الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال الحديث موصولا – بفضل الله تعالى – حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , تكلمنا عن آيات الحجاب ثم انتقلنا إلى الأحاديث , ووصلنا إلى الحديث الثالث عشر فى البحث – وهو حديث ابن عباس رضى الله عنهما الذى فيه … فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين , فقالت : لم يارسول الله … ( الحديث ) فاستدل بالحديث القائلون بجواز كشف الوجه والكفين , وإلا كيف وصفت المرأة بأنها سفعاء الخدين . وأجاب الذين قالوا بعدم جواز كشف الوجه والكفين بردود منها : 1- أحتمال أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء اللاتى يجوز لهن كشف الوجه 2- أحتمال أن تكون هذه القصة ( الحديث ) قبل نزول آيات الحجاب . 3- احتمال أن يكون انحسر جلبابها أو نقابها عن وجهها بفعل الهواء 4- تفرد جابر رضى الله عنه – ممن روى الحديث – بوصف وجه المراة 5- صغر سن ابن عباس وبلال كان عبدا , وبالتالى لاحرج عليهما فى رؤية وجه المرأة،لأنهما كانا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم. 6- لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى المرأة وهى كاشفة عن وجهها وأقرها على ذلك.
قلت : 1- أما الاحتمال الأول : فقد أجبت عنه فى العدد السابق , ونقلت كلام الحافظ ابن حجر فى احتمال أن تكون هى اسماء بنت عميس رضى الله عنها , وهى ليست من القواعد . قلت وإن لم تكن هى أسماء بنت عميس , فيبقى الحديث على الاحتمال , هل هى من القواعد أم من غيرهن ؟ 2- الاحتمال الثانى : أن الحديث كان قبل نزول آيات الحجاب , وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ القصة ومتى كانت موعظة النبى صلى الله عليه وسلم للنساء , وفى أى عيد فطر كانت هذه الموعظة ؟ ورأينا رد الشيخ الألبانى على هذا الاحتمال مستدلا بحديث أم عطية رضى الله عنها لما أمر النبى صلى الله عليه وسلم النساء بالخروج إلى صلاة العيد، وقد سألت : إحدانا لايكون لها جلباب فقال النبى صلى الله عليه وسلم لتلبسها أختها من جلبابها,. فاستدل الشيخ من الحديث على أن المرأة كانت تخرج إلى صلاة العيد فى جلبابها , وبالتالى فهذا الحديث كان بعد نزول آيات الحجاب ثم ذكر حديث مبايعة عمر رضى الله عنه للنساء – لما أمره النبى صلى الله عليه وسلم بذلك – وانه بايعهن من وراء الباب , وفى الحديث أنه أمرهن بالخروج إلى صلاة العيد وان المبايعة كانت بعد صلح الحديبية الذى وقع فى سنة 6 من الهجرة , أى بعد نزول آيات الحجاب التى نزلت سنة ثلاثة وقيل خمسة من الهجرة . قلت : لكن ما قاله الشيخ الألبانى – يرحمه الله – قد يرد عليه : أن الاستدلال بخروج المرأة إلى صلاة العيد بالجلباب , وبالتالى فإن ذلك كان بعد نزول آيات الحجاب ( يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما ) ( الأحزاب : 59 ) يحتاج إلى معرفة هل كانت المرأة لاتخرج بالجلباب قبل نزول هذه الاية ؟ أم أن الجلباب كان معروفا لدى النساء عند خروجهن , وجاءت الآية تأمرهن بإدناء الجلابيب إذا خرجن ؟ لا شك أن الجلباب كان معروفا قبل الإسلام ،فقد قالت جنوب أخت عمرو ذى الكلب ترثيه : تمشى النسور إليه وهى لاهيه مشى العذارى عليهن الجلابيب . وجنوب شاعرة من شاعرات الجاهلية , وقد ذكرت الجلابيب فى قصيدتها عندما رثت أخاها عمرو بمرثية أولها : كل امرئ بمحال الدهر مكذوب. وكل من غالب الأيام مغلوب ( انظر لسان العرب 1/272 , شاعرات العرب فى الجاهلية والإسلام صــ 99 ) وجاء الإسلام ليؤكد على خروج المرأة بجلبابها وأمرها ان تدنيه عليها إذا خرجت،فلا تظهر شيئا من محاسنها ،وكذلك لتتميز المرأة الحرة العفيفة بزيها .
والحديث الثانى الذى استدل به الشيخ الالبانى على أن الأمر للنساء بالخروج إلى العيد كان فى قصة مبايعة عمر رضى الله عنه للنساء – وذلك بعد نزول آيات الحجاب – وبالتالى فإن الأمر للنساء بالخروج لصلاة العيد كان بعد نزول آيات الحجاب , وهذا يرد عليه بأن الأمر هنا للمبايعات وهن اللواتى هاجرن بعد صلح الحديبية – أى بعد نزول آيات الحجاب – لكن ذلك لايستدعى أن يكون الأمر لهن بالخروج لصلاة العيد هو بداية الأمر لعموم النساء بالخروج لصلاة العيد , بل غاية ما فيه أن أمر للمبايعات – المسلمات المهاجرات – من مجموعة أوامر ونواهى أخذت عليهن عند المبايعة , كالنهى عن الشرك والزنا والنياحة … إلى غير ذلك . 3- الإحتمال الثالث : أن يكون انحسر جلبابها عن وجهها بفعل الهواء وهذا يبقى مجرد احتمال لادليل عليه , وعادة المرأة المنتقبة إذا انحسر نقابها عن وجهها أن تسارع بإعادته على وجهها ،فلا يتمكن الناظر من النظر المتأمل الذى يصف فيها تغييرا فى خديها عن باقى وجهها .4- الاحتمال الرابع : تفرد جابر رضى الله عنه – ممن رووا الحديث – بوصف وجه المرأة قلت : نعم تفرد جابر رضى الله الله عنه بوصف وجه المرأة فى قصة صلاة العيد , وليس في ذلك إشكال فهو وصف ما رآه ،لكن رؤية وجه المراة ووصفه بذات وصف جابر رضى الله عنه , ورد عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه , وإن كان فى قصة أخرى ،فعن ابى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ألا عسى أحدكم ان يخلو بأهله ثم يغلق بابا ثم يرخى سترا , ثم يقضى حاجته , ثم إذا خرج حدث أصحابه ذلك , ألا عسى إحداكن أن تغلق بابها وترخى سترها فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها . فقالت امرأة سفعاء الخدين … الحديث ( رواه البزار وقال الألبانى : حسن لغيره , انظر صحيح الترغيب 2/ 453 – 454 ) وورد فى رواية لهذه القصة أن النساء كن قعود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم , يعنى لم يكن فى الخلاء لصلاة العيد , فالإحتمال أن الهواء حسر الجلباب عن وجهها – كما قيل فى صلاة العيد – يكون بعيدا , هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى , فإن أبا سعيد رضى الله عنه يصف وجه المتحدثة من النساء كما وصفه جابر رضى الله عنه .فلو كان يحرم على المرأة أن تظهر وجهها – بفرض انحسار الجلباب بفعل الهواء كما قيل فى صلاة العيد , فهل يليق بجابر ولابي سعيد رضي الله عنهما أن يصفا وجه امرأة فى حديث عام يحدثان به يصف به وجه امرأة مسلمة ،وإن كانت لم تسم فى الرواية , لكن هناك من العلماء من عينها وقال ربما تكون اسماء بنت يزيد – كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر وذكرت ذلك بالمقالة السابقة – 5- الاحتمال الخامس : صغر سن ابن عباس , وبلال كان عبدا، فهذا يرد عليه بأن ابن عباس كان مميزا , وبلال أعتقه أبو بكر رضى الله عنه عندما اشتراه فكان حرا رضى الله عنه، وهذا الاحتمال معناه أنه لاحرج عليهما فى رؤية النساء كاشفات الوجوه عندما ذهبن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمصلى النساء فى العيد , وهذا يعنى أن النساء كن كاشفات الوجوه عندما ذهب إليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال وابن عباس وإلا فما دلالة القول بصغر سن ابن عباس وعبودية بلال ؟ 6- الاحتمال السادس : أنه لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى هذه المرأة سفعاء الخدين كاشفة عن وجهها وسكت فكان ذلك إقرارا منه لفعلها ،وبالتالى فلا حجة فيه لمن لمن قال بجواز كشف الوجه . وهذا أيضا – يبقى مجرد احتمال : هل رآها النبى صلى الله عليه وسلم أو لم يرها ؟ مع أن الأقرب للاحتمالين هو رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لها , فكيف وهى توجه الكلام له , ولاشك أن من يوجه إليه الكلام ينظر إلى من يكلمه , فيستبعد رؤية جابر رضى الله عنه للمتحدثة ولا يراها النبى صلى الله عليه وسلم وهى توجه الكلام له .والله أعلم .
الحديث الرابع عشر : عن ابن عباس رضى الله عنهما عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما قال : ان امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ( يوم النحر ) والفضل ابن عباس رضى الله عنهما رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الفضل رجلا وضيئا , فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها , وكانت امرأة حسناء وفى رواية وضيئة , وفى رواية فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ( وتنظر إليه ) فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر , فقالت : إن فريضة الله أدركت أبى شيخا كبيرا لايثبت على الراحلة , أفأحج عنه ؟ قال : نعم , وذلك فى حجة الوداع ؟ وفى رواية , فقال له العباس رضى الله عنه : يا رسول الله , لم لويت عنق ابن عمك ؟ قال : رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما ، وفى رواية قال الفضل رضى الله عنه : فكنت أنظر إليها , فنظر النبى صلى الله عليه وسلم فقلب وجهى عن وجهها , ثم أعدت النظر , فقلب وجهى عن وجهها ،حتى فعل ذلك ثلاثا وأنا لا أنتهى وفى رواية : فأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها ( الحديث فى الصحيحين وغيرهما انظر رواياته فى جلباب المرأة المسلمة صــ 62 ) ) . الاستدلال من الحديث : لمن قال بجواز كشف الوجه : قال ابن حزم : فلو كان الوجه عورة يلزم ستره , لما أقرها عليه السلام على كشفه بحضرة الناس , ولأمرها أن تسبل عليه من فوق , ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هى أم شوهاء , فصح كل ما قلناه يقينا والحمد لله كثيرا ( المحلى ( 2/247 ) وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
