الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : نواصل بفضل الله تعالى الحديث حول حجاب المرأة المسلمة – الدليل والاستدلال- وقد انتهيت من أدلة القرآن الكريم ثم انتقلت إلى أدلة السنة , ووصلت إلى الدليل السادس والثلاثين : عن عطاء بن أبى رباح قال : قال لى ابن عباس : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى : قال هذه المرأة السوداء , أتت النبى صلى الله عليه وسلم , قالت : إنى أصرع وإنى أتكشف , فادع الله أن يشفينى . قال: إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبرى ولاحساب عليك . قالت : بل أصبر , ولاحساب علي , ثم قالت : إنى أتكشف , فادع الله لى ألا أتكشف . فدعا لها . وعن ابن جريج أخبرنى عطاء : أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة ( البخارى ومسلم واحمد وغيرهم ) . أورده الشيخ الألبانى فى أدلته على جواز كشف المرأة وجهها أمام الأجانب ( انظر جلباب المرأة المسلمة صــ60) .
قلت : اختلف فى اسم هذه المرأة , فقيل هى أم زفر واسمها سعيرة , وقيل إنها المرأة التى كانت تأتى النبى صلى الله عليه وسلم فيكرمها لأجل خديجة , وقيل هى ماشطة خديجة .( انظر فتح البارى 1/328). قال العينى : الذى يفهم من هذه الرواية التى رواها البخارى …. أن أم زفر هى المرأة السوداء المذكورة , وبهذا قال الكرمانى : أم زفر …. كنية تلك المرأة ( المصروعة ) ولكن الذى يفهم من كلام الذهبى فى ( تجريد الصحابة ) أن أم زفر غير السوداء المذكورة , لأنه ذكر كل واحدة منهما فى باب , وكذلك يفهم من كلام ابن الأثير : إن أن زفر ماشطة خديجة كانت عجوزا سوداء يغشاها النبى صلى الله عليه وسلم فى زمان خديجة رضى الله تعالى عنها , وذكر الذهبى أن أم زفر ثنتان , وقال صاحب ( التلويح ) : ذكرت فى الصحابيات أن أم زفير ثنتان … ( انظر عمدة القارى 21/214- 215 غوامض الأسماء المبهمة لابن بشكوال 1/291, أسد الغابة 7/322). وفى تهذيب الكمال ترجم لأم زفر بأنها المذكورة فى حديث البخارى ( انظر تهذيب الكمال 25/361) .ورجح الحافظ ابن حجر أن أم زفر هى غير العجوزة السوداء التى رآها عطاء ( انظر تهذيب التهذيب 12/470). وفى الإصابة ترجم لامرأتين تحت اسم ام زفر : 1- أم زفر الحبشية , السوداء الطويلة المذكورة فى حديث البخارى . 2- أم زفر ماشطة خديجة رضى الله عنها . ورجح أنها غير الحبشية , وإن اتفقا فى الكنية , وكلام أبى عمر ثم أبى موسى تقضى أنها واحدة , لكن أبا موسى فى ترجمة أم زفر قال : إنه محتمل , وأما أبو عمر فأورد ما يتعلق بها مع خديجة وما يتعلق بالصرع فى ترجمة واحدة , والعلم عند الله تعالى . ( انظر الإجابة 8/294-396) . قلت : ماشطة خديجة رضى الله عنها , وعاشت إلى زمن عطاء , فلاشك أنها من القواعد حين رآها عطاء . وإن كانت امرأة أخرى ورآها ابن عباس رضى الله عنهما , وعاشت أيضا إلى زمن عطاء , فهى أيضا من القواعد لأن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى الثالثة عشرة من عمره , وعطاء ولد فى العام السابع والعشرين بعد الهجرة وابن عباس فى الأربعين من عمره , ثم إنه حدث بالقصة لعطاء عندما كان من تلاميذه , مما يعنى مرور عشرات السنوات , فهذا يعنى انها من القواعد سواء كانت امرأة واحدة أو امرأتان .
لكن يبقى السؤال إن كانت غير الماشطة العجوز لخديجة رضى الله عنها , فمتى رآها ابن عباس , قبل نزول الحجاب أم بعده , وكم كان عمرها حين رآها ابن عباس ؟ وهذه الأسئلة تجعل الحديث الذى استدل به الشيخ الألبانى على جواز كشف الوجه , على الاحتمال فقط , والله أعلم.
الدليل السابع والثلاثون : عن قيس بن أبى حازم قال : دخلت أنا وأبى على أبى بكر رضى الله عنه فى مرضه , وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس , وهى امرأة بيضاء موشومة اليدين , كانوا وشموها فى الجاهلية نحو وشم البربر …. ( أخرجه الطبرانى فى المعجم الكبير 24/131, والطبرى فى تهذيب الآثار 1/114, وقال الألبانى : وإسناده صحيح، جلباب المرأة المسلمة صـــ 96) (فائدة : كانت يدها موشومة رغم لعن النبى صلى الله عليه وسلم للواشمات والمستوشمات … فهذا الوشم كان فى يدها قبل الإسلام , ولاتستطيع إزالته .).
هذا الأثر أورده الشيخ الألبانى فى أدلة جواز كشف الوجه والكفين . قال الألبانى فى الرد المفحم : وقد عارض هذا الأثر بعض من لاعلم عنده من المقلدة بآية ( الضرب بالخمر ) زاعما بأنها تعنى تغطية الوجه … كما زعم أن كشف يديها كان للذب بها عن أبى بكر وهذه ضرورة ….كأنه لايعلم أنها لم تكن محرمة يحرم عليها القفازان . وأن الذب المذكور يمكن أن يكون باليد الواحدة , فأين الضرورة المجوزة للكشف عن اليدين كلتيهما ؟ ( انظر الرد المفحم 1/94) . قلت : الحديث فيه وصف أسماء بنت عميس رضى الله عنها بأنها امرأة بيضاء , فهل يدل ذلك على كشف وجهها أم عرفوا أنها بيضاء من يديها الموشومتين , وأنها كانت كاشفة عن يديها للضرورة . يحتمل هذا , لكن الوصف بأنها امرأة بيضاء يكون أقرب لوصف الوجه , والله أعلم . وهل هى من القواعد ؟ لقد تزوجت بعد أبى بكر رضى الله عنه على بن أبى طالب رضى الله عنه وأنجبت له , بل هى أنجبت محمد بن أبى بكر فى حجة الوداع . ( انظر ترجمتها فى تقريب التهذيب ت 8531 , سير أعلام النبلاء 2/1282) .
الدليل الثامن والثلاثون : عن أبى السليل قال: جاءت ابنة أبى ذر وعليها مجنبتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها , فمثلت بين يديه وعنده أصحابه , فقالت : يا أبتاه , زعم الحراثون والزراعون أن أفلسك هذه بهرجة , فقال : يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولابيضاء إلا أفلسه هذه ( حلية الأولياء 1/164, قال الألبانى : إسناده جيد فى الشواهد جلباب المرأة المسلمة صــ 97) .
وقد أورده الشيخ الألبانى فى أدلة وشواهد جواز كشف الوجه والكفين . لكنى لم أقف على عمر ابنة أبى ذر , فهل كانت صغيرة لم تبلغ بعد , أم كانت كبيرة ؟ فيبقى الدليل أيضا على الاحتمال .
الدليل التاسع والثلاثون : عن قبيصة بن جابر قال : كنا نشارك المرأة فى السورة من القرآن نتعلمها، فانطلقت مع عجوز من بنى أسد إلى ابن مسعود فى بيته فى ثلاث نفر , فرأى جبينها يبرق , فقال : أتحلقينه ؟ فغضبت , وقالت : التى تحلق جبينها امرأتك , قال : فادخلى عليها فإن كانت تفعله فهى مني بريئة، فانطلقت ثم جاءت فقالت : لا والله ما رأيتها تفعله … الحديث ( انظر السلسلة الصحيحة ح 2792 , آداب الزفاف صـــ 204 وقال : سنده حسن , وأخرجه ابن حبان بنحوه ح 5481وأبى داوود ح 4169 وغيرهما ) .
والحديث أورده الشيخ الألبانى فى شواهده على جواز كشف الوجه , ومن المؤكد أنه لم يخف عليه فى الحديث أنها عجوز , فهى من القواعد من النساء .
الدليل الأربعون : عن أبى أسماء الرحبى أنه دخل على أبى ذر رضى الله عنه , وهو بالربذة ,وعنده امرأة له سوداء مشبعة,ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق قال : فقال : ألا تنظرون إلى ما تأمرنى به هذه السويداء , تأمرنى أن آتى العراق , فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم …. الحديث ( أخرجه أحمد فى المسند ح 21416, وقال الأرناءوط : إسناده صحيح , وقال الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة : سنده صحيح صـــ 98 ) ( مشبعة : كثيرة السواد : المجاسد : الثياب المصبوغة بالزعفران أو العصفر , الخلوق : الطيب المركب من الزعفران وغيره – انظر هامش مسند أحمد الأرناءوط 35/330).
والحديث أورده الألبانى فى شواهده على جواز كشف الوجه ( جلباب المرأة المسلمة صــ 98 ) .
فهل وصف سوداء فى الحديث هو وصف لما تلبسه المرأة , أم هو وصف لها ؟ والراجح – والله أعلم – أنه وصف لها وليس لما ترتديه . بدلالة ما أخرجه أبو نعيم بسنده عن عبدالله بن خراش قال : رأيت أباذر رضى الله تعالى عنه بالربذة فى ظلة له سوداء , وتحته امرأة له سحماء …… قالوا يا أبا ذر لو اتخذت امرأة غير هذه ؟ قال : لأن أتزوج امرأة تضعنى أحب إلى من امرأة ترفعنى … ( الحلية 1/160 و والطبقات الكبرى 4/178- سحماء : سوداء انظر جمهرة اللغة 1/535).
ويبقى معنا سؤالان : هل كانت من القواعد من النساء أم لا ؟ – وهذا لم أقف عليه- أو كانت دميمة – فلافتنة فى إظهار وجهها , عند من يرى ذلك , بدليل أن من دخل عليه سأله عندما رآها عن السبب فى الزواج بها , مع شديد قبحها الظاهر ( ملحوظة : الجمال والقبح لا علاقة لهما بلون البشرة , فكم من بيضاء غير جميلة , وكم من سوداء جميلة ) .
الدليل الأربعون : أخرجه ابن عساكر بسنده عن عطية : رأيت ابن الزبير على جذع مصلوبا , وامرأة تحمل فى محفة حتى صارت إليه , فقال الناس : هذه أمه ( أسماء رضى الله عنها ) فرأيتها مسفرة الوجه مبتسمة …. ( تاريخ دمشق لابن عساكر ح 8703 , وأورده الألبانى فى الشواهد على جواز كشف الوجه صــ 99 , ولم يعلق عليه , وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
