حجاب المرأة المسلمة (44)

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، وبعد : ما زال حديثنا موصولا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن ، ومن أدلة السنة ، وبدأت فى الآثار الواردة عن الصحابة ومن بعدهم فانتهيت من الأثر الأول، وأواصل بإذن الله تعالى . الأثر الثانى عن عائشة رضى الله عنها – فى حادثة الإفك – قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه ….. وفيه : فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فقمت وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكوانى من وراء الجيش ، فأصبح عند منزلى فرأى سواد إنسان نائم ، فأتانى ، فعرفنى حين رآنى ، وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفنى فخمرت وجهى بجلبابى ….. ( أخرجه البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم ) . 

القرائن حول الأثر : ١- فرأى سواد إنسان : هل يستدل بهذه الجملة أنها كانت ترتدى ثيابا سوداء ، استأنس به بعض أهل العلم على لبس اللون الأسود للمرأة . لكن المعنى القريب والراجح أن سواد الإنسان أى شخصه الذى يبدو من بعيد أو فى الظلام ولايتبين من هو رجل أم امرأة .

٢- فخمرت وجهى بجلبابى : أى غطيت وجهى بجلبابى، فهل يستدل بهذا على وجوب تغطية وجه المرأة ؟قال فى طرح التثريب : وفيه – أى الحديث- تغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبى سواء كان صالحا أو غيره ( طرح التثريب لزين الدين العراقى ٥٣/٨ ) .

ويقول السندى : فى هذا الحديث شاهد قوى ، ودليل واضح على أن الوجه عورة وزينة ، ولذا خمرت الصديقة بنت الصديق وجهها ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب ص ٩٦. ).

قلت : هذا يعود بنا إلى مسألة سبق أن طرحتها وهى هل النقاب فرض على عموم النساء كما هو فرض على أمهات المؤمنين ؟ فالبحث ليس فى فرضية النقاب على أمهات المؤمنين ، فهو فرض عليهن اتفاقا بلا خلاف فى ذلك ، إنما الخلاف فى غير أمهات المؤمنين من عموم النساء ، هل تغطية الوجه واجبة عليهن كما هي واجبة على أمهات المؤمنين ، وسبق أن تكلمت عن هذه المسألة بإسهاب ، عندما تكلمت عن آيات الحجاب ، وكيف أن فريقا من أهل العلم عمم الأمر بتغطية الوجه لأمهات المؤمنين وغيرهن من النساء ، وفريقا آخر قصر الأمر بتغطية الوجه على أمهات المؤمنين فقط ، ويدخل غيرهن من النساء استحبابا وتقليدا لأمهات المؤمنين . عموما الأثر ليس قطعى الدلالة فى وجوب النقاب على غير أمهات المؤمنين ، لأنه خاص بتغطية وجه أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها . لكن يستدل بالأثر على فضيلة النقاب وفضل التأسى بأمهات المؤمنين . 

الأثر الثالث : عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، فى تفسير قوله تعالى : ( فجاءته إحداهما تمشى على استحياء ) ( القصص : ٢٥) قال : ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء ( تفسير ابن كثير وقال : هذا إسناد صحيح ٢٢٨/٦-السلفع من النساء : هى الجريئة على الرجال ). وفى تفسير الطبرى : فجاءت موسى عليه السلام إحدى المرأتين اللتين سقى لهما ، تمشى على استحياء من موسى عليه السلام – قد سترت وجهها بثوبها ، ونقل عن عمر رضى الله عنه قال : مستترة بكم درعها أو بكم قميصها ونقل عنه أيضا : واضعة يدها على وجهها مستترة ، وذكر عن الحسن قال : بعيدة عن البذاء ، وعن السدى قال : أتته تمشى على استحياء منه ( انظر تفسير الطبرى ٥٥٩/١٩) تفسير مجاهد ص ٢٥٦، تفسير يحيى بن سليمان ٥٨٧/٢، تفسير الجلالين ص٥١١).

وفى تفسير الماتريدى : تمشى على استحياء : مشى من لم يعتد الخروج ، أو تمشى مشى من لم يخالط الناس ( انظر تفسير الماتريدى ١٦١/٨ ).

ويقول السعدى : وهذا يدل على كرم عنصرها وخلقها الحسن فإن الحياء من الأخلاق الفاضلة وخصوصا فى النساء ( تفسير السعدى ص ٦١٤).

وقد استدل التويجرى بالأثر فى جملة أدلته على وجوب النقاب . قلت : الأثر يستدل به على حياء المرأة وخجلها من التعامل مع الرجال ، وفيما نقلت من أقوال المفسرين أنها لم تكن تضع شيئا خاصا نقابا – على وجهها – إنما سترته بثوبها أو بكمها أو بيديها.

الأثر الرابع : عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لايصل إليها ، فسأل الرجل ، فأنكر ذلك ، وكتب فيه إلى معاوية رضى الله عنه . قال : فكتب أن زوّجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين ، فإن زعمت أنه يصل إليها فاجمع بينهما ، وإن زعمت أنه لايصل إليها ففرق بينهما . قال : نفعل وأتى بهما عنده فى الدار ، قال : فلما أصبح دخل الناس ودخلت . قال : فجاء الرجل وعليه أثر صفرة ….. وجاءت المرأة متقنعة ( السنن الكبرى للبيهقى ح ١٤٣٠٢ ، قال الألبانى : سنده حسن ، جلباب المرأة المسلمة ص ١٠٣).

القرائن حول الحديث: ١- القناع لغة : الحديث : وجاءت المرأة متقنعة: فقد استدل به من قال بوجوب تغطية الوجه ، لأن القناع هو ما يغطى الوجه . فهل القناع مقصور على ما يغطى به الوجه فقط أم له معاني أخرى ؟ قال فى مقاييس اللغة : قناع المرأة ما تديره برأسها ( انظر مقاييس اللغة ٣٣/٥) وهو أوسع من المقنعة ، وقد تقنعت به ، وقنعت رأسها ( انظر المحكم ٢٢٨/١) .

المقنعة : ما تقنع به المرأة رأسها ( شمس العلوم ٥٦٣٩/٨).

وفى النهاية : قال عن رجل مقنع بالحديد هو الذى على رأسه بيضة وهى الخوذة لأن الرأس موضع القناع ( انظر النهاية فى غريب الحديث والأثر ١١٤/٤) وفى لسان العرب : والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطى رأسها ومحاسنها…. قال الأزهرى : ولافرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة ( انظر لسان العرب مادة قنع ٣٠٠/٨-٣٠١) .

٢- فى حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها فى قصة الهجرة قالت : فبينما نحن يوما جلوس فى بيتنا فى نحر الظهيرة ، فقال قائل لأبى بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا فى ساعةلم يكن يأتينا فيها ….. ( البخارى وغيره). قال ابن الجوزى : متقنعا : أى مغطيا رأسه بثوب يستره ( المشكل من حديث الصحيحين ٣٨١/٤) .

وقال الحافظ ابن حجر : متقنعا : أى مغطيا رأسه ( انظر فتح البارى ٢٣٥/٧ ، عمدة القارى ٤٥/١٧ ، إرشاد السارى ٢١٧/٦ ، ٤٢٩/٨ ) .

وفى مرقاة المفاتيح : متقنعا : أى مغطيا رأسه بالقناع ، أى بطرف ردائه على ما هو عادة العرب لحر الظهيرة ، ويمكن أنه أراد التستر لكيلا يعرفه كل أحد ( انظر مرقاة المفاتيح ٢٧٦٥/٧) .

وقال الشوكانى : التقنع : هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره ( انظر عون المعبود ٩٢/١١).

وفى مطالع الأنوار : التقنع هو تغطية الرأس من داء ونحوه ، ومقنع بالحديد كذلك أى مغطى الرأس بدرعه أو مغفر أو بيضة ( انظر مطالع الأنوار ٣٧٠/٥).

التقنع كما وقفنا عليه فى أكثر كتب اللغة والحديث هو تغطية الرأس ، وقد يكون لتغطية الرأس والوجه ، وقد يكون لتغطية الوجه فقط . فحمل الكلمة على معنى واحد من معانيها يحتاج إلى دليل ، وعموما فالأثر متنازع فيه وليس مسلما به لمن استدل به على وجوب تغطية الوجه ، لأن المرأة كانت تغطى وجهها.

٣- لها حظ من جمال ودين : فكيف يوصف جمالها وهى مغطية لوجهها ؟وقد يجاب على ذلك بأنه لايستلزم ذلك كشف وجهها ، وإنما تراها النساء من قريبات الرجل الذى سيتزوج بها . يقول الشيخ الألبانى عن هذا الأثر كنت قد وهمت فى إيراد هذا الأثر فى جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء فى العهد الأول ، ثم تبين إلى أن الأمر على العكس من ذلك ، لأن التقنع هو ستر المرأة لرأسها دون وجهها ….. ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ١٠٣) قلت : ولا أرى أن موضع الشاهد من الأثر وهو تقنع المرأة ، يدل على ماذهب إليه الشيخ الألبانى من أن كشف الوجه كان هو الذى يجرى عليه العمل من النساء فى العهد الأول ، لورود احتمالات عليه وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين