حجاب المرأة المسلمة (4)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : فى الحلقات السابقة تكلمنا عن آيات الحجاب – حسب ترتيبها فى المصحف – فتكلمنا عن قوله تعالى : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلاماظهر منها) ( النور : 31 ) .

وقوله تعالى : (والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم) ( النور : 60 ) .

وبدأنا فى قوله تعالى : (يانساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلاتخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ( الأحزاب 32,33 ) وقلنا إن موضع البحث فى الآيات سيكون فى : هل الخطاب لأمهات المؤمنين خطاب لعموم النساء أم يقتصرعليهن فقط ؟ لاشك أن سياق الآيات وسباقها ولحاقها , يدل على أن الآيات تخص أمهات المؤمنين , اللاتي لهن أحكام خاصة من مضاعفة المثوبة والعقوبة , لكن هل الأوامر والنواهى التى فى الآيات متعلقة بأمهات المؤمنين فقط ولاتتجاوزهن إلى غيرهن من النساء , أم أن هناك أحكاما يدخل فيها عموم النساء , بدلالتين : الأولى ورود نصوص أخرى بها والثانية : قياس الأولى فى الآيات سبعة أوامر ونواهى , كالتالى : 1- فلاتخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض : أى لاتلن بالقول للرجال وأنها لاتخاطب الرجال بكلام ليس فيه ترخيم ( ترقيق ) , وخضع بالقول : ما يكره من قول النساء للرجال مما يدخل فى قلب الرجال الذين فى قلوبهم ضعف , لضعف إيمان فى قلبه , إما شاك فى الإسلام منافق , فهو لذلك من أمره يستخف بحدود الله , وإما متهاون بإتيان الفواحش .( انظر تفسير الطبرى 20/257- 258 , تفسير ابن كثير 6/409 ) ولاشك أن النهى عن الخضوع بالقول يشمل عموم النساء , بل هن أولى بهذا النهى لأسباب منها أن أمهات المؤمنين اختيار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم , فهن فى قمة الصلاح والعفاف , وفى بيوتهن ينزل الوحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم , إضافة إلى حرمتهن على سائر الرجال قال الله تعالى ( النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وازواجه أمهاتهم ) ( الأحزاب : 6) .

2- وقلن قولا معروفا : وبعد أن نهى الله تعالى النساء عن الخضوع بالقول , أمرهن عند كلامهن أن يقلن قولا حسنا جميلا معروفا فى الخير ( انظر تفسير ابن كثير 6/409) أى ليس له أوجه , فيحمله أصحاب القلوب المريضة على أسوأ وجوهه . ولاشك أن الأمر فى الآية يشمل أمهات المؤمنين وغيرهن , بل إن غيرهن أولى كما بينا فى عدم الخضوع بالقول . 

3- وقرن فى بيوتكن : أى الزمن بيوتكن فلاتخرجن لغير حاجة , ومن الحوائج الشرعية الصلاة فى المسجد بشرطه , كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لاتمنعوا إماء الله مساجد الله , وليخرجن وهن تفلات , وفى رواية : وبيوتهن خير لهن ( تفلات : غير متعطرات ) ( صحيح سنن أبى داوود وغيره ) فإذا كان هذا فى الخروج إلى المساجد وإلى الصلاة التى هى خير أعمال العبد , فما بالنا بخروجها لغيره من عمل أو زيارات أونحو ذلك ) فللمرأة أن تخرج لضروراتها وأن تلتزم بالضوابط الشرعية التى أمرها الله بهاوأمرها بها رسوله صلى الله عليه وسلم , من الإلتزام بالحجاب , وعدم الإختلاط وعدم التعطر وغير ذلك. كما بحديث عائشة رضى الله عنها قالت : خرجت سودة بنت زمعة ليلا , فرآها عمر فعرفها , فقال : إنك والله ياسودة ماتخفين علينا , فرجعت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , وهو فى حجرتى يتعشى , وإن فى يده لعرقا , فأنزل الله عليه , فرفع عنه وهو يقول : قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن ( صحيح البخارى ) , وهذا الأمر بالقرار فى البيوت , يشمل جميع النساء , نساء النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن من النساء أولى , كما بينا فى النقطتتين السابقتين .

4- ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى : ونهى الله تعالى أمهات المؤمنين عن تبرج الجاهلية الأولى , فما هو التبرج ؟ قال مجاهد : كانت المرأة تمشى بين يدى الرجال , فذلك تبرج الجاهلية , وقال قتادة : وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج , فنهى الله عن ذلك . وقال مقاتل بن حيان : والتبرج : أنها تلقى الخمار على رأسها , ولاتشده فيوارى قلائدها وقرطها وعنقها , ويبدو ذلك كله منها. انظر تفسير ابن كثير 6/410هــ ) فالتبرج يشمل كل ما تظهره المرأة من زينتها ومحاسنها مما يجب عليها ستره . والتبرج كبيرة من الكبائر باتفاق أهل العلم , ففيه مخالفة نهى الله تعالى عن التبرج , والأصل فى النهى التحريم , ولاقرينة تنزل به هنا إلى الكراهة أو غيرها ولأن النبى صلى الله عليه وسلم توعد المتبرجة بعدم دخول الجنة بل ولاشم ريحها كما فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس , ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات , رؤسهن كأسنمة البخت , لايدخلن الجنة ولايجدن ريحها , وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ( مسلم ) قال الإمام النووى : هذا الحديث من معجزات النبوة , فقد وقع هذان الصنفان , وهما موجودان , وفيه ذم هذين الصنفين ( شرح النووى على صحيح مسلم 14/110 ) .

فما هى الجاهلية الأولى ؟ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال ( ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال : كنا نقول تكون جاهلية أخرى . وعن مجاهد : ( ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال : هى الجاهلية التى كانت بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما , وأما أهل اللغة , منهم الفراء , فوجدناه قد قال فى كتابه فى ( معانى القرآن ومشكل إعرابه) قال ( ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) قال : كان ذلك فى الزمن الذى ولد فيه إبراهيم صلوات الله عليه , كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط من الجانبين وكانت تلبس الثياب لاتوارى جسدها , فأمرن أن لايفعلن ذلك . وقيل أنها التى كانت بين آدم ونوح عليهما السلام, وقيل أنها كانت بين نوح وإدريس عليهما السلام ( انظر تفسير الطبرى 20/260-262 ) وقد تكون جاهلية أولى ولاتكون أخرة , وقد احتج من قال بذلك بقول الله عز وجل ( ولقد علمتم النشأة الأولى ) ( الواقعة : 6 ) فهذا يدل على أن النشأة قد كانت أولى , وإن لم يكن بعدها نشأة أخرى ( انظر شرح مشكل الآثار للطحاوى 12/12-13 ) وكذلك قوله تعالى ( وأنه أهلك عادا الأولى ) ( النجم : 50 ) وليس ثمة عاد أخرى(على تفسير) . وقال الشوكانى : ويمكن أن يراد بالجاهلية الأخرى ما يقع فى الإسلام من التشبه باهل الجاهلية بقول أو فعل , فيكون المعنى : ولاتبرجن أيها المسلمات بعد إسلامكن تبرجا مثل تبرج الجاهلية التى كنتن عليها , وكان عليها من قبلكن : أى لاتحدثن بأفعالكن وأقوالكن جاهلية تشبه الجاهلية التى كانت من قبل ( فتح القدير 4/320 ) وذكر الآلوسى فى التفسير قول الزمخشرى : يجوز أن تكون الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق والفجور فى الإسلام , فكأن المعنى , ولاتحدثن بالتبرج جاهلية فى الإسلام تتشبهن بها بأهل جاهلية الكفر ( تفسير الآلوسى 11/ 189 ) وعموما فإن النهى هنا عام يشمل نساء النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن من النساء , فمن المعلوم بالضرورة أن تبرج المرأة وتزينها حرام يستوى فيه كل النساء 5- وأقمن الصلاة : وهذا لايحتاج إلى بسط , فهذا الأمر عام لكل المسلمين رجالهم ونسائهم . 6- وآتين الزكاة : وكذلك إيتاء الزكاة يقال فيه ما قلنا فى إقامة الصلاة – إذا توافرت شروط وجوب الزكاة – 7- وأطعن الله ورسوله : – وهذا الأمر أيضا – عام لجميع الأمة رجالها ونسائها .

فهذه الأوامر والنواهى المذكورة فى الآيات تشمل جميع النساء , ولاتخص أمهات المؤمنين , فإذا كان الله تعالى يحذر أمهات المؤمنين من هذه الأشياء المذكورة مع صلاحهن وإيمانهن وطهارتهن , فغيرهن أولى وأولى بالتحذير والإنكار والخوف عليهن من أسباب الفتنة . ويدل على عموم الأحكام الواردة فى الآيات لأمهات المؤمنين وغيرهن قوله تعالى : ( وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله ) فهذه أحكام عامة لنساء النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهن ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب , ابن باز ص 5 ) قال ابن كثير : هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبى صلى الله عليه وسلم , ونساء الأمة تبع لهن فى ذلك ( تفسير ابن كثير 6/408 ) وقال القرطبى : وإن كان الخطاب لنساء النبى صلى الله عليه وسلم , فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى ( تفسير القرطبى 14/179 ) – والآيات التى تعرضنا لها بالشرح فى المقالة ليست دليلا قطعيا على وجوب ستر الوجه والكفين , بل هى دليل على عدم التبرج ودليل عل الحجاب . وإن كانت الآيات مسبوقه بالخطاب لنساء النبى صلى الله عليه وسلم وكذلك متبوعة بالخطاب لهن , فإن الأوامر والنواهى فى الآيات التى ذكرناها تشمل أمهات المؤمنين وسائر النساء بدلالة النصوص الأخرى , وبدلالة قياس الأولى . والله أعلم . الآية الرابعة من آيات الحجاب : قال تعالى : (وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما )( الأحزاب : 53 ) أقوال قدامى المفسرين فى الآية ( تفسير مقاتل بن سليمان ت 150هـ ) : فأمر الله تعالى المؤمنين ألايكلموا نساء النبى – صلى الله عليه وسلم – إلا من وراء حجاب ( تفسير مقاتل بن سليمان 3/504 ) .

( تفسير الطبرى 310هـ ) : ذكر بسنده عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال : بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش , فبعث داعيا إلى الطعام , فدعوت فيجئ القوم يأكلون ويخرجون , ثم يجئ القوم يأكلون ويخرجون , فقلت : يانبى الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه , قال : ارفعوا طعامكم , وإن زينب لجالسة فى ناحية البيت , وكانت قد اعطيت جمالا , وبقى ثلاثة نفر يتحدثون فى البيت , وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقا نحو حجرة عائشة , فقال : السلام عليكم أهل البيت , فقالوا : وعليك السلام يا رسول الله , كيف وجدت أهلك ؟ فأتى حجر نسائه فقالوا مثل ما قالت عائشة , فرجع النبى صلى الله عليه وسلم فإذا الثلاثة يتحدثون فى البيت , وكان النبى صلى الله عليه وسلم شديد الحياء , فخرج النبى صلى الله عليه وسلم منطلقا نحو حجرة عائشة , فلا أدرى أخبرته , أو أخبر ان الرهط قد خرجوا , فرجع حتى وضع رجله فى أسكفة داخل البيت والأخرى خارجه , إذ أرخى الستر بينى وبينه , وانزلت آية الحجاب ( متفق عليه , والزيادات عند الترمذى وغيره , انظر السلسلة الصحيحة ح 3148 والتعليق عليه ) وللحديث بقية , والحمد لله رب العالمين