الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال حديثنا متصلا – بفضل الله تعالى – حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة , تكلمت عن آيات الحجاب وانتقلت إلى الأحاديث ونواصل البحث .
الحديث الثالث عشر : عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعد , فنزل نبى الله صلى الله عليه وسلم فكأنى أنظر إلى حين يجلّس الرجال بيده , ثم أقبل يشقهم , حتى أتى النساء مع بلال , فقال : (ياأيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لايشركن بالله شيئا ولايسرقن ولا يزنين ولايقتلن أولادهن ولايأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) ( الممتحنة : 12 ) حتى فرغ من الآية كلها , ثم قال حين فرغ : أنتن على ذلك ؟ فقالت امرأة واحدة , لم يجبه غيرها : نعم يارسول الله – لايدرى الحسن من هى ( الحسن بن مسلم أحد رواة الحديث ) قال : فتصدقن , وبسط بلال ثوبه , فجعلن يلقين الفتخ( الخواتيم العظام وقد تلبس فى أصابع الرجلين ) والخواتيم فى ثوب بلال ) ( متفق عليه ) – وفى رواية للبخارى : …فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه …. وفى رواية مسلم للحديث عن جابر رضى الله عنه : …. فقامت امرأة من سطة النساء ( من أوساطهن حسنا ونسبا ) سفعاء الخدين ( فيهما تغير وسواد ) فقالت : لما يا رسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن الشكاة ( الشكوى )وتكفرن العشير ..
الاستدلال من الحديث: أولا : لمن قال بجواز كشف الوجه والكفين :– قال ابن حزم معلقا على حديث ابن عباس رضى الله عنهما فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى أيديهن , فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا عورة , وما عداهما ففرض عليها ستره ( انظر المحلى 2/ 248 ) .
وقال الشيخ الألبانى : والحديث واضح الدلالة على ما من أجله أوردناه ( وهو جواز إظهار الوجه والكفين ) وإلا لما استطاع الراوى أن يصف تلك المرأة بأنها سفعاء الخدين ( جلباب المراة المسلمة صـــ 60 الهامش ) وقال : فإنه مما لاشك فيه عند العلماء أن إقراره صلى الله عليه وسلم المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل على الجواز , وإذا كان الأمر كذلك , فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأتى ما يدل على نسخه ورفعه , ونحن ندعى أنه لم يأت شئ من ذلك هنا بل جاء ما يؤيد بقاؤه واستمراره كما سترى ،فمن ادعى خلاف ذلك فهو الذى عليه أن يأتى بالدليل الناسخ وهيهات هيهات ( جلباب المرأة المسلمة صـــ 76 ) .
ثانيا : من قال بعدم جواز كشف الوجه والكفين : قال الشيخ ابن عثيمين عن الحديث : … فإما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتى لايرجون نكاحا , فكشف وجهها مباح , ولايمنع وجوب الحجاب عن غيرها أو يكون قبل نزول آية الحجاب , فإنها كانت فى سورة الأحزاب سنة خمس او ست من الهجرة ،و صلاة العيد شرعت فى السنة الثانية من الهجرة ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صــ 47 ) ،وكذلك قال الشيخ السندى : …. وقد تكون من القواعد …. أو كانت هذه القصة قبل نزول الحجاب ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صــ 93 ) .
وقال الشيخ التويجرى : واما حديث جابر رضى الله عنه فليس فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى تلك المرأة سافرة بوجهها وأقرها على ذلك , حتى يكون فيه حجة لأهل السفور . وغاية ما فيه أن جابرا رضى الله عنه رأى وجه تلك المرأة , فلعل جلبابها انحسر عن وجهها بغير قصد منها فرآه جابر وأخبر عن صفته , ومن ادعى أن النبى صلى الله عليه وسلم قد رآها كما رآها جابر وأقرها فعليه الدليل . ومما يدل على أن جابرا رضى الله عنه قد انفرد برؤية وجه المرأة التى خاطبت النبى صلى الله عليه وسلم أن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد الخدرى رضى الله عنهم رووا خطبة النبى صلى الله عليه وسلم وموعظته للنساء , ولم يذكر واحد منهم ماذكره جابر رضى الله عنه من سفور تلك المرأة وصفة خديها … وهذا يقوى القول بأن جابر رضى الله عنه قد انفرد برؤية وجه تلك المرأة ورؤيته لوجهها لاحجة فيه لأهل التبرج والسفور , لأنه لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رآها سافرة بوجهها وأقرها على ذلك , وعلى تقدير أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم قد رآها واقرها على السفور , فذلك محمول على إحدى حالتين : إما أن يكون ذلك قبل الأمر للنساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن وان يدنين عليهن من جلابيبهن , وإما أن تكون تلك المرأة من القواعد اللاتى لايرجون نكاحا ( انظر الصارم المشهور صـــ 117-118 ).
مناقشة استدلالات الفريقين : الحديث فيه وصف لوجه المرأة السائلة , أما رؤية أياديهن وهن يتصدقن بالذهب , فارتداء القفازين لايمنع من إطلاق اليدين عليهما , هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى أنه يتسامح فى اليدين عند المناولة وإمساك الأشياء مالايتسامح فى الوجه , فيبقى الكلام على كشف الوجه . وهذا يرد عليه احتمالان : الأحتمال الأول : أن تكون هذه المرأة من القواعد من النساء التى يجوز لها كشف وجهها . الاحتمال الثانى : أن تكون هذه القصة قد وقعت قبل نزول آية الحجاب.
أولا : الأحتمال الأول : لايخفى أن هذا الإحتمال يحتاج إلى اثبات ومعرفة من هذه المرأة التى تحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , لنعلم هل هى من القواعد ام ليست منهن ؟ يقول الحافظ ابن حجر : ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يختلج فى خاطرى أنها أسماء بنت يزيد بن السكن التى تعرف بخطيبة النساء , فإنها روت اصل هذه القصة فى حديث أخرجه البيهقى والطبرانى وغيرهما عن طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى النساء وانا معهن , فقال : يا معشر النساء إنكن أكثر حطب جهنم , فناديت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت عليه جريئة : لم يا رسول الله ؟ قال : لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير … الحديث : فلايبعد أن تكون هى التى أجابته أولا ( بنعم ) , فإن القصة واحدة , فلعل بعض الرواة ذكر مالم يذكره الآخر كما فى نظائره … وقد روى الطبرانى من وجه آخر عن أم سلمة الأنصارية وهى أسماء المذكورة أنها كانت فى النسوة اللاتى أخذ عليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ … الحديث ( انظر فتح البارى 2/468 ) .
فإن كانت هى أسماء بنت يزيد , على ما رجح الحافظ ابن حجر , فإن أسماء بنت يزيد لم تكن من القواعد من النساء . فقد جاء فى ترجمتها : أنها شهدت اليرموك وقتلت يومئذ تسعة من الروم بعمود فسطاطها , وعاشت بعد ذلك دهرا ( انظر الإصابة فى تمييز الصحابة للحافظ ابن حجر 8/21-22) وإن لم تكن صاحبة السؤال هى اسماء بنت يزيد كما رجح الحافظ ابن حجر , فيبقى الأحتمال الأول وهو كونها من القواعد , مجرد احتمال غير ثابت ويرد عليه أنها من الممكن أن تكون من غير القواعد وبالتالى تطرق الأحتمال إلى استدلال الفريقين , وكما هو مقرر فإن النص إذا تطرق إليه الإحتمال سقط به الإستدلال .
الاحتمال الثانى : ان تكون هذه القصة وقعت قبل نزول آية الحجاب . وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ موعظة النبى صلى الله عليه وسلم للنساء , هل كانت قبل نزول الحجاب وبالتالى يصح قول من قال أن هذا الحديث كان قبل الحجاب , وبالتالى فلاحجة فيه لجواز كشف الوجه., فهل نستطيع أن نقف على تاريخ هذا الحديث ؟ .
يقول الشيخ الألبانى عن احتمال أن يكون هذا الحديث وقع قبل الحجاب: وجوابنا عليه من وجهين : الأول : أن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الحجاب وقد حضرنا فى ذلك حديثان : الأول : حديث أم عطية رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد . قالت أم عطية : إحدانا لايكون لها جلباب . قال : لتلبسها أختها من جلبابها ( متفق عليه ) ففيه دليل أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد فى جلابيبهن , وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت محتجبة , ويؤيده الحديث الآتى , وهو : الحديث الثانى : حديثها أيضا ( أم عطية رضى الله عنها ) قالت : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع نساء الأنصار فى بيت ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب , فقام على الباب , فسلم عليهن , فرددن السلام , فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقلن : مرحبا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبرسوله , فقال : تبايعن على أن لاتشركن بالله شيئا ولاتسرقن ولاتزنين ولاتقتلن أولادكن ولاتأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين فى معروف ؟ فقلن : نعم . فمد عمر يده من خارج الباب ومددن أيديهن من داخل , ثم قال : اللهم اشهد , وامرنا أن نخرج فى العيدين العتّق والحيّض , ونهينا عن اتباع الجنائز , ولاجمعة علينا , فسألته عن البهتان , وعن قوله : ( ولايعصينك فى معروف ) ؟ قال هى : النياحة ( حسنة الألبانى فى جلباب المرأة المسلمة ، وقال الأرناءوط فى تعليقه على المسند عن الحديث : حديث صحيح ( المتن ) دون ذكر عمر فيه , وهذا إسناد ضعيف ( انظر مسند أحمد 34/394- 395 ) ووجه الاستشهاد به إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء (يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لايشركن بالله شيئا) ( الممتحنة : 12 ) إنما نزلت يوم الفتح . ونزلت بعد آية الأمتحان … وفى البخارى عن المسور أن آية الأمتحان نزلت فى يوم الحديبية وكان ذلك سنة ست على الصحيح , كما قال ابن القيم فى ( الزاد ) وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاثة وقيل خمس حين بنى صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش . فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض الجلباب , ويؤيده فى حديث عمر أنه لم يدخل على النساء وإنما بايعهن من وراء الباب , وفى هذه القصة أبلغهن أمر النبى صلى الله عليه وسلم النساء بأن يخرجن للعيد , وكان ذلك فى السنة السادسة عقب رجوعه صلى الله عليه وسلم من الحديبية بعد نزول آية الإمتحان والبيعة , كما تقدم . وبهذا تعلم معنى قول أم عطية فى اول حديثها الثانى : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة , أى من الحديبية , ولاتعنى قدومه إليها من مكة مهاجرا , كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة ( انظر جلباب المرأة المسلمة صــ 74-76 ) وللحديث بقية والحمد لله ورب العالمين
