الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد , ما زال الحديث متصلا عن أثر قرائن السياق على أدلة الحجاب , وقد قسمت أدلة الحجاب إلى ثلاث مجموعات : المجوعة الأولى : أدلة القرآن . المجوعة الثانية : أدلة السنة .المجموعة الثالثة: الآثار عن الصحابة ومن بعدهم . ولقد انتهيت بفضل الله تعالى من أدلة القرآن , وبدأت فى أدلة السنة ووصلت إلى الحديث الخامس عشر : عن سهل بن سعد رضى الله عنه ، يقول: أنا فى القوم إذ دخلت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المسجد , فقالت : يارسول الله جئت لأهب لك نفسى , فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه , ثم طأطأ رأسه , فقامت قياما طويلا , فلما رأت المرأة أنه لم يقضى فيها شيئا جلست , فقام رجل من أصحابه , فقال : يارسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ….. الحديث ( البخارى ومسلم ومسند أحمد وغيرهم ) .
القرائن حول الحديث : 1- فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر إليها وصوبه . استدل من قال بجواز كشف الوجه من نظر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المرأة ( الواهبة ) ،فقال ابن بطال : وإذا ثبت أن النظر إلى وجه المرأة لخطبتها حلال , خرج بذلك حكمه من حكم العورة , لأننا رأينا ما هو عورة لايباح لمن أراد نكاحها النظر إليه …. ( كشعرها وصدرها وغير ذلك) فلما ثبت أن النظر إلى وجهها حلال لمن أراد نكاحها ثبت أنه حلال أيضا لمن لم يرد نكاحها، إذا كان لايقصد بنظره ذلك إلى معنى هو عليه حرام … ( انظر شرح صحيح البخارى لابن بطال 7/239) .
والحافظ ابن حجر ذهب إلى أن جواز النظر إلى المؤمنات الأجنبيات من خصائص النبى صلى الله عليه وسلم لعصمته . ( انظر فتح البارى 9/210) 2- هل كانت قصة الواهبة قبل الحجاب أم بعده ؟ يقول ابن العربى : يحتمل أن ذلك قبل الحجاب أوبعده لكنها كانت متلففة . وعلق الحافظ ابن حجر على ماذهب إليه ابن العربى قائلا : وسياق الحديث يبعد ما قال ( انظر فتح البارى 9/210).
قلت: يبعد أنها كانت متلففة ( أى تغطى وجهها ) وإلا فكيف صوب النبى صلى الله عليه وسلم النظر إليها .
3- هل كان كشفها عن وجهها من أجل خطبتها ؟ يقول الشيخ أبومصعب فريد الهنداوى : الحديث ورد عليه عدة احتمالات : -( باختصار) أ–… فيحتمل أنها كشفت عن وجهها ( الواهبة ) لينظر إليها النبى صلى الله عليه وسلم حال هذه الواقعة فقط ,فلا وجه للإستدلال بالحديث على جواز السفور من كل أحد.
قلت : صدر الشيخ كلامه بالإحتمال , مما يعنى أنه لم يقف على دليل أو استدلال قوى واضح من الحديث . ثم قوله : أنها كشفت عن وجهها لينظر إليها حال هذه الواقعة فقط. يرد عليه أن النزاع ليس فى جواز كشف وجهها لمن أراد خطبتها , فالنبى صلى الله عليه وسلم أمر بالنظر إلى المرأة قبل خطبتها فى عدة أحاديث .
وأيضا : هل كان النبى صلى الله عليه وسلم يريد خطبتها حتى تكشف له عن وجهها ؟ .
فمحل النزاع هو : كيف تكشف وجهها – إن كانت منتقبة – أمام قوم من الصحابة فى المسجد كما ورد فى الحديث . فلو كانت تغطى وجهها ( منتقبة ) فإن ذلك لايجوز لها , لأن النظر مقصور على من أراد النكاح فقط. فمن ناحية الإستدلال من الحديث فإن ترجيح أنها كانت مكشوفة الوجه أقوى من الإستدلال بالحديث على تغطيته.
يقول الشيخ الالبانى :…. النبى صلى الله عليه وسلم لم يكن قد خطبها , وإنما هى عرضت نفسها عليه كما هو صريح الحديث , وكان ذلك فى المسجد …وعلى مرأى ومسمع من سهل بن سعد راويه ( راوى الحديث ) والقوم الذين كان فيهم . ( انظر الرد المفحم 1/44-45).
4- هل كانت هذه القصة قبل نزول آيات الحجاب ؟ قلت أن آية الواهبة فى سورة الأحزاب، فهل كان نزول أية الواهبة قبل نزول آيات الحجاب أوبعدها ،خاصة مع تعدد أسماء الواهبات أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟.
الحديث السادس عشر : عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قالت : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن مايعرفن من الغلس ( متفق عليه). وفى رواية : ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد ( البخارى ). وفى رواية أولا يعرف بعضهن بعضا ( البخارى ). وفى رواية ومايعرفن من تغليس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة ( مسلم ) . وفى رواية :.. لقد رأيتنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر فى مروطنا , وننصرف وما يعرف بعضنا وجوه بعض ( مسند أبى يعلى ح 4493, قال حسين سليم أسد : إسناده صحيح ، وقال الألبانى :سنده صحيح , السلسلة الصحيحة ح 332) (الغلس هو وقت اختلاط ضوء الصبح بظلمة الليل )
. القرائن حول الحديث : 1- ما يعرفن من الغلس : يحتمل أمرين : أحدهما : لايعرف أرجال هن أم نساء من شدة الغلس …. الثانى : لايعرفن أعيانهن من هن من النساء من شدة الغلس , وإن عرف أنهن نساء , إلا أن هذا الوجه يقتضى أنهن سافرات ( كاشفات ) عن وجوههن , ولو كن غير سافرات ( كاشفات الوجوه) لمنع النقاب وتغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس ( انظر قول الباجى فى المنتقى شرح الموطأ 1/9).
لكن يرد على ذلك أن المتلعفة ( لو حملنا التلفع على تغطية الوجه ) لايعرف عينها فى النهار أيضا ( انظر شرح النووى على مسلم 5/144 ) ورجح العينى أن عدم معرفتهن , يعنى عدم معرفة أرجال أو صبيان أو نساء أو بنات ( انظر شرح سنن أبى داوود للعينى 2/293) وكذلك القارى رجح عدم معرفتهن أنساء هن أم رجال , وإنما يظهر للرائى الأشباح خاصة ( انظر عمدة القارى 4/90). وذهب التويجرى إلى أن الحديث دليل على أن نساء الصحابة كن يغطين وجوههن وأنهن من شدة مبالغتهن فى التستر وتغطية الوجوه لايعرف بعضهن بعضا , ولو كن يكشفن وجوههن لعرف بعضهن بعضا ( انظر الصارم المشهور صــــ 86).
وقد ذهب الألبانى أن الحديث دليل على جواز كشف الوجه , ووجه الإستدلال به هو قولها : لايعرفن من الغلس , فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن , وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهى مكشوفة ….. وقد ذكر هذا المعنى الشوكانى عن الباجى , ثم وجدت رواية صريحة فى ذلك بلفظ : وما يعرف بعضنا وجوه بعض ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 65) .
2- ظنية الدلالة : الحديث ليس نصا قطعيا فى النقاب أو عدمه ( بدون رواية أبى يعلى للحديث )- وجماهيرالعلماء استدلوا بالحديث على وقت صلاة الصبح- ولأنه ظنى الدلالة فهو يحتمل ماذهب إليه الفريقان المستدلان به , الفريق الذى ذهب إلى تغطية الوجه , والفريق الذى ذهب إلى كشفه .
3- وما يعرف بعضنا وجوه بعض. وهذا من رواية أبى يعلى للحديث فى مسنده , وهذه الرواية وإن كانت حددت أن عدم المعرفة يتعلق بالوجوه وليس بالأعيان . لكنها لاتقطع بأن كشف الوجه جائز , لماذا ؟ لأن المرأة إذا أمنت أن لايراها أحد فى ظلام الليل قد تكشف وجهها مستترة بالظلام , خاصة مع عدم وجود مصابيح بالشوارع , ومع علمنا أن الصحابة كانوا يمكثون بعد الصلاة فى المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فتخلوا شوارع المدينة من الرجال ) .
الحديث السابع عشر : عن فاطمة بنت قيس رضى الله عنها قالت : أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة , وهو غائب , فأرسل إليها وكيله بشعير , فسخطته , فقال : والله مالك علينا من شئ , فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , فقال: ليس لك عليه نفقة , فأمرها أن تعتد فى بيت أم شريك , ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابى , اعتدى عند ابن أم مكتوم , فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده…. ( مسلم ) . وفى رواية : أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون , فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى , فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك ….. ( صحيح مسلم وغيره ) وفى رواية :….. فإنى أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك , فيرى القوم منك بعض ما تكرهين , ولكن انتقلى إلى بيت ابن عمك عبدالله بن عمرو ابن أم مكتوم فاعتدى عنده , فإنه رجل أعمى إذا وضعت خمارك لم يرك….. ( أم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة فى سبيل الله عزوجل ينزل عليها الضيفان ) .
القرائن حول الحديث : 1- إذا وضعت خمارك لم يرك. استدل به الشيخ الألبانى على أن الوجه ليس بعورة , لأن النبى صلى الله عليه وسلم أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار وهو غطاء الرأس – فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 66) .
وأرى أن الإستدلال من ذكر وضع الخمار على أن الوجه يجوز كشفه وليس بعورة , فيه نظر ، فأرى – والله أعلم – أن النبى صلى الله عليه وسلم أراد بقوله فى الحديث التنبيه على بعض ما لايجوز للمرأة إظهاره , وليس على سبيل الحصر , خاصة مع القرينة التالية .
2- أو ينكشف الثوب عن ساقيك …. فالحديث تنبيه للمرأة فقط على أنها لن تكون براحتها إذا اعتدت عند أم شريك , وليس حصر ما يجوز ومالايجوز للمرأة إظهاره . فاستدلال الفريقين من الحديث : القائل بجواز كشف الوجه والقائل بعدم جوازه , إنما هو غيرمسلم به لكل منهما وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين .
