الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين وبعد : ما زال حديثنا موصولا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب ، وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات . المجموعة الأولى : أدلة القرآن . المجموعة الثانية : أدلة السنة . المجموعة الثالثة : الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . وقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث السابع والعشرين . عن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ، قال : استأذن عمر رضى الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه ، عالية أصواتهن ، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله ، قال : عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى ، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب . قال عمر : فأنت يارسول الله كنت أحق أن يهبن ، ثم قال : أى عدوات أنفسهن ، أتهبننى ولاتهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلن : نعم أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذى نفسى بيده ، مالقيك الشيطان قط سالكاً فجا إلا سلك فجاً غير فجك ( متفق عليه ) .
القرائن حول الحديث : ١- نساء من قريش : هل هن أمهات المؤمنين أو غيرهن أو أمهات المؤمنين ومعهن نساء أخريات ؟.
ذهب الحافظ ابن حجر إلى أن قوله : ويستكثرنه ( أى يطلبن زيادة النفقات ) مما يؤيد أنهن من أزواجه .
٢- هناك قرائن ترجح أنهن لسن أمهات المؤمنين :
أ- (وعنده نساء من قريش) ، ومعلوم أن أمهات المؤمنين لسن كلهن من قريش ، إلا إن كان ذلك يخص بعض أمهات المؤمنين القرشيات , وقد ذهب القسطلانى إلى ذلك قال : هن عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش ( انظر مرقاة المفاتيح ٩/ ٣٨٩٣) .
لكن لاتوجد رواية – على ما أعلم – فيها هذا التخصيص ، وقد حاول القسطلانى
– فيمايبدو – الجمع بين وصف نساء من قريش وبين يستكثرنه ( النفقة ).
ب- وصف أمهات المؤمنين بصفة نساء من قريش ، هذا بعيد ، فالوصف دائما يكون بأمهات المؤمنين – وذلك ورد فى أحاديث كثيرة لايتسع المقام لسردها – و لم أقف على حديث فيه وصف أمهات المؤمنين بنساء من قريش إلا هذا الحديث .
ج- قول عمر رضى الله عنه للنساء : أى عدوات أنفسهن . أرى أن عمر يستبعد أن يخاطب أمهات المؤمنين بهذا الخطاب وفى حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
د. وبقية الحوار الذي دار بين عمر والنساء يبعد أن يكون بهذا الأسلوب بين عمر وأمهات المؤمنين.
٣- هل تحمل هذه الرواية على رواية صحيح مسلم عن جابر رضى الله عنه : أنهن يطلبن النفقة ؟ قلت : هذه قصة أخرى وليست نفس القصة ، وفيها … فأذن لأبى بكر فدخل ، ثم أقبل عمر ، فاستأذن ، فأذن له ، فوجد النبى صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا …. هن حولي كما ترى يسألننى النفقة( صحيح مسلم).
لذا فإن الإمام النووى فى شرحه لحديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ، لم يقيد قوله : (ويستكثرنه) بالنفقة التى فى حديث جابر رضى الله عنه ، وذلك لاختلاف الحديثين. وقال النووى : قال العلماء معنى يستكثرنه : يطلبن كثيرا من كلامه وجوابه بحوائجهن وفتاويهن ( انظر شرح النووى على مسلم ١٥/ ١٦٤ ). وكذلك ذهب العينى أن حديث سعد غير حديث جابر ، قال : لئن سلمنا أن يكون معناهما واحدا فلايلزم من قوله : يطلبن النفقة ، أن تكون تلك النسوة أزواج النبى صلى الله عليه وسلم ، لاحتمال أن يكون أزواج تلك النسوة غائبين ولم يكن عندهن شئ فجئن إلى النبى صلى الله عليه وسلم وطلبن منه النفقة ( انظر عمدة القارى١٦/١٩٥) .
٤- قوله : يبتدرن الحجاب : إن كن لسن أمهات المؤمنين – كما أرجح – فهل كن يجلسن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا حجاب – أى بلا تغطية وجوههن – لأنهن لايتصور جلوسهن متخففات من ملابسهن مع الرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقرهن النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك ؟! فمن ذهب إلى أن يبتدرن الحجاب : (أى لبسن النقاب) ، فإن كن أمهات المؤمنين فلا إشكال فى ذلك لوجوب ذلك عليهن ، وأما إن كن غير أمهات المؤمنين فيكون ابتدرن الحجاب ، أي أسرعن واختبأن خلف ما يحجبهن خوفا من عمر رضى الله عنه ، فكن يجلسن بحجابهن ثم اختبأن عندما سمعن صوت عمر رضى الله عنه ، وهذا ما أرجحه .
٥- قول النبى صلى الله عليه وسلم لعمر رضى الله عنه : عجبت من هؤلاء اللاتى كن عندى فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب . فى قوله ( كن عندى ) ما يشعر أنهن غادرن مجلس النبى صلى الله عليه وسلم واختبأن من عمر رضى الله عنه .
٦- ” الحجاب ” ، الحجاب من الألفاظ المشتركة ، فقد يكون هو التستر خلف بناء ونحوه أو يكون بتغطية سائر الجسد بما فى ذلك الوجه والكفين ، أو تغطية سائر الجسد بدون تغطية الوجه والكفين .
فأرى -والله أعلم- أنه ليس دليلا صريحا لمن ذهب إلى وجوب تغطية الوجه ، ولا للذى قال بجواز كشف الوجه .
الحديث الثامن والعشرين : عن أم سلمة رضى الله عنها قالت : لما انقضت عدتى من أبى سلمة أتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمنى بينى وبينه حجاب ، فخطب إلىَّ نفسى ( أخرجه ابن سعد فى الطبقات ، انظر جلباب المرأة المسلمة للألبانى ص ٨٧ ) .
القرائن حول الحديث :
١- فكلمنى بينى وبينه حجاب : استدل من قال بوجوب النقاب على غير أمهات المؤمنين بهذا الحديث ، لأن أم سلمة لم تكن وقتها من أمهات المؤمنين ، ومع ذلك كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب ( انظر اللباب فى فرضية النقاب ص ١٢٤-١٢٥) .
وذهب من قال بعدم وجوب النقاب على غير أمهات المؤمنين ، أن الحجاب فى الحديث هو ما يحجب شخص المرأة من جدار أو ستار أو غيرهما ، وهو المراد من قوله تعالى : ( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ( الأحزاب : ٥٣ ) انظر جلباب المرأة المسلمة ص ٨٧ ).
قلت وسواء كان الحجاب فى الحديث هو التستر وراء جدار أو ستار ،أو هو تغطية الوجه فالحديث يدل على مشروعية تغطية الوجه . والفريق الذى قال بعدم وجوب تغطية الوجه لم ينازع فى مشروعية تغطية الوجه ، إنما النزاع هل هو واجب أم مستحب .
أكون بهذا انتهيت بفضل الله تعالى من المجموعة الثانية وهي أدلة السنة، وانتقل إلى المجموعة الثالثة وهي الآثار عن الصحابة ومن بعدهم. الأثر الأول: عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما : كنا نغطى وجوهنا من الرجال ، وكنا نمتشط قبل ذلك فى الإحرام ( صحيح ابن خزيمة ح2690 ، وقال. إسناده صحيح ، مستدرك الحاكم ح ١٦٦٨ ، وقال صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبى والألبانى فى إرواء الغليل ٤/ ٢١٢ ) .
ولاشك أن الحديث يدل على مشروعية النقاب للمرأة ، لكن يبقى الخلاف هل هو واجب أم مستحب، وذلك هو موضع النزاع بين الفريقين .
القرائن حول الحديث : 1- كنا نغطى وجوهنا من الرجال فيه دليل لمن قال بوجوب تغطية الوجه لأنه من المعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن أن تنتقب المرأة حال إحرامها ، فحمل فريق من أهل العلم النهى عن النقاب المفصل على قدر الوجه وليس عن تغطية الوجه ( انظر بدائع الفوائد لابن القيم ٣ / ١٤٢ ).
وإن لم يكن تغطية الوجه واجبا ما فعل النساء ذلك . يقول الشيخ ابن عثيمين :…. كشف الوجه فى الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم ، والواجب لايعارض إلا ما هو واجب ، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عن الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب ص ٣٤-٣٥ ) .
ومن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثورى وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو قول محمد بن الحسن ، وقد علق الشافعى القول فيه ( انظر معالم السنن ٢/ ١٧٩).
٢- قول عائشة رضى الله عنها : المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ، ولا تتبرقع ، ولا تتلثم ، وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ( أخرجه البيهقى فى الكبرى ح 9050، قال الألبانى : صحيح ، إرواء الغليل ٤/ ٢١٢ ، وكذلك صححه الأرناؤوط فى المسند 40/ ٢٢ ) . فقولها رضى الله عنها إن شاءت ، لايدل على الإلزام ، وهذا ما ذهب إليه الألبانى ، ونقل أقوال الأئمة الأربعة – انظره فى الرد المفحم ١/ ٣٦ – وخلاصة ما نقله هو عدم إلزام المرأة بتغطية وجهها حال إحرامها وإنما ذلك على المشروعية وليس الإلزام . وفى الموسوعة الفقهية : اتفق العلماء على أنه يحرم على المرأة فى حال الإحرام ستر وجهها ، لاخلاف بينهم فى ذلك ، والدليل ….. ولاتنتقب المرأة ( المحرمة ) ولاتلبس القفازين ، وإذا أرادت أن تحتحب بستر وجهها عن الرجال جاز لها ذلك اتفاقا بين العلماء إلا إذا خشيت الفتنة أو ظنت ( أى الفتنة ) فإنه يكون واجبا ( انظر الموسوعة الكويتية ٢/ ١٥٧) ومن ضم حديث عائشة رضى الله عنها إلى حديث أسماء يرى عدم وجوب تغطية الوجه وأن ذلك يدل على مشروعية تغطية الوجه فقط . وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
