دراسات شرعية أثر السياق فى فهم النص تنوع قرائن السياق وأثره على الأحكام الفقهية.الحلقة 94 .
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى وبعده , وبعد : فى الحلقة السابقة بدانا الكلام عن آيات الحجاب – حسب ترتيبها فى المصحف – فبدأنا بقوله سبحانه وتعالى : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) ( النور : 31 ) , فنقلنا أقوال كبار المفسرين بداية من القرن الثانى الهجرى , وتوقفنا مع تفسير الطبرى والمرويات التى ذكرها بأسانيدها واكتفينا على ذكر الصحيح والحسن منها ولم نذكر الضعيف . وخلاصة ما ذكر فى كتب التفسير حول قوله تعالى : ( إلا ما ظهر منها ) ثلاثة أقوال : 1- أنها الثياب . 2- أنها الوجه والكفان . 3- أنها الثياب والوجه . وأصحاب القول الأول يقولون بوجوب النقاب , وأصحاب القولين الآخرين يقولون باستحبابه . ونستأنف البحث بإذن الله تعالى الآية الثانية ( من آيات الحجاب ) : قوله تعالى : ( والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ( النور : 60 ).
أقوال القدامى المفسرين فى الآية : – تفسير مقاتل بن سليمان ( ت 150هــ ) والقواعد من النساء : يعنى المرأة الكبيرة التى لاتحيض من الكبر , اللاتى لايرجون نكاحا أى تزويجا , فليس عليهن جناح : أى حرج , أن يضعن ثيابهن , فى قراءة ابن مسعود : من ثيابهن : وهو الجلباب الذى يكون فوق الخمار , غير متبرجات بزينة : لاتريد بوضع الجلباب أن ترى زينتها , يعنى الحلى . ,أن يستعففن ولايضعن الجلباب خير لهن من وضع الجلباب ( تفسير مقاتل بن سليمان ( 3/ 208 ) .
تفسير ابن وهب ( ت 197هـ ) والقواعد من النساء الاتى لايرجون نكاحا : قال : التى إذا رأيتها استقذرتها , فلابأس أن تضع الخمار والجلباب وأن تراها ( تفسير القرآن من الجامع لابن وهب ,.
تفسير يحيى بن سلام ( ت 200هـ ) ذكر بسنده عن قتادة قال : القواعد من النساء , التى لاتحيض ولاتحدث نفسها بالأزواج , رخص لها أن تضع جلبابها . وذكر بسنده عن ابن عمر رضى الله عنهما: قال : تضع الجلباب . وعن سليمان بن يسار : تضع الخمار إن شاءت ( انظر تفسير يحيى بن سلام 1/461 ).
تفسير الطبرى ( ت 310هــ ) فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعهن ثيابهن , يعنى جلابيبهن , وهى القناع الذى يكون فوق الخمار , والرداء الذى يكون فوق الثياب . ثم نقل بأسانيده عن ابن عباس رضى الله عنهما – عن الآية – : لاجناح عليها أن تجلس فى بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب , مالم تتبرج لما يكره الله . – وعن الضحاك : يضعن ثيابهن : يعنى الجلباب , وهو القناع وعن ابن جريج : قال جلابيبهن وعن ابن زيد , قال عن ( ثيابهن ) : قال وضع الخمار وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : الجلباب أو الرداء , وفى رواية : الرداء , وفى رواية : الملحفة , وفى رواية الجلباب . وعن سعيد بن جبير : قال هو الرداء وعن الشعبى : قال : الجلباب وعن مجاهد , قال : جلابيبهن … فما نقله الطبرى عن معنى وضع الثياب دائر بين الجلباب ( القناع ) والرداء والخمار والملحفة . وسأقف مع معنى القناع , لأن البعض قال أن القناع هو النقاب ( غطاء الوجه ) لغة : فما معنى القناع؟ : قناع المرأة : ما تديره برأسها ( انظر مقاييس اللغة ( 5/33 ) وهو أوسع من المقنعة , وقد تقنعت به , وقنعت رأسها ( انظر المحكم 1/ 228 ) المقنعة : ما تقنع به المرأة رأسها ( شمس العلوم 8/5639 ) وفى النهاية قال عن : رجل مقنع بالحديد : هو الذى على رأسه بيضة , وهى الخوذة , لأن الراس موضع القناع ( انظر النهاية فى غريب الحديث والأثر4/114 ) وفى لسان العرب : المقنع والمقنعة ما تغطى به المرأة رأسها …والقناع أوسع من المقنعة , وقد تقنعت به وقنعت رأسها وقنعتها : ألبستها القناع فتقنعت به . والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطى رأسها ومحاسنها … قال الأزهرى : ولافرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة ( انظر لسان العرب مادة قنع 8/300-301 ).
– تفسير الزجاج (ت 311هــ) , قال عن ابن مسعود رضى الله عنه : أن يضعن الملحفة والرداء ( تفسير الزجاج 4/53 ) .
( تفسير ابن أبى حاتم ت 327هــ ) ذكر بأسانيده عن ابن مسعود عن قوله تعالى ( فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن ) قال الجلباب أو الرداء , وعن ابن عباس وابن عمر فى إحدى الروايات وسليمان بن يسار فى إحدى الروايات وسعيد بن جبير وجابر بن زيد وإبراهيم النخعى ومجاهد : أنه الجلباب , وعن مقاتل بن حيان والحسن وقتادة والزهرى والأوزاعى : الخمار وعن عكرمة قال : يضعن الجلباب والخمار , وكذلك عن ابن عمر وسليمان بن يسار. وفى قوله تعالى : غير متبرجات بزينة : عن الحسن وقتادة , قال : غير متبرجات بزينة: باديات عن النحر ونحو ذلك . وعن سعيد بن جبير : لاتتبرجن بوضع الجلباب أن يرى ما عليها من الزينة . وكذلك عن مقاتل ابن حيان ( انظر تفسير ابن أبى حاتم 8/2639-2642-).
تفسير الماتريدى ت 333هــ ) أن يضعن ثيابهن : الرداء , وقال بعضهم هو الجلباب , يقال الجلباب : هو القناع الذى يكون فوق الخمار , فلابأس أن تضع ذلك عند أجنبى وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ( انظر تفسير الماتريدى 7/593 ) .
( تفسير الماوردى ت 450هــ ) : أن يضعن ثيابهن , فيه قولان : أحدهما : جلبابها وهو الرداء الذى فوق الخمار فتضعه عنها إذا سترها باقى ثيابها , قاله ابن مسعود وابن جبير , الثانى : خمارها ورداؤها , قاله جابر بن زيد، ثم قال : وإنما خص القواعد بوضع الجلباب لانصراف النفوس عنهن , مالم يبدو شئ من عوراتهن . والشابات المشتهيات يمنعن من وضع الجلباب أو الخمار ويؤمرن بلبس أكثف الجلابيب لئلا تصفهن ثيابهن ( انظر تفسير الماوردى 4/121-122 ) .
تفسير القرطبى ت 671هــ ) : والعرب تقول امرأة واضع , للتى كبرت فوضعت خمارها ، ونقل عن ابن مسعود وابن عباس : أنه الجلباب , وقال قوم : الكبيره التى أيست من النكاح , لو بدا شعرها فلا بأس , فعلى هذا يجوز لها وضع الخمار ثم قال : والصحيح أنها (القواعد) , كالشابة فى التستر , إلا أن الكبيرة تضع الجلباب الذى يكون فوق الدرع والخمار ( انظر تفسير القرطبى 12/308-309 ) وكذلك نقل ابن كثير أنه الجلباب أو الرداء ( انظر تفسير ابن كثير ( 6/83-84 ). –.
فخلاصة ما ذكر فى كتب التفسير عن قوله تعالى والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة) , أن تفسير الثياب يدور بين الجلباب , والرداء , والقناع والخمار , والملحفة . وما رأيت أن أحدهم فسر الثياب بالنقاب – فيما أعلم – والذى قال أن القناع هو النقاب , فقد رددنا عليه فى النقل من كتب اللغة . وعلى العموم فالآية ليست نصا فى وجوب النقاب أو عدم وجوبه , وإنما هى تتكلم عن ملابس العجائز الكبيرات فى السن , ولكن يستنبط منها عن طريق القياس بنهى المرأة الشابة عن التبرج مما يصلح أن يكون دليلا للحجاب على عمومه, وليس على النقاب بخصوصه , والله أعلم .
الآية الثالثة ( من آيات الحجاب ): قوله تعالى : (يا نساء النبى لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن فى بيوتكن ولاتبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاه وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا )( الأحزاب 32, 33 ) .
وموضع البحث فى الآيات سيكون فى مسألتين : الأولى : هل الخطاب لأمهات المؤمنين خطاب لعموم النساء . الثانية ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى.
أولا : هل الخطاب فى الآيات لأمهات المؤمنين فقط أم هو لعموم النساء ؟ لاشك أن سياق الآيات وسباقها ولحاقها , يدل على أن الأيات تخص أمهات المؤمنين , اللواتى لهن أحكام خاصة من مضاعفة المثوبة ومضاعفة العقوبة ( يانساء النبى لستن كأحد من النساء ) فهل الأوامر والنواهى التى فى الآيات متعلقة بأمهات المؤمنين فقط , أم يدخل فيها عموم النساء ؟ هذا فيه نزاع فمن قائل أن الآيات مقصورة على أمهات المؤمنين , ومن قال إنها لعموم النساء . والراجح – والله أعلم – أن هناك فى الآيات أحكاما خاصة بأمهات المؤمنين لاتتعداهن إلى غيرهن , وأن هناك أحكاما يدخل فيها عموم النساء بدلالتين , الأولى : ورود نصوص أخرى بها , والثانية : قياس الأولى،
وهذا سنكمله إن شاء الله فى الحلقة القادمة , وللحديث بقية و والحمد لله رب العالمين
