حجاب المرأة المسلمة (11)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لانبى بعده وبعد : نواصل حديثنا بعون الله تعالى عن حجاب المرأة المسلمة ،وقد تكلمنا فى الحلقات السابقة عن آيات الحجاب ثم انتقلنا إلى الأحاديث وذكرنا منها ستة أحاديث ونستأنف البحث . 

الحديث السابع : عن أم سلمة رضى الله عنها , قالت : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان لإحداكن مكاتب , فكان عنده مايؤدى فلتحتجب منه ( سنن الترمذى وغيره ح 1261 ) وقال الترمذى : هذا حديث حسن صحيح , ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع , وقالوا لايعتق المكاتب وإن كان عنده مايؤدى حتى يؤدى . وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبى ح 2867.

سند الحديث : الحديث مداره على نبهان مولى أم سلمة رضى الله عنها وهو مجهول ولم يوثقه إلا ابن حبان , قال الإمام الشافعى : لم أر من رضيت من أهل العلم يثبت حديث نبهان هذا وحديث نبهان قد ذكر فيه معمر سماع الزهرى من نبهان إلا أن البخارى ومسلما صاحبى الصحيح لم يخرجا حديثه فى الصحيح , وكأنه لم يثبت عدالته عندهما أو لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه , وقد روى غير الزهرى عنه إن كان محفوظا …. قال الشافعى رحمه الله : وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ،إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها ،إذا كان عنده مايؤدى على ما عظم الله به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين رحمهن الله , وخصصهن به، وفرق بينهن وبين النساء إن اتقين , ثم تلا الآيات فى اختصاصهن بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين , وهن أمهات المؤمنين ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها , وكان فى قوله صلى الله عليه وسلم – إن كان قاله – إذا كان لأحداكن – يعنى أزواجه خاصة ( انظر السنن الكبرى للبيهقى 10-54/-550) .

قال الحافظ ابن حجر عن نبهان : مقبول. ترجمة (7092) يعنى عند المتابعة , وإلا فهو لين الحديث , فحديثه ضعيف إلا إذا توبع , وقد تفرد بهذا الحديث – فيما أعلم – لم يروى عنه سوى الزهرى و محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة , وقال الدارقطنى فى رواية محمد بن عبد الرحمن : غير محفوظ , وقال ابن حزم فى المحلى : لايوثق , وقال ابن عبد البر : مجهول , وقال الإمام أحمد : نبهان روى حديثين عجيبين : يعنى هنذا الحديث , وحديث : أفعمياوان أنتما.

وقد ورد حديث بخلافه عن أم المؤمنين عائشة : أن سليمان بن يسار قال استأذنت عليها , فقالت : من هذا ؟ فقلت : سليمان : قالت : كم بقى عليك من مكاتبتك ؟ قال : قلت عشر أواق , قالت : ادخل , فإنك عبد مابقى عليك درهم , وهذا إسناد صحيح ( انظر تحقيق الأرناؤوط على حديث 26473 مسند احمد , وحديث أم سلمة ضعفه من المعاصرين الأرناؤوط , والألبانى ) والحديث له رواية اخرى عن نبهان قال : كنت أقود بأم سلمة بغلتها , فقالت : يا نبهان كم بقى عليك من مكاتبتك ؟ فقلت : ألف درهم فقالت : أفعندك ما تؤدى به ؟ فقلت نعم قالت أدفعها إلى فلان أخ لها أو ابن أخ لها , وألقت الحجاب , وقالت السلام عليك يا نبهان , هذا آخر ما ترانى , إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا كان لإحداكن مكاتب وعنده مايؤدى فلتحتجب منه , فقلت : ما عندى ما أؤدى ولا أنا مؤدى ( مسند الحميدي ح 291).

الاستدلال من الحديث : استدل به من أخذ بتحسين الترمذى والحاكم والذهبى , قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : أنه يقتضى أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز ما دام فى ملكها , فإذا خرج منه – أى من ملكها وجب عليها الإحتجاب , لأنه صار أجنبيا , فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبى ( انظر ثلاث رسائل فى الحجاب صـــ34 

.قلت : والراجح أن الحديث ضعيف – فلايؤخذ منه حكم – إلا أن الإستدلال منه على وجوب النقاب لغير أمهات المؤمنين , هو فرع من الكلام عن الأدلة من القرآن والسنة التى خصت أمهات المؤمنين – وقد سبق بيان ذلك فى المقالات السابقة. – الحديث الثامن : عن ابن مسعود رضى الله عنه , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها , ( صحيح البخارى ).

الاستدلال من الحديث: قال الشيخ التويجرى وفي نهيه صلى الله عليه وسلم أن تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كانه ينظر إليها دليل على مشروعية احتجاب النساء من الرجال الأجانب , وأنه لم يبق للرجال سبيل إلى معرفة الأجنبيات من النساء إلا من طريق الصفة أو الإغتفال ونحو ذلك , ولهذا قال : كأنه ينظر إليها فدل على أن نظر الرجال إلى أجنبيات ممتنع فى الغالب من أجل احتجابهن عنهم , ولو كان السفور جائزا لما كان الرجال يحتاجون إلى أن تنعت لهم الأجنبيات من النساء , بل كانوا يستغنون بنظرهم إليهن كما هو معروف فى البلدان التى قد فشا فيها التبرج والسفور ( الصارم المشهور صــ 95 ).

قال ابو الحسن بن القابسى : هذا من أبين ما تحمى به الذرائع , فإن وصفتها لزوجها بحسن خيف عليه الفتنة , فيكون ذلك سببا لطلاق زوجته , ونكاحها إن كانت ثيبا , وإن كانت ذات بعل كان ذلك سببا لبغض زوجته ونقصان منزلتها عنده , وإن وصفتها بقبح , كان ذلك غيبة ( صحيح البخارى لابن رجب 7/365- 366 ) قلت : هل المباشرة تعنى قصر النظر على الوجه , وبالتالى فهذا دليل على وجوب النقاب؟ المباشرة أوسع من النظر إلى الوجه فقط , ولقد نهى النبى صلى الله عليه وسلم الرجل من مباشرة الرجل كما نهى المرأة من مباشرة المرأة , كما فى الحديث الذى أخرجه الطبرى بسنده عن ابن عباس رضى الله عنهما : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لايباشر الرجل الرجل , ولا المرأة المرأة , ( والحديث أخرجه ابن حبان وقال الألبانى فى التعليقات الحسان صحيح لغيره ) قال الطبرى : وفيه من البيان أن مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة مفضيا كل واحد بجسده إلى جسد صاحبه غير جائز … وقد استدل الإمام مالك بحديث النهى عن المباشرة بعدم جواز تعرى النساء بين بعضهن البعض , قال ابن القاسم : سئل مالك عن الخدم يبيتون عراة فى لحاف واحد فى الشتاء , فكرهه وأنكر أن تبيت النساء عراة لاثياب عليهن , لأن ذلك إشراف على العورات , وذلك غير جائز لنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن مباشرة الرجال والنساء مع بعضهم البعض ( انظر صحيح البخارى لابن رجب 3/365 – 367 ) ويرجح القول بان المباشرة هى النظر إلى الجسد وليس إلى الوجه فقط , الحديث السابق الذى أشرت إليه : لايباشر الرجل الرجل ولا المرأة المرأة، وكذلك حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم : قال لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة , ولا يفضى الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد , ولاتفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد ( صحيح الترمذى ) وفى التمهيد قال ابن عبد البر وعن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلط بالناس من أجل أن يحزنه , ولا تباشر المرأة فى ثوب واحد من أجل أن تصفها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها ( انظر التمهيد 15/ 293- 294 ) وقال ابن الجوزى : ولاتباشر المراة المرأة كأن المباشرة هاهنا مستعارة من التقاء البشرتين للنظر إلى البشرة , فتقديره : تنظر إلى بشرتها ،و إنما نهى عن وصفها للزوج لأن المحاسن إذا ذكرت أمالت القلب إلى الموصوف , وكم ممن قد عشق بالوصف ( كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/299 ) قال الحافظ ابن حجر : لاتباشر المرأة المرأة . زاد النسائى فى روايته : فى الثوب الواحد . قوله فتنعتها لزوجها ووقع فى رواية النسائى من طريق مسروق عن ابن مسعود لاتباشر المرأة المرأة و الرجل الرجل , وهذه الزيادة ثبتت فى حديث ابن عباس عنده – عند النسائى , ثم جمع ابن حجر بين الحديثين , فقال : وعند مسلم وأصحاب السنن من حديث أبى سعيد بأبسط من هذا ولفظه : لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة , ولايفض الرجل إلى الرجل فى الثوب الواحد , ولاتفضى المرأة إلى المرأة فى الثوب الواحد قال النووى : فيه تحريم نظر الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المراة , وهذا مما لا خلاف فيه , وكذا الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع … ثم قال مستدلا من الحديث : ومما تعم به البلوى ويتساهل فيه كثير من الناس الإجتماع فى الحمام , فيجب على من فيه أن يصون نظره ويده وغيرهما عن عورة غيره , وان يصون عورته عن بصر غيره ( انظر فتح البارى للحافظ ابن حجر 9/ 338 – 339 ) وقال القارى فى معنى المباشرة : لاتباشر , من المباشرة وهى الملامسة فى الثوب الواحد ،وكذا قيد فى رواية النسائي( انظر عمدة القارى 20/219 ) وقال القسطلانى مستدلا من الحديث : ويحرم اضطجاع رجلين أو امرأتين فى ثوب واحد إذا كانا عاريين لما ذكر من الحديث السابق ( انظر إرشاد السارى 8/120 ) وفى مرقاة المفاتيح : قال : والمباشرة يعنى المخالطة والملامسة , وأصله من لمس البشرة البشرة …. ( انظر مرقاة المفاتيح 5/2050 ) .

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين