حجاب المرأة المسلمة (22)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : ما زال الحديث متصلا حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , وقد انتهيت بفضل الله تعالى – من أدلة القرآن , ووصلت فى أدلة السنة إلى الحديث السادس عشر : حديث فاطمة بنت قيس رضى الله عنها عندما طلقها زوجها البتة وهو غائب ( الطلقة الثالثة ) وفى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد فى بيت أم شريك , ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابى , اعتدى عند ابن أم مكتوم , فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده …. الحديث ( صحيح مسلم وغيره ) ( أم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة فى سبيل الله عزوجل , ينزل عليها الضيفان ) وفى رواية : إن أم شريك كثيرة الضيفان فإنى أكره أن يسقط خمارك …. الاستدلال من الحديث : يقول الشيخ الألبانى : ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر , وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار – وهو غطاء الرأس – فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها , ولكنه صلى الله عليه وسلم خشى عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص , فأمرها النبى صلى الله عليه وسلم بما هو الأحوط لها , وهو الانتقال إلى ابن أم مكتوم الأعمى , فإنه لايراها إذا وضعت خمارها ( جلباب المرأة المسلمة صـــ 66) .

قلت: استدل الشيخ الألبانى من قول النبى صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضى الله عنها : فإنى أكره أن يسقط خمارك على أن الوجه ليس بعورة لأن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخمار ، والخمار هو ما تغطى به المرأة رأسها، والإستدلال بذلك فيه نظر , فقد ذكر النبى صلى الله عليه وسلم لفاطمة فى الحديث محظورين وهما سقوط الخمار وانكشاف الثوب عن ساقيها ،وأرى أن ذلك التحذير من النبى صلى الله عليه وسلم إنما هو على سبيل التنبيه فقط بذكر بعض ما لايجوز للمراة إظهاره، فحذر النبى صلى الله عليه وسلم من سقوط الخمار من على رأسها , وانكشاف الثوب عن ساقيها ، وسكت عن سائر مالايجوز للمرأة إظهاره كساعديها مثلا ، فالوجه فى الحديث مسكوت عنه، فهل يعد هذا من قبيل مفهوم الموافقة فيأخذ حكم الخمارأم من قبيل مفهوم المخالفة , فلايأخذ حكمه ؟ .

فما هو المفهوم , وحتى أقرب المسألة أقول إن للدليل منطوقا ومفهوما : فالمنطوق هو ما صرح به فى النص , أما المفهوم فهو مسكوت عنه ودل عليه اللفظ ، والمفهوم ينقسم إلى قسمين : مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة ، فمفهوم الموافقة هو أن يكون المسكوت عنه موافقا فى الحكم للمنطوق , وأما مفهوم المخالفة هو ما يكون المسكوت عنه مخالفا فى الحكم للمنطوق، فبالنظر إلى حديث فاطمة بنت قيس رضى الله عنها : المنطوق : هو الخمار الذى يغطى الرأس والشعر , والمسكوت عنه : هو النقاب الذى يغطى الوجه، ومن المعلوم أن الخمار واجب على المرأة , فهل النقاب يأخذ حكمه وهو الوجوب بدلالة مفهوم الموافقة أم لايأخذ حكمه فيبقى على الإباحة أو الإستحباب بدلالة مفهوم المخالفة ؟ وهذا سيأخذنا مرة ثانية إلى أصل الخلاف بين أهل العلم , فمن قال بوجوب النقاب – المسكوت عنه فى الحديث – اعتبره من مفهوم الموافقة يأخذ حكم الخمار , بل هو أولى , كما قال الشيخ التويجرى(انظر الصارم المشهور ص144 )، ومن قال بعدم وجوب النقاب اعتبره من مفهوم المخالفة، وهو ما كان المسكوت عنه مخالفا لحكم المنطوق به ، وهو الذى ذكر نحوه الشيخ الألبانى – كما سبق ذكره . فالقول بأن ذكر الخمار فى الحديث يعد دليلا لوجوب النقاب أو استحبابه . قول ليس مسلما به لأحد الفريقين , والله أعلم. 

وقفات مع الحديث : 1- فى قول النبى صلى الله عليه وسلم : اعتدى عند ابن أم مكتوم , فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده يقول ابن عبد البر :…. دليل على أن المرأة غير واجب عليها أن تحتجب من الرجل الأعمى ( وهذا يرد حديث نبهان مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وميمونة جالستان فاستأذن عليه أبن أم مكتوم الأعمى , فقال : احتجبا منه , فقلنا يارسول الله أليس بأعمى لايبصرنا ؟ قال : أفعمياوان أنتما لاتبصرانه. ففى هذا الحديث دليل على أنه واجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى , ويشهد له ظاهر قول الله عزوجل ( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ) ( النور : 31). فمن ذهب إلى حديث نبهان هذا احتج بما ذكرنا من الآية وقال : ليس فى حديث فاطمة أنه أطلق لها النظر إليه , وقال مكروه للمرأة أن تنظر إلى الرجل الأجنبى الذى ليس بزوج ولاذى محرم …. ومن ذهب إلى حديث فاطمة هذا على ظاهره دفع حديث نبهان عن أم سلمة وقال : نبهان مجهول … ( انظر التمهيد لابن عبد البر 19/154-155) .

قال ابن دقيق العيد : واختار بعض المتأخرين تحريم نظر المرأة إلى الأجنبى , مستدلا بقوله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ( النور 31) ثم قال ابن دقيق العيد : وفيه نظر , لأن لفظة من للتبعيض , ولاخلاف أنها إذا خافت الفتنة حرم عليها النظر , فإذن هذه حالة يجب فيها الغض فيمكن حمل الآية عليها ولاتدل الآية حينئذ على وجوب الغض مطلقا ( انظر إحكام الإحكام لابن دقيق العيد 2/192).

قلت: حديث نبهان عن أم سلمة رضى الله عنها …. أفعمياوان أنتما. فيه نبهان : وهو مولى أم سلمة , لم يذكروا فى الرواة عنه سوى الزهري ومحمد بن عبدالرحمن مولى آل طلحة ، وقال الدارقطنى فى رواية محمد بن عبدالرحمن : غير محفوظ وقال ابن حزم فى المحلى : لايوثق , وقال ابن عبدالبر : مقبول : أى حيث يتابع وإلا فهو لين , وقد تفرد بهذا الحديث، وقال الإمام أحمد : نبهان روى حديثين عجيبين …. وحديث أفعمياوان أنتما ، وقال الترمذى عن الحديث : حسن صحيح، وقد اختلف قول الحافظ فى هذا الحديث . فقال فى الفتح 1/550 ) هو حديث مختلف فى صحته , وقال فى موضع آخر 9/337: إسناده قوى , وأكثر ما علل به انفراد الزهري بالرواية عن نبهان , , وليس بعلة قادحة , فإن من يعرفه الزهري ويصفه بأنه مكاتب أم سلمة ولم يجرحه أحد , لاترد روايته ( انظر تحقيق مسند أحمد 44/73, 44/160) ( والحديث ضعفه الألبانى فى سنن الترمذى وغيره وكذلك ضعفه الأرناؤط فى مسند أحمد ) ومن قال بصحة الحديث قال بالجمع بينه وبين حديث فاطمة بنت قيس رضى الله عنها , قال الحافظ ابن حجر : والجمع بين الحديثين احتمال تقدم الواقعة ( حديث أفعمياوان أنتما ) أو أن يكون فى قصة الحديث الذى ذكره نبهان شئ يمنع النساء من رؤيته لكون ابن أم مكتوم كان أعمى , فلعله كان منه شئ ينكشف ولايشعر به. ويقوى الجواز ( اى نظر النساء للرجال عند أمن الفتنة ) استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين ( فتح البارى 9/337).

ومنهم من قال أن حديث نبهان خاص بأمهات المؤمنين فقط , لأن الله تعالى أمر ألا نكلمهن إلا من وراء حجاب , وسواء دخل عليهن الأعمى والبصير ( انظر تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة صـــ 328) .

2- هل فى أمر النبى صلى الله عليه وسلم لفاطمة بالاعتداد فى بيت أم مكتوم جواز المكث فى بيت رجل أجنبى وإن كان ضريرا ؟ قلت : أجاب العلماء عن ذلك بأن ذلك من باب أخف الضررين , لأن فاطمة لما طلقها زوجها ثلاثا لم يكن لها مأوى تأوى إليه , وأن ذلك ليس معناه جواز الخلوة بين رجل وامرأة.

وأنا أرى – والله أعلم – ان ابن أم مكتوم لم يكن يقيم بمفرده فى بيته , فمن البديهى أن الأعمى لايستطيع القيام بخدمة نفسه , وأنا لم أقف فى ترجمته أنه كان متزوجا، لكن أمه التى كان ينسب إليها وهى أم مكتوم : عاتكة بنت عبدالله بن عنكثة , من السابقين المهاجرين ( انظر سير أعلام النبلاء 1/360 ) ولم أقف على تاريخ وفاتها , فأغلب الظن أنه كان يقيم معها , لأنه لايجوز إقامة رجل مع امرأة بمفردهما لأحاديث منها : حديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لايخلون رجل بامرأة إلا مع ذى محرم ( متفق عليه ) وحديث عمر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لايخلون رجل بامراة إلا كان الشيطان ثالثهما ( مسند أحمد وغيره السلسلة الصحيحة ح430). وسيرد على ذلك سؤال , لماذا لم يذكر النبى صلى الله عليه وسلم فى كلامه لفاطمة بنت قيس رضى الله عنها أم مكتوم كما ذكر أم شريك رضى الله عنهما فقال اعتدى فى بيت أم مكتوم ؟.

أرى – والله أعلم – أن النبى صلى الله عليه وسلم خص بالذكر ابن أم مكتوم ليبين لفاطمة رضى الله عنها السبب الذى جعله صلى الله عليه وسلم يأمرها بالعدة عنده , بعد أن كان أمرها بالعدة عند أم شريك , لأنه أعمى , وبالتالى لن تجد حرجا لو تخففت من بعض ملابسها , فخص بالذكر العلة التى من اجلها غيرأمره لها , وأيضا لشهرة ابن أم مكتوم , فالجميع يعرفه فى المدينة رجال ونساء لأنه كان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يستخلفه على الصلاة فى بعض غزواته صلى الله عليه وسلم.والله أعلم.

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين )