الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين , وبعد : ما زال الحديث متصلاً حول حجاب المرأة المسلمة – الدليل والاستدلال- وقد انتهيت بفضل الله تعالى – من أدلة القرآن الكريم ثم انتقلت إلى أدلة السنة ووصلت إلى الدليل الثانى والثلاثين .
عن عاصم الأحول قال : كنا ندخل على حفصة بنت سيرين ( من التابعين ) وقد جعلت الجلباب هكذا , وتنقبت به , فنقول لها : رحمك الله , قال الله تعالى : والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( النور : 60 ) . هو الجلباب . قال : فتقول لنا : أى شئ بعد ذلك ؟ فنقول ( وأن يستعففن خير لهن ) فتقول : هو إثبات الجلباب ( السنن الكبرى للبيهقى ح 13534, وصحح إسناده الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة صــ 110 ) .
ورأينا من استدل بالآية وبالأثر على وجوب النقاب – على اعتبار أن النساء مأمورات كلهن بتغطية وجوههن , وأن المرأة الكبيرة- فقط – هى التى يجوز لها كشف وجهها . ثم انتقلت إلى سؤال هو : هل وضع الثياب فى الآية بمعنى وضع النقاب عن الوجه ؟ يقول الطبرى فى معنى الآية : فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن , يعنى جلابيبهن , وهى القناع الذى يكون فوق الخمار , والرداء الذى يكون فوق الثياب . ثم نقل بأسانيده عن بعض الصحابة والتابعين وغيرهم . أن وضع الثياب فى قوله تعالى ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) معناه يدور بين وضع الجلباب , القناع , الرداء , الخمار ( انظر تفسير الطبرى 19/215 -218) .
وفى تفسير القرطبى : والعرب تقول امرأة واضع : للتى كبرت فوضعت خمارها . ونقل عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما – إنه الجلباب وقال قوم : الكبيرة التى أيست من النكاح , لو بدا شعرها فلا بأس , فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار. ثم قال : والصحيح أنها ( القاعد ) كالشابة فى التستر , إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذى يكون فوق الدرع والخمار ( انظر تفسير القرطبى 12/308-309 ). وكذلك نقل ابن كثير أنه الجلباب أو الرداء ( انظر تفسير ابن كثير 6/83-84).
وبهذا قال قدامى المفسرين ( انظر تفسير مقاتل بن سليمان 3/208 , تفسير ابن وهب 2/89 , تفسير يحيى بن سلام 1/461, تفسير الزجاج 4/53 , تفسير ابن أبى حاتم 8/2639-2642, تفسير الماتريدى 7/593, تفسير الماوردى 4/121-122). فى هذه التفاسير , لم أقف على أحد فسر وضع الثياب بالنقاب – فيما أعلم – وأن ما جاء فى معنى وضع الثياب عند هؤلاء المفسرين يدور بين الجلباب , والرداء , والقناع , والخمار , والملحفة . لكن من قال أن المعنى فى الآية هو النقاب ذهب إلى أن القناع معناه النقاب، لكن قد يتساءل متسائل أليس القناع هو غطاء الوجه ( النقاب ) ؟ وقد سبق أن بينت معنى القناع لغة عند العرب , وسأشير إلى ذلك لتمام الفائدة . قال فى مقاييس اللغة : قناع المرأة : ما تديره برأسها ( انظر مقاييس اللغة 5/33) وفى المحكم قال : وهو أوسع من المقنعة ( أى القناع ) وقد تقنعت به , وقنعت رأسها ( انظر المحكم 1/228) . وفى شمس العلوم : ما تقنع به المرأة رأسها ( انظر شمس العلوم 8/5639) . وفى النهاية : رجل مقنع بالحديد : هو الذى على رأسه بيضة , وهى الخوذة , لأن الرأس موضع القناع ( انظر النهاية فى غريب الحديث والأثر 4/114 ) وفى لسان العرب قال : المقنع والمقنعة ما تغطى به المرأة رأسها … والقناع أوسع من المقنعة , وقد تقنعت به وقنعت رأسها…. والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطى رأسها ومحاسنها … قال الأزهرى : ولافرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة ( انظر لسان العرب مادة قنع 8/300-301 ) . فما وقفت -فيما اطلعت عليه- من كتب اللغة أنهم قالوا أن القناع هو النقاب , لكن قد يقال هو ما تغطى به المرأة رأسها , ويكون الوجه تابعا للرأس فى التغطية , لكن يبقى هذا على الاحتمال . والآية – عموما- ليست نصا قطعيا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه , وإنما هى تتكلم عن القواعد ( الكبيرات السن ) ويستنبط منها بمفهوم المخالفة نهى المرأة الشابة عن التبرج , مما يجعل الآية من أدلة الحجاب على عمومه وليست الآية فى خصوص النقاب – والله أعلم – الدليل الثالث والثلاثين : قال ابن هشام – رحمه الله – وذكر عبدالله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبى عون , قال : كان من أمر بنى قينقاع أن أمرأة من العرب قدمت بجلب ( أى ما يجلب للأسواق ليباع فيها ) لها , فباعته بسوق بنى قينقاع , وجلست إلى صائغ بها , فجعلوا يريدونها على كشف وجهها , فأبت , فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها , فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها …. ( سيرة ابن هشام 2/47-48).
وهذا الأثر منقطع من أعلى السند وأسفله. فعبدالله بن جعفر الذى روى عن ابن هشام لم يلتقه , فالسند معلق , من ناحية , ومن ناحية أخرى فهو مرسل لأن ابن عون تابعى صغير توفى 116هــ لم يدرك الواقعة. قال الألبانى : إسناده ضعيف ظاهر الضعف , انظر دفاع عن الحديث النبوى صــ 26-27, تخريج فقه السيرة 241) .
يقول البوطى بعد أن ساق هذا الدليل كدليل من أدلة وجوب النقاب : وهو يدل على أن الحجاب الذى شرعه الإسلام للمرأة سابغ للوجه أيضا ،وإلا لم يكن هناك أى حاجة إلى أن تسير هذه المرأة فى الطريق ساترة وجهها , ولو لم يكن سترها لوجهها تحقيقا لحكم دينى يأمرها بذلك , لما وجد اليهود ما يدفعهم إلى ما صنعوا , لأنهم إنما أرادوا من ذلك مغايظة شعورها الدينى الذى كان يبدو جليا فى مظهرها . ثم قال :وقد يقال إن فى هذه القصة التى تفرد بروايتها ابن هشام بعض اللين , فلا تقوى على الدلالة على مثل هذا الحكم , إلا أنه يشهد لها أحاديث كثيرة أخرى ثابتة لامجال للطعن فيها . ثم ذكر أدلة أخرى … ثم قال : هذا من حيث ما ورد من الأدلة على وجوب ستر المرأة وجهها وبقية جسمها عن الرجال الأجانب ( فقه السيرة للبوطي ص 168-169 ). يقول الألبانى ردا على ما ذهب إليه البوطى : فهو إسناد ضعيف ظاهر الضعف، فمن الغرائب أن يستدل بمثله على وجوب ستر المرأة لوجهها , وهو لو صح لم يدل على أكثر من مشروعية ذلك , أما الوجوب فمن أين ؟ ثم ذكر أن بعض طلبة كلية الشريعة تساءلوا عن تاريخ غزوة بنى قينقاع التى وقعت فيها هذه الحادثة ؟ على اعتبار أن آية الحجاب نزلت فى غزوة الأحزاب , فإن كانت غزوة بنى قينقاع قبل الأحزاب كان هذا دليلا على أن حجاب المرأة فى الحادثة لم يكن عن أمر به فى الآية . فقلت : صدقت , فنظرنا فإذا الغزوة الأولى ( بنو قينقاع ) قد ذكرت فى كتب السيرة قبل الأحزاب … فستر المرأة لوجهها – إن صح فى الواقعة – لم يكن دينيا لابد من التزامه وإنما كان تعففا منها , وإن مما يؤيد ذلك ما فى البخارى أن عائشة وأم سلمة – رضى الله عنهما – رئيت خلاخيل سوقهما يوم أحد وهما يحملان القرب على متونهما , فقال : الحافظ ابن حجر: كانت هذه الواقعة قبل الحجاب . ثم قال الألبانى : وغزوة أحد كانت بعد غزوة بنى قينقاع أيضا ( انظر دفاع عن الحديث النبوى صــــ 26-27) .
ثم استدل الألبانى بهذا الأثر عن ابن عباس رضى الله عنهما , قال : (وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن…. الآية . فنسخ واستثنى من ذلك ( والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( الآية ) . ( سنن أبى داوود ح 4111 , قال الألبانى حسن الإسناد ) . قال الألبانى -وقد أورده مختصرا-: ثم رأيت ابن عباس رضى الله عنهما قد صرح بهذا المعنى , وأن آية ” القواعد” مستثناة من آية الخمر ( انظر جلباب المرأة المسلمة صـــ 111).
قلت : قصر الألبانى الإستثناء على ضرب الخمر , والآية بها ثلاثة أوامر وثلاثة نواهى : الأوامر فى الآية : 1- غض البصر . 2- حفظ الفروج. 3- ضرب الخمار . النواهى : 1- عدم إبداء الزينة إلا ما ظهر منها 2- عدم إبداء الزينة إلا لبعولتهن أو آبائهن … 3- عدم الضرب بالأرجل. فهل هناك قرينة تبين أن النسخ والإستثناء يعود على ضرب الخمار ،كما قال الألباني دون ما ذكر في الآية من أوامر ونواهي ؟ وهل ذهب أحد إلى أن الاستثناء في اية القواعد يعود على شئ آخر؟ قال فى سنن المعبود : والحاصل أن الآية الأولى بعمومها كانت شاملة للقواعد من النساء أيضا , فلما نزلت الآية الثانية خرجن من حكم الآية الأولى فلهن أن لايغضضن أبصارهن ( انظر عون المعبود 11/113-114) .
قلت :أستبعد أن يكون النسخ والإستثناء في الآية يعود على غض البصر , أو ضرب الأرجل ،فالقاعد لا تقوى على ضرب الأرض بالأرجل ، ويمتنع أن يكون من حفظ الفرج , فلا يبقى معنا فى الآية إلا ما يعود على الملابس :ضرب الخمار وإبداء الزينة .
فهل يعود الإستثناء للقواعد من ضرب الخمار كما قال الألباني ؟ قد رأينا ذلك فى أقوال بعض الصحابة والتابعين وغيرهم عندما تكلمت عن آية القواعد ، لكن يبقى معنا : ولايبدين زينتهن . , . فيبقى معنا أن النسخ والإستثناء يدور ما بين ضرب الخمار , وعدم إبداء الزينة إلا للمحارم،ومما يؤكد ذلك أن آية القواعد ذكر فيها الملابس والزينة فقط ،فلا علاقة لها بغير ذلك من المذكورات في آية :وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن….
ويمكن الجمع أن يقال أنه يجوز لها أن تضع خمارها أمام غير محارمها مع عدم التبرج بالزينة كما ورد القيد فى الآية. والله أعلم .
قال الطبرى عن الآية : لاحرج عليهن أن يضعن ذلك ( جلابيبهن , القناع الذى يكون فوق الخمار , والرداء الذى يكون فوق الثياب ) عند المحارم من الرجال , وغير المحارم من الغرباء غير متبرجات بزينة ( انظر تفسير الطبرى 19/215-217) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
