حجاب المرأة المسلمة (29).

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المسلمين ، وبعد:-

ما زال الحديث متصلا حول حجاب المرأة المسلمة – الدليل والاستدلال – وقد انتهيت – بفضل الله تعالى – من أدلة القرآن الكريم ثم انتقلت إلى أدلة السنة ووصلت إلى الدليل الثلاثين . عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال : جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها ، فسأل الرجل ، فأنكر ذلك ، وكتب فيه إلى معاوية رضى الله عنه . قال : فكتب أن زوّجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين ، فإن زعمت أنه يصل إليها فاجمع بينهما ، وإن زعمت أنه لا يصل إليها ففرق بينهما . قال : نفعل ، وأتى بهما عنده فى الدار ، قال : فلما أصبح دخل الناس ودخلت ، قال : فجاء الرجل وعليه أثر صفرة ، …… وجاءت المرأة متقنعة …. ( السنن الكبرى للبيهقى ح ١٤٣٠٢، وقال الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة : وسنده حسن ص ١٠٣ ) .

والشاهد فى الأثر قوله : وجاءت المرأة متقنعة . فقد استدل به من قال بوجوب تغطية الوجه لأن القناع هو ما يغطى الوجه . فهل القناع هو ما يوضع فوق الوجه ، أم له معنى آخر غير ذلك .

معنى القناع فى كتب اللغة : قناع المرأة : ما تديره برأسها ( انظر مقاييس اللغة ٣٣/٥ ) وهو أوسع من المقنعة ، وقد تقنعت به ، وقنعت رأسها ( انظر المحكم ٢٢٨/١ ) .

وفى شمس العلوم : المقنعة : ما تقنع به المرأة رأسها (شمس العلوم ٥٦٣٩/٨).

وفى النهاية ، قال عن رجل مقنع بالحديد : هو الذى على رأسه بيضة ، وهى الخوذة ، لأن الرأس موضع القناع ( انظر النهاية فى غريب الحديث والأثر ١١٤/٤) .

وفى لسان العرب : المقنع والمقنعة ما تغطى به المرأة رأسها …. والقناع أوسع من المقنعة ، وقد تقنعت به ، وقنعت رأسها ، وقنعتها ، ألبستها القناع فتقنعت به . والقناع والمقنعة : ما تتقنع به المرأة من ثوب تغطى رأسها ومحاسنها….. قال الأزهرى : ولا فرق عند الثقات من أهل اللغة بين القناع والمقنعة ( انظر لسان العرب مادة قنع ٣٠٠/٨-٣٠١) .

وفى حديث عائشة رضى الله عنها فى قصة الهجرة ، قالت : ….. فبينما نحن يوما جلوس فى بيتنا فى نحر الظهيرة ، فقال قائل لأبى بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها ….. ( البخارى وغيره ). قال ابن الجوزى : متقنعا : أى مغطيا رأسه بثوب يستره ( المشكل من حديث الصحيحين ٣٨١/٤) .قال ابن حجر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم – متقنعا : أى مغطيا رأسه ( انظر فتح البارى ٢٣٥/٧، عمدة القارى ٤٥/١٧، إرشاد السارى ٢١٧/٦، ٤٢٩/٨ ). وفى مرقاة المفاتيح : متقنعا : أى مغطيا رأسه بالقناع ، أى بطرف ردائه على ما هو عادة العربى لحر الظهيرة ، ويمكن أنه أراد له التستر لكيلا يعرفه كل أحد ( انظر مرقاة المفاتيح ٢٧٦٥/٧) .قال الشوكانى عن التقنع : هو تغطية الرأس وأكثر الوجه برداء أو غيره ( انظر عون المعبود ٩٢/١ ). وفى مطالع الأنوار : التقنع : تغطية الرأس من داء ونحوه ، ومقنع بالحديد ، كذلك ، أى مغطى الرأس بدرعه أو مغفر أو بيضة ( انظر مطالع الأنوار ٣٧٠/٥ ). فهذه النقول التى وقفنا عليها من كتب اللغة والحديث تبين أن التقنع هو تغطية الرأس وليس هو تغطية الوجه . قلت : ولو ذكر بعض أهل العلم أن التقنع هو تغطية الوجه ، فسيكون هذا من قبيل الدليل المتنازع فيه ، وليس مسلما به لمن قال أن الأثر يبين أن المرأة كانت تغطى وجهها . يقول الشيخ الألبانى عن هذا الأثر : كنت قد وهمت فى إيراد هذا الأثر فى جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء فى العهد الأول ،ثم تبين لى أن الأمر على العكس من ذلك ، لأن التقنع هو ستر المرأة لرأسها دون وجهها ، كما شرحته فى مقدمة هذه الطبعة ، فهو من الأدلة الكثيرة التى لا ترضى المتعصبين لمذاهبهم والمتشددين فى أقوالهم ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ١٠٣) .

قلت : ولا أرى الدليل – موضع الشاهد منه – يدل على ما ذهب إليه الشيخ الألبانى من أن كشف الوجه كان هو الذى يجرى عليه العمل من النساء فى العهد الأول . فكون المرأة وصفت فى الأثر أنها جاءت متقنعة ، يحتمل أمرين : الأمر الأول : أنها جاءت كاشفة عن وجهها لكتها تغطى رأسها وبعض وجهها بمقنعة تلبسها فوق الجلباب ، زيادة فى تسترها .والثاني: أنها جاءت تغطى وجهها . لكن يثار سؤال : لما وصفت بأنها متقنعة ؟إن الوصف فى الغالب يكون لشئ غير مألوف ، فلا يوصف الإنسان بما هو من عادات الناس فى زمانه ، فلو قلنا أن التقنع هو تغطية الوجه وأن هذا كان السائد من النساء فى هذا الزمن ، فلما وصفت به المرأة إذن ؟ إلا لو كان التقنع فيه زيادة وصف عن مجرد تغطية الوجه ، فهل كانت تغطى وجهها بالمقنعة التى تضربها على رأسها ثم وجهها ، يحتمل . وإما أنها كانت تغطى رأسها فقط بمقنعتها. على العموم فالأثر ليس دليلا قاطعا لأى من الفريقين ، خاصة بعد أن علمنا معنى القناع والتقنع فى كتب اللغة . الدليل الحادى والثلاثين : عن ثابت بن قيس رضى الله عنه قال : جاءت امرأة إلى النبى صلى الله عليه وسلم يقال لها أم خلاد وهى منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول ، فقال لها بعض أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة ؟ فقالت : إن أرزأ ابنى فلن أرزأ حيائى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابنك له أجر شهيدين . قالت : ولم ذاك يا رسول الله ؟ لأنه قتله أهل الكتاب ( والحديث ضعيف ففى سنده مجهولان ، انظر ضعيف سنن أبى داوود للألبانى ح ٤٢٨) . أرزأ : أصاب بمصيبة . ومعنى الحديث : إن أصاب بمصيبة موت ابنى ، فلن أضم إلى هذه المصيبة مصيبة أخرى وهى فقد حيائى . والحديث ضعيف ، وإن صح فلا دليل فيه على فرضية النقاب ، بل قد يكون لصالح من قال بكشف الوجه ، وهذا قد يتضح فى إنكار الصحابة عليها أنها جاءت تسأل عن ابنها وهى تلبس النقاب . وأنا لا أدرى ما وجه الإنكار من الصحابة على أم خلاد لارتدائها النقاب هل كما قال ابن رسلان لعله أنكر عليها ستر وجهها من النبى صلى الله عليه وسلم فى سؤالها ، والوجه لايستر بالتقاب إلا لخوف الفتتة ، فكان الأولى كشف وجهها عند مخاطبته فيقع نظر النبى صلى الله عليه وسلم على وجهها فتشمله البركة ( انظر شرح سنن أبى داوود لابن رسلان ٤٠/١١ ) وما أجاب به ابن رسلان أراه بعيدا وغير متوجه عندى . هل كانت من القواعد من النساء ؟ حتى إن كانت من القواعد من النساء – ولم أقف لها على ترجمة تذكر عمرها – فلا وجه للإنكار عليها . ولضعف الأثر ، فأقول كما قال الألبانى : فهذا نص صريح فى فضيلة النقاب لأنها عدته من الحياء وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن ما كان لنا أن نحتج بمثل هذا الإسناد ( انظر جلباب المرأة المسلمة ص ١١٢) .

الدليل الثانى والثلاثين : عن عاصم الأحول قال : كنا ندخل على حفصة بنت سيرين ( من التابعين ) وقد جعلت الجلباب هكذا ، وتنقبت به ، فنقول لها رحمك الله ، قال الله تعالى ( والقواعد من النساء اللاتى لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ( النور : ٦٠) . هو الجلباب. قال: فتقول لنا : أى شئ بعد ذلك ؟ فتقول : وأن يستعففن خير لهن ( النور : ٦٠) فتقول : هو إثبات الجلباب ( السنن الكبرى للبيهقى ح١٣٥٣٤، وقال الألبانى : هذا إسناد صحيح / جلباب المرأة المسلمة ص ١١٠) .

يقول د العريفى : استدل بالأثر من قال بوجوب النقاب ، وأن المرأة الكبيرة فى السن يجوز لها أن تكشف وجهها من غير تبرج بزينة. فلو جاء أحدهم وقال : لا ، أصلا كل النساء يكشفن وجوههن . نقول إذاً المرأة الكبيرة فى السن أذن الله تعالى أن تكشف ماذا ؟ إذا كانت لن تكشف وجهها ، لأن كل النساء يكشفن وجوههن ، إذا فأى شئ زائد أذن الله أن تكشفه هذه المرأة العجوز. والمعنى أن النساء الأصل أن يسترن وجوههن ، والمرأة العجوز أذن لها أن تكشف وجهها ( انظر ٢٠ دليلا لوجوب النقاب د.العريفى ص ٨) .

فهل وضع الثياب فى الآية بمعنى وضع النقاب عن الوجه ؟ . يقول الطبرى : فليس عليهن حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهن ، يعنى جلابيبهن ، وهى القناع الذى يكون فوق الخمار ، والرداء الذى يكون فوق الثياب . ثم ذكر بأسانيده عن ابن عباس رضى الله عنهما : لاجناح عليها أن تجلس فى بيتها بدرع وخمار وتضع عنها الجلباب ، ما لم تتبرج لما يكره الله. وعن الضحاك : يضعن ثيابهن : يعنى الجلباب ، وهو القناع : فلا يضرها أن لا تجلبب فوق الخمار ، وأما كل امرأة مسلمة حرة إذا بلغت المحيض أن تدنى الجلباب على الخمار… وعن ابن جريج : قال جلابيبهن . وعن ابن زيد ، قال : وضع الخمار. وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال : الجلباب أو الرداء ، وفى رواية: الرداء ، وفى رواية :الملحفة ، وفى رواية الجلباب . وعن الشعبى . قال : الجلباب ، وعن مجاهد : قال : جلابيبهن …. (انظر تفسير الطبري 19 /215-218) .

فما نقله الطبرى فى تفسيره أن معنى وضع الثياب دائر بين : الجلباب القناع ، الرداء ، الخمار.

فهل فسر أحد من الصحابة أو من العلماء أن وضع الثياب هو وضع النقاب عن الوجه ؟ هذا ما سنراه بإذن الله تعالى فى الحلقة القادمة . والحمد لله رب العالمين