوجه كان معروفا بين النساء .
قلت : والأثر ليس فيه دلالة على جواز كشف الوجه , لأن أسماء رضى الله عنها كانت من القواعد من النساء . الأثر الخامس عشر : عن ميمون بن مهران قال : دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها , قال : وكان فيه قصر فوصلته بسير . قال : وما دخلت فى ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية ( تاريخ دمشق لابن عساكر 70/158, أورده الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة صــ 102-103 , من ضمن الآثار التى أوردها مستدلا بها , على جواز كشف الوجه والكفين تحت رقم 14 , وقال : وهذا إسناد صحيح ). القرائن حول الأثر : أم الدرداء : طال عمر أم الدرداء واشتهرت بالعلم والفقه والعمل والزهد , وهى أم الدرداء الصغرى ( هجيمة ) وكان لها جمال وحسن , وعاشت حتى أيام عبدالملك بن مروان الذى كان يجالسها لفقهها , وحجت فى عام إحدى وثمانين وماتت بعد عام واحد وثمانين . يقول الحافظ ابن حجر : لاأعلم لها خبرا يدل على صحبة ولارؤية ( انظر الإصابة 8/123-124) .
2- ميمون بن مهران : تابعى روى عن جمع من الصحابة ،قيل إن مولده عام موت على رضى الله عنه سنة أربعين , وتوفى عام مائة وسبع عشرة، وقد سألها ميمون : هل سمعت من النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ؟ قالت : نعم دخلت عليه وهو جالس فى المسجد فسمعته يقول : ما يوضع فى الميزان أثقل من خلق حسن ( والسند ضعيف فيه شريك بن عبدالله القاضى وهو سئ الحفظ).
ولم أقف على تاريخ مولد أم الدرداء , لكن بالنظر إلى تاريخ مولد ميمون وتاريخى وفاتهما يجعلنى أرجح أنه دخل عليها عندما تقدمت فى السن وصارت من القواعد ( انظر الإصابة 8/123-124, تقريب التهذيب ت 8728 ,7049 تهذيب الكمال 9/173-174, ).
وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
