حجاب المرأة المسلمة (2)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : فى الحلقة السابقة ذكرت نصيحة للمرأة المسلمة بالتزام أمر الله تعالى لها بالحجاب , وأن حجابها هو جزء من كل , هذا الكل هو منهج متكامل لإقامة المجتمعات الإسلامية . وأن الحجاب فريضة من الله تعالى على المرأة ليس لها فيه الخيار أن ترتديه أو لاترتديه , وأن ترك الحجاب كبيرة من الكبائر . ثم ذكرت شروط الحجاب الثمانية التى ينبغى أن تتوافر فى حجاب المرأة، وفى الشرط الأول من الشروط التى ينبغى توافرها فى حجاب المرأة المسلمة وهو :استيعاب جميع البدن . قلت إنى سأعود إلى هذا الشرط بالتحقيق والتفصيل , إذ كان الدافع لكتابة هذا البحث هو ما يقوله بعضهم الآن أن النقاب ليس له أصل فى الشرع وأنه عادة يهودية , وفى المقابل يقول آخرون بأن النقاب أجمع عليه العلماء والفقهاء من سلف الأمة ووصل الحال ببعض من كتب فى هذه المسألة أن نسب من قال بجواز كشف الوجه والكفين إلى البدعة والجهل والهوى !! وكالوا السهام كيلا للشيخ الألبانى – يرحمه الله- على أنه تفرد بهذا الرأى مخالفا ما أجمع عليه العلماء !! ونحن سنبحث هذه المسأله بهدوء وحسب ضوابط البحث العلمى , وهل كما قيل أن القول بجواز كشف الوجه والكفين ليس له أصل عند السلف , وأن هذا هو كلام الشيخ الألبانى وبعض علماء مصر وسوريا فقط .

أولا : آيات الحجاب : نذكرها حسب ترتيبها فى المصحف , ووننقل أقوال أئمة التفسير حول هذه الآيات 1- من سورة النور : قال الله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ( النور : 31 ) وسنركز على قوله تعالى: (إلا ما ظهر منها) إذ هو موضع البحث

” أقوال قدامى المفسرين فى الآية : تفسير مقاتل بن سليمان ( ت 150هـ ) وهو أقدم تفسير مطبوع بين أيدينا ) قال عن قوله تعالى : إلا ما ظهر منها : يعنى الوجه والكفين ( انظر تفسير مقاتل بن سليمان 3/196 ) .

تفسير ابن وهب ( ت 197هـ ) قال : أخبرنى جرير بن حازم قال سمعت محمد بن سيرين قال : سألت عبيدة السلمانى عن قول الله ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ), قال : وأخذ عبيدة ثوبه فتقنع به وأخرج إحدى عينيه ( وهذا الأثر صحيح وسنعود إليه عند تفسير الإدناء ) ( انظر تفسير القرآن من الجامع لابن وهب 2/40 ) . تفسير يحي بن سلام ( ت 200هـ ) ذكر بسنده عن ابن مسعود رضى الله عنه قال ( إلا ما ظهر منها ) : قال : الثياب وذكر عن الحسن مثل ذلك . ثم ذكر بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما قال ( ما ظهر منها ) قال : الكحل والخاتم وعن قتادة مثل ذلك وقال السدى : ( إلا ما ظهر منها ) : يعنى : إلا ما بدا فى الوجه والكفين ( انظر تفسير يحيى بن سلام 1/440) .

تفسير عبد الرزاق ( ت 211هـ ) قال : عن معمر عن قتادة فى قوله تعالى : ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال : المسكتان (السواران ) , والخاتم والكحل وذكر بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما فى قوله تعالى : ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال : هو الكف , والخضاب , والخاتم , ونقل عن الزهري : قال يرى الشئ من دون الخمار , فأما أن تسلخه فلا ( انظر تفسير عبد الرزاق , 2/433 – 435 ).

تفسير الطبرى شيخ المفسرين ( ت 310هـ ) , قال عن قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) وذلك مختلف فى المعنى منه بهذه الآية , فكان بعضهم يقول : هى الثياب الظاهرة وذكر بأسانيده من قال ذلك عن ابن مسعود , وإبراهيم النخعى والحسن ثم قال : وقال آخرون : الظاهر من الزينه التى أبيح لها أن تبديها الكحل , والخاتم , والسواران ( الكفان ) , والوجه , وذكر من قال ذلك : ابن عباس , سعيد بن جبير , عطاء , قتادة , مجاهد , عامر , ابن زيد , الأوزاعى , الضحاك وقال آخرون : الوجه والثياب وذكر من قال ذلك : الحسن ثم رجح الطبرى قول من قال إن ما ظهر منها تعنى الوجه والكفين , فقال : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال : عنى بذلك : الوجه والكفان , يدخل فى ذلك إذا كان كذلك : الكحل , والخاتم , والسوار , والخضاب ( انظر تفسير الطبرى 19/155 -159 ) وسنقف على تفسير الطبرى ومع أسانيده التى ذكرها عن السلف , وهى مرويات كثيره , سنكتفى بالوقوف على الصحيح أو الحسن منها وعدم ذكرالضعيف أ- حدثنى يونس ( ابن عبد الأعلى ) قال أخبرنى بن وهب ( عبدالله بن وهب ) قال أخبرنى الثورى ( سفيان ) عن أبى إسحاق الهمدانى ( السبيعى ) عن أبى الأحوص ( عوف بن مالك ) عن عبدالله ( بن مسعود ) أنه قال : ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال : هى الثياب ( وهذا إسناد صحيح رواته أئمة ثقات ) , وسنكتفى على هذه الرواية عن ابن مسعود رضى الله عنه , مع وجود روايات أخرى صحيحة أن الزينة هى الثياب ) ب- حدثنا سفيان (الثورى) , عن علقمة ( ابن مرثد الحضرمى ) عن إبراهيم ( النخعى ) فى قوله : إلا ما ظهر منها ) قال : الثياب ( وهذا إسناد صحيح ) 

ج- حدثنا ابن بشار ( بندار ) قال ثنا ابن أبى عدى ( محمد بن إبراهيم ابن أبى عدى ) عن سعيد ( ابن جبير ) عن قتادة قال : الكحل والسواران والخاتم ( وهذا إسناد صحيح ) 

د- حدثنا يونس ( ابن عبد الأعلى ) قال أخبرنا ابن وهب : قال : قال ابن زيد ( جابر بن زيد أبو الشعثاء ) فى قوله : ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) من الزينة , الكحل والخضاب والخاتم , هكذا كانوا يقولون , وهذا يراه الناس ( وهذا إسناد صحيح )

هـ حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا المعتمر , قال : قال يونس ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) قال الحسن : الوجه والثياب ( وهذا إسناد صحيح صححه الألبانى فى حجاب المرأة المسلمة لابن تيمية ) .

تفسير الزجاج ( ت 311هـ ) : قال : التى تظهر هى الثياب والوجه ( انظر معانى القرآن وإعرابه 4/39 ) .

تفسير ابن أبى حاتم ( ت 327هـ ) ( إلا ما ظهر منها ) ذكر عن ابن عباس أنها الوجه والكفين , قال : وروى عن ابن عمر , وعطاء بن أبى رباح , وسعيد بن جبير , وإبراهيم النخعى , والضحاك , وعكرمة و أبى صالح , وزياد بن أبى مريم نحو ذلك . ونقل عن ابن مسعود أنها : الرداء : قال : وروى عن الحسن , وابن سيرين , وأبى صالح ما هان فى إحدى الروايات , وابى الجوزاء , وإبراهيم فى إحدى الروايات نحو ذلك ( انظر تفسير ابن أبى حاتم 8/2574-2575 ) تفسير الماتريدى : ت 333هـ : ذكر عن ابن مسعود : الرداء والثياب , وعن ابن عباس : الكحل والخاتم , وفى رواية : الكف والوجه ثم قال مرجحا قول من قال : الوجه والكفين وقال: ونرى – والله أعلم – أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع فى قلب الرجل من ذلك شهوة , فإذا وجد لذلك شهوة , ولم يأمن أن يؤدى به ذلك إلى ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح – ثم قال : وأحسن للشابة وافضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال , ليس لأن ذلك حرام وإليها معصية , ولكن لما يخاف فى ذلك من حدوث الشهوة ووقوع الفتنة بها ثم قال ( جائز أن يكون قوله ( إلا ما ظهر منها ) إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة , واما على غير الحاجة فلايباح ( انظر تفسير الماتريدى 7/543-550 ) .

تفسير الماوردى : ت 450هـ : فى قوله تعالى ( ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) ثلاثة أقاويل : أحدها : انها الثياب , قاله ابن مسعود رضى الله عنه , الثانى : الكحل والخاتم , قاله ابن عباس والمسور بن مخرمة رضى الله عنهم الثالث : الوجه والكفان , قاله الحسن , وابن جبير , وعطاء , انظر تفسير الماوردى 4/90-91 ) .

تفسير البغوى ( ت 510 هـ ) قوله تعالى : إلا ما ظهر منها ) أراد به الزينة الظاهرة , اختلف أهل العلم فى هذه الزينة الظاهرة التى استثناها الله تعالى , قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعى : هو الوجه والكفان , وقال ابن مسعود : هى الثياب بدليل قوله تعالى : خذوا زينتكم عند كل مسجد ( الأعراف : 31 ) وأراد بها الثياب وقال الحسن : الوجه والثياب , وقال ابن عباس : الكحل والخاتم والخضاب فى الكف … ثم قال : وإنما رخص فى هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه فى الصلاة , وسائر بدنها عورة يلزمها ستره ( انظر تفسير البغوى 3/403) .

تفسير العز بن عبد السلام ت 660هـ ) قال : إلا ما ظهر منها ) : الثياب أو الكحل والخاتم أو الوجه والكفان ( انظر تفسير العز بن عبد السلام 2/398هـ ) .

تفسير القرطبى ت 671هـ : قال عن قوله تعالى : (إلا ما ظهر منها ) : واختلف الناس فى قدر ذلك , فقال ابن مسعود : ظاهر الزينة الثياب , وزاد ابن جبير الوجه , وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعى : الوجه والكفان والثياب , وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة : ظاهر الزينة هو الكحل والسوار … ثم نقل عن ابن عطية قوله : ووقع الإستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لابد منه , أو إصلاح شأنه ونحو ذلك ف( ما ظهر منها ) على هذا الوجه مما تؤدى إليه الضرورة فى النساء فهو المعفو عنه . ثم قال القرطبى هذا قول حسن , إلا انه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك فى الصلاة والحج , فيصلح أن يكون الإستثناء راجعا إليهما ( انظر تفسير القرطبى 12/228-230 ).

تفسير ابن كثير ( ت 774هــ ) ذكر القولين أيضا عن ابن مسعود : أنها الثياب ( وبقوله قال الحسن وابن سيرين وأبوالجوزاء وإبراهيم النخعى وغيرهم ) وعن ابن عباس : الوجه والكفين والخاتم ( قال وروى عن ذلك عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبى الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعى وغيرهم ) ونحو ذلك ثم قال ابن كثير : ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ( إلا ما ظهر منها ) بالوجه والكفين , وهذا هو المشهور عند الجمهور ( انظر تفسير ابن كثير 6/45 ) .

وهذه أقوال بعض قدامى المفسرين فى تفسير قوله تعالى ( إلا ما ظهر منها ) . وقد رأينا أنهم حكوا الخلاف فى المسألة بداية من الصحابة والتابعين , ولم أذكر بالطبع كل التفاسير , فهذا أمر يطول , لكنها تتشابه مع ما ذكرت من كتب التفسير . 

وسبب الخلاف – من وجهة نظرى – ان الآية ليست قطعية الدلالة , فى وجوب ستر الوجه أو جواز كشفه , لذا فقد احتج بها صاحب كل قول وخلاصة ما ذكر فى كتب التفسير حول هذه الآية ثلاثة أقوال 1- أنها الثياب 2- أنها الوجه والكفان 3- أنها الثياب والوجه , وأصحاب القول الأول يقولون بوجوب النقاب وأصحاب القولين الآخرين يقولون باستحبابه .

والبحث ما زال متصلا , وسنعرض لكل دليل بالتفصيل بإذن الله تعالى . وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين