حجاب المرأة المسلمة (33)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين , وبعد : نواصل بفضل الله تعالى الحديث حول حجاب المرأة المسلمة – الدليل والاستدلال- وقد انتهيت من أدلة القرآن الكريم ثم انتقلت إلى أدلة السنة وآثار الصحابة رضى الله عنهم ووصلت إلى الدليل الأربعين : عن ميمون بن مهران قال : دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت على حاجبها , قال : وكان فيه قصر فوصلته بسير . قال : وما دخلت فى ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية ( تاريخ دمشق لابن عساكر 70/158, أورده الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة صــ 102-103 من ضمن الآثار التى أوردها مستدلا بها على جواز كشف الوجه والكفين تحت رقم 14 . وقال هذا إسناد صحيح ).

لكن هل كانت أم الدرداء من القواعد من النساء عندما رآها ميمون بن مهران أم ليست من القواعد من النساء , فأم الدرداء طال عمرها واشتهرت بالعلم والفقه والعمل والزهد , وهى أم الدرداء الصغرى هجيمة , خطبها معاوية رضى الله عنه بعد وفاة زوجها . فأبت لأنها عاهدت زوجها أن لاتتزوج بعده لتكون زوجا له فى الجنة , وكان لها جمال وحسن وعاشت حتى أيام عبدالملك بن مروان الذى كان يجالسها لفقهها ثم إذا نودى للصلاة تقوم معه تتوكأ عليه حتى تدخل المسجد وحجت فى عام إحدى وثمانين . وماتت بعد سنة إحدى وثمانين، يقول الحافظ ابن حجر فى “الإصابة” : لا أعلم لها خبرا يدل على صحبة ولا رؤية . وقد سألها ميمون بن مهران هل سمعت من النبى صلى الله عليه وسلم شيئا ؟ قالت : نعم دخلت عليه وهو جالس فى المسجد فسمعته يقول : ما يوضع فى الميزان أثقل من خلق حسن ( الإصابة 8/123- 124 وهذا الحديث ضعيف وعلته شريك بن عبدالله القاضى وهو سئ الحفظ ) .

ميمون بن مهران تابعى روى عن جمع من الصحابة قيل إن مولده عام موت على رضى الله عنه سنة أربعين وتوفى عام مائة وسبع عشرة ( انظر تهذيب الكمال 9/ 173 -174, تقريب التهذيب ت 7049 ) ولم أقف على تاريخ مولد أم الدرداء , لكن بالنظر إلى تاريخ مولد ميمون وتاريخ وفاته ووفاة أم الدرداء , يجعلنى أرجح أنه دخل عليها عندما تقدمت فى السن وصارت من القواعد – والله أعلم-. الدليل الحادي والأربعون : عن عقبة بن عامر رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والدخول على النساء , فقال رجل من الأنصار : يارسول الله : أفرأيت الحمو : قال الحمو الموت ( متفق عليه ) ( وفى فتح البارى : اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة , كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم … والمراد فى الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه , لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها , ولايوصفون بالموت , وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابن العم وابن الأخت ونحوهم , مما يحل لها تزوجه لو لم تكن متزوجة , وجرت العادة بالتساهل فيه , فيخلو الأخ بامرأة أخيه , فشبهه بالموت , وهو أولى بالمنع من الأجنبى … فالمراد أن الخلوة بالحمو قد تؤدى إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية , أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم , أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها ( انظر فتح البارى 9/331-332 ). قال الشيخ الشنقيطى : فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبى صلى الله عليه وسلم بالتحذير الشديد من الدخول على النساء , فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن وسؤالهن متاعا إلا من وراء حجاب , لأن من سألها متاعا لامن وراء حجاب فقد دخل عليها , والنبى صلى الله عليه وسلم حذره من الدخول عليها …. وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما ( انظر أضواء البيان 6/248 – 249 ) .

يقول الشيخ البوطى : فلولا أن المرأة بمجموعها عورة بالنسبة للرجال الأجانب . لما أطلق النبى صلى الله عليه وسلم النهى عن دخولهم عليهن ( انظر إلى كل فتاة تؤمن بالله صـــ 41 ) .

قلت : هل الحديث فيه مايدل على تغطية وجه المرأة أو عدم تغطيته ؟ النبى صلى الله عليه وسلم ينهى الأقارب الذين ليسوا من المحارم على التأبيد أن يدخلوا علي النساء – من باب سد الذرائع- خوفا من وقوع الفاحشة , إذا خلا الرجل بالمرأة . وهذا هو الظاهر من الحديث , لذا وجدنا العلماء يبوبون عليه بمايفيد هذا المعنى: مثلا الإمام البخارى بوب للحديث : باب لايخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة . والإمام مسلم : باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها . فالحديث نص فى عدم دخول بعض الأقارب على المرأة فى عدم وجود محارمها على التأبيد , والأولى عدم دخول غيرهم ممن ليسوا من أقاربها . وكذلك ابن حبان بوب له : ذكر الزجر عن الدخول على النساء ولاسيما الحمو . والبغوى فى شرح السنة : باب النهى عن أن يخلو الرجل بالمرأة الأجنبية . 

الدليل الثاني والأربعون : عن ابن مسعود رضى الله عنه قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم : لاتباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها , كأنه ينظر إليها ( البخارى ) . 

قال الشيخ التويجرى : وفى نهيه أن تباشر المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها , دليل على احتجاب النساء عن الرجال الأجانب , وانه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة – أى الوصف- أو الإغتفال ( أى غفلة المرأة ) ونحو ذلك , فدل ذلك على أن نظر الرجال إلى النساء غير المحارم تمتنع فى الغالب , من أجل احتجابهن عنهم ولو كان السفور جائزا , لما كان الرجال يحتاجون إلى أن تنعت لهم الأجنبيات من النساء , بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن , كما هو معروف فى البلدان التى فشا فيها التبرج والسفور ( انظر الصارم المشهور صــ 95) .

فهل النهى عن المباشرة والوصف فى الحديث يحمل على وصف الوجه فقط أم يحمل على معنى أوسع من ذلك ؟ لاشك أن المباشرة أوسع من أن تقتصر على وصف الوجه فقط , ولقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم الرجل عن مباشرة الرجل , كما نهى المرأة عن مباشرة المرأة فقال كما فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايباشر الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ( أخرجه ابن حبان وقال الألبانى فى التعليقات الحسان صحيح لغيره )، وقد استدل الإمام مالك من الحديث بعدم جواز تعرى النساء بين بعضهن البعض ( انظر فتح البارى لابن رجب3/ 365-367).

قال الحافظ ابن حجر : لاتباشر المرأة المرأة . زاد النسائى فى روايته : فى الثوب الواحد . قوله فتنعتها لزوجها ووقع فى رواية النسائى من طريق مسروق عن ابن مسعود لاتباشر المرأة المرأة و الرجل الرجل , وهذه الزيادة ثبتت فى حديث ابن عباس عنده – عن النسائى , ثم جمع ابن حجر بين الحديثين , فقال : وعند مسلم وأصحاب السنن من حديث أبى سعيد بأبسط من هذا ولفظه : لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة , ولايفض الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد , ولاتفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد قال النووى : فيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة , وهذا مما لا خلاف فيه , وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع … ثم قال مستدلا من الحديث : ومما تعم به البلوى ويتساهل فيه كثير من الناس الإجتماع فى الحمام , فيجب على من فيه أن يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره , وان يصون عورته عن بصر غيره ( انظر فتح البارى للحافظ ابن حجر 9/ 338 – 339 ) .

وقال القارى فى معنى المباشرة : لاتباشر , من المباشرة وهى الملامسة فى الثوب الواحد ،وكذا قيد فى رواية النسائي( انظر عمدة القارى 20/219 ) وقال القسطلانى مستدلا من الحديث : ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين فى ثوب واحد إذا كانا عاريين لما ذكر من الحديث السابق ( انظر إرشاد السارى 8/120 ) .

وفى مرقاة المفاتيح : قال : والمباشرة يعنى المخالطة والملامسة , وأصله من لمس البشرة البشرة …. ( انظر مرقاة المفاتيح 5/2050 ) .الدليل الثالث والأربعون:

أخرج ابن عساكر بسنده عن عطية : رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا وامرأة تحمل فى محفة حتى صارت إليه , فقال الناس هذه أمُّه (أسماء رضى الله عنها ) فرأيتها مسفرة الوجه مبتسمة ….. (تاريخ دمشق لابن عساكر ح 8703 , وأورده الألبانى فى الشواهد على جواز كشف الوجه صـــ98, من جلباب المرأة المسلمة , قال : ومن المفيد أن نستدرك ما فاتنا فى الطبعات السابقة من الآثار السلفية التى تنص على جريان العمل بذلك أيضا بعد النبى صلى الله عليه وسلم ( يقصد بجواز كشف الوجه والكفين ) , فأقول : ثم ذكر آثارا مرقمة , وذكر أثر أسماء تحت رقم 6 ).

وقد رد بعض أهل العلم على الالبانى فى استدلاله بهذا الأثر ردا شديدا (انظر الرد على كتاب الحجاب للألبانى د.محمد نعيم ساعي صـــــ 76) .

قلت : والحقيقة أن الأثر ليس فيه دليل إلى ما ذهب إليه الشيخ الألبانى , فأسماء رضى الله عنها كانت قد جاوزت المائة من عمرها , فهى من القواعد من النساء , وظني أن الألبانى لايخفى عليه ذلك , وإنما هو ساقه في جملة آثار أراد بإيرادها أن يبين – حسب وجهة نظره- أن ذلك كان معروفا بين النساء . والحقيقة أن إيراده لهذا الأثر لايدل على ماذهب إليه . والله أعلم . 

أكون بهذا قد انتهيت بفضل الله تعالى من إيراد الأدلة والآثار التي وقفت عليها حول حجاب المرأة المسلمة على مدى ثلاثا وثلاثين حلقة ،وبقي أن أسلط قرائن السياق بأقسامها المتعددة على الأدلة لنرى الراجح في المسألة،كما ذكرت ذلك في أول مقالة عن الحجاب 

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين