حجاب المرأة المسلمة (15) 

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده , وبعد : ما زال حديثنا متصلا – بفضل الله تعالى حول أدلة الحجاب من القرآن والسنة ، تكلمت عن آيات الحجاب وانتقلت إلى الأحاديث , ووصلت إلى الحديث الثانى عشر من أدلة الحجاب , وهو الحديث العمدة عند من قال بجواز كشف الوجه والكفين للمرأة حديث عائشة رضى الله عنها : … يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه . لذا فقد توقفت عنده كثيرا لأهميته فى البحث , فمن ناحية سنده رأينا أن حديث أبى داوود فيه خمس علل , وان حديث البيهقى إسناده ضعيف وأن علته ابن لهيعة – وحررت أقوال أهل العلم فى شأنه – ثم تكلمت عن أثر قتادة المرسل , وهل يحتج به أم لا ؟ وبينت مذاهب العلماء فى الإحتجاج بالمرسل . ووصلنا فى البحث إلى قول بعض أهل العلم الذين قالوا : وعلى تقدير صحة الحديث فإنه يحمل على ما قبل الحجاب , فيكون منسوخا بالآثار التى وردت عن تغطية الوجه حال الإحرام .

وسأنتقل فى البحث إلى القول بالنسخ , مبينا ماهيته وضوابطه وغير ذلك.

أولا : – تعريف النسخ : هو رفع حكم شرعى بدليل شرعى متراخ ( متأخر عنه ) .

ثانيا : كيف يعرف النسخ : يعرف النسخ بأمور : 1- دلالة اللفظ عليه صراحة :ا- مثال ذلك من القرآن : قوله تعالى : الآن خفف الله عنكم ( الأنفال : 66 ) وذلك فى نسخ مصابرة الواحد بمائة فى القتال ب- ومن السنة كما بحديث النبى صلى الله عليه وسلم : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث فأمسكوا ما بدالكم , ونهيتكم عن النبيذ إلا فى سقاء فاشربوا فى الأسقية كلها , ولاتشربوا مسكرا ( صحيح مسلم ) ج .وفى أقوال الصحابة : كتصريح الصحابى بالنسخ : كقول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : كان فيما أنزل من القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات , فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ القرآن ( صحيح مسلم ) ( فائدة : قول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها : توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن ليس معناه على ظاهره – كما يظن – وإنما معناه قرب عهد النسخ من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى صار بعض الصحابة الذين لم يبلغهم النسخ يقرأه على أنه لم ينسخ , فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن قراءته , وأجمعوا على أن هذا لايتلى . وهذا قسم من أقسام النسخ : وهو نسخ التلاوة وبقاء الحكم , ونظير ذلك نسخ آية رجم الزانى المحصن وبقاء الحكم ( انظر معالم السنن للخطابى 3/188, وشرح النووى على مسلم 10/ 29 ) 2- قرينة فى سياق النص : كقوله صلى الله عليه وسلم : خذوا عنى قد جعل الله لهن سبيلا .. الحديث صحيح مسلم ) : فهذا يشير إلى المنسوخ وهو قوله تعالى : واللاتى يأتين الفاحشة .. ( النساء : 15 )

3- بمعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ : أى المتقدم والمتأخر , وهذا من الصعوبة بمكان إن لم يوجد صريحا فى النص , لأن الصحابة يروى بعضهم عن بعض , فيروى المتأخر إسلامه عن المتقدم إسلامه , دون أن يصرح بمن تحمل عنه الحديث وهذا لايقدح فى صحة الحديث , لأن الصحابة كلهم عدول , كما هو مقرر عند أهل العلم , ومما يندرج تحت هذا : أن الأحكام الواقعة فى حجة الوداع أو بعدها مما يعارض أحكاما غير معلومة التاريخ , فما ورد فى تلك الحجة أو بعدها ناسخ لتلك الأحكام , لأن فى تلك الحجة كمال الدين .

4- بالإجماع على أن هذا الحكم منسوخ : كنسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بصوم شهر رمضان ( انظر الفصول فى الأصول 2/282 – 292 ) .

ثالثا : القاعدة أن الأصل عدم النسخ : وعلى من يقول بالنسخ أن يأتي بالدليل على دعواه .

رابعا : هل ما ورد عن عائشة وأسماء رضى الله عنهما أنهن كن يخمرن وجوههن وهن محرمات , ناسخ لحديث عائشة رضى الله عنها – مع تقدير صحتة – كما ذكر ذلك بعض أهل العلم . قلت : هذا من القسم الذى يعرف ناسخه من منسوخه بالتاريخ , بالمتقدم والمتأخر , فنحن نحتاج إلى :أولا : معرفة تاريخ حديث عائشة رضى الله عنها الذى فيه : يا اسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا واشار إلى وجهه وكفيه ثانيا : معرفة تاريخ آثار عائشة وأسماء رضى الله عنهما.

قلت إن أثر عائشة رضى الله عنها : كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه ( اخرجه أبو داوود وغيره ) وهو ضعيف لكن له شاهد من حديث فاطمة بنت المنذر أنها قالت : كنا نخمر وجوههنا ونحن محرمات مع أسماء بنت ابى بكر الصديق رضى الله عنها ( موطأ مالك / إسناده صحيح ) وأثر عائشة رضى الله عنها – مع تقدير تحسينه بشواهده يتعلق بأمهات المؤمنين , والنقاب واجب فى حقهن بإجماع , وإنما البحث فى غيرهن من النساء . وقد صح عنها انها قالت : المحرمة تلبس من الثياب ماشاءت إلا ثوبا مسه ورد أو زعفران , ولاتتبرقع ولاتلثم , وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت ( أخرجه البيهقى فى سننه وإسناده صحيح وسبق الكلام عنه فى المقالات السابقة ) فكلام عائشة لغيرها من أمهات المؤمنين إن أسدال الثوب على الوجه ليس على سبيل الإلزام , وإلا لما قالت إن شاءت فيدل على الجواز أو الإستحباب , لكن لايرقى إلى الوجوب . واُثر فاطمة بنت المنذر عن تغطية وجهها مع أسماء رضى الله عنها قرينة لمن قال بالنسخ , وذلك لأنه متأخر فهو بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم , ففاطمة بنت المنذر تابعية ثقة حفيدة أسماء رضى الله عنها ، فهو من ناحية متأخر – يقينا – عن حديث عائشة رضى الله عنها الذى فيه جواز كشف الوجه والكفين , ومن ناحية أخرى فهو لايختص بأمهات المؤمنين فقط , كأثر عائشة رضى الله عنها – مع تقدير ثبوته – كنا إذا حاذانا الركبان … الحديث .

لكن ،

يثار تساؤل هل هذا الأثر كاف للقول بالنسخ أم هو قرينة يستأنس بها فقط ؟ أرى والله أعلم أنه غير كاف لإثبات النسخ عند من ذهب للقول به , ويعارضه آثار أخرى – سنراها بإذن الله – فى حجة النبى صلى الله عليه وسلم وغيرها، فأقول وهذا الأثر يستدل به القائلون بعدم وجوب تغطية وجه المراة , وإن فعل أسماء وفاطمة يستدل به على جواز تغطية وجه المرأة المحرمة أو استحباب ذلك , وهم لم ينازعوا فى ذلك .

يقول الخطابى : فأما سدل الثوب على وجهها من رأسها فقد رخص فيه غير واحد من الفقهاء , ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع , وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها عطاء ومالك وسفيان الثورى وأحمد بن حنبل وإسحاق وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعى القول فيه ( معالم السنن 2/179 ) وفى كلام الخطابى أنه قال : رخص فيه غير واحد من الفقهاء , ولم يقل أوجبه .

ويقول ابن قدامة: والمرأة احرامها فى وجهها , فإن احتاجت سدلت على وجهها , وجملة ذلك : أن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها فى إحرامها كما يحرم على الرجل تغطية رأسه , لانعلم فى هذا خلافا إلا ما روى عن اسماء أنها كانت تغطى وجهها وهى محرمة , ويحتمل أنها كانت تغطيه بالسدل عند الحاجة , فلا يكون اختلافا . ثم قال : ويجتمع فى حق المحرمة وجوب تغطية الرأس وتحريم تغطية الوجه ولايمكن تغطية جميع الرأس إلا بجزء من الوجه , ولاكشف جميع الوجه إلابكشف جزء من الرأس , فعند ذلك ستر الرأس كله أولى , لأنه آكد , إذ هو عورة لايختص تحريمه حالة الإحرام , وكشف الوجه بخلافه , وقد أبحنا ستر جملته ( أى ستر الوجه ) للحاجة العارضة , فستر جزء منه لستر العورة ( الر أس ) أولى ( انظر المغنى لابن قدامة ( 3/301-302 ). يقول عبيدالله الرحمانى المباركفورى عن حديث أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها …. ( فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها .. ) وفى الحديث الرخصة للمرأة فى ستر وجهها للحاجة كما فعلت عائشة ومن معها من النسوة وهن محرمات عند مرور الرجال عليهن ( انظر مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 9/ 378 ) .

وفى الموسوعة الفقهية : اتفق العلماء على أنه يحرم على المرأة فى الإحرام ستر وجهها , لاخلاف بينهم فى ذلك , والدليل عليه من النقل ما سبق فى الحديث : ولاتنتقب المراة المحرمة ولاتلبس القفازين … وإذا أرادت أن تحتجب بستر وجهها عن الرجال جازلها ذلك اتفاقا بين العلماء , إلا إذا خشيت الفتنة أو ظنت فإنه يكون واجبا ( انظر الموسوعة الكويتية 2/157 ) .

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين