الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده , وبعد : سنتناول – بإذن الله تعالى حجاب المرأة المسلمة بشئ من التفصيل مستعرضين أدلته من الكتاب والسنة مستخدمين القرائن فى تحديد مسائل الخلاف والنزاع , كما هى الطريقة المتبعة فى البحوث التى أحررها فى هذا الباب
أولا : نصيحة : فى حديث تميم الدارى رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة , قلنا لمن ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ( صحيح مسلم )
1- إن فى صلاح المرأة صلاح المجتمع , فالمجتمع يتكون من عنصرين , هما الرجل والمرأة , فالمرأة نصف المجتمع وتلد نصفه الآخر , لذا فقد اهتم الإسلام بها غاية الإهتمام , وأوصى الله تعالى بها وبالإحسان إليها , وكفل لها حقوقها بما لم يأت فى أى شريعة من الشرائع أو منهج من المناهج على كثرتها وتعددها , فهى الدرة المصونه والملكة المتوجة فى كل مراحل حياتها . والوصية بها من آخر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم , كما بحديث : استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم … ( صحيح مسلم ) لكن فى نفس الوقت حذر من تفلتها من تعاليم شرعها واتباع هواها , لأن فسادها سيكون وبالا على المجتمع , كما حدث فى الأمم السابقة، ففى حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون ؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء , فإن أول فتنة بنى إسراءيل كانت فى النساء ( صحيح مسلم ) ،وكذلك حديث أسامة بن زيد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ما تركت بعدى فتنة هى أضرعلى الرجال من النساء ( متفق عليه ) وقد قدم الله تعالى فى كتابه العزيز فتنة النساء على سائر فتن الدنيا , قال الله تعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ( آل عمران : 14 ).
وحجاب المرأة جزء من كل : هذا الكل هو منهج متكامل لإقامة المجتمع على الصلاح والعفة والطهارة والإستقامة، هذا المنهج الذى شرعه الله تعالى لكل عنصر من عناصر المجتمع
2- الحجاب فرض الله تعالى على المرأة : فليس لها الخيار طالما تنتسب إلى هذا الدين , كما أنها ليس لها الخيار فيما افترضه الله عليها من سائر الفرائض كالصلاة والصيام وغير ذلك، فشرع الله تعالى يقابل بالسمع والطاعة، قال الله تعالى : ( فلاوربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) ( النساء : 65 ) فلا يجد العبد فى صدره حرجا من أوامر الله تعالى ونواهيه , وحرج المرأة من الحجاب يكون تابعا لعدم أدائها العبادات والطاعات كما ينبغى , فلو وجدت لذة الطاعة لفتشت عن كل ما يرضى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ونفذته بحب وإقبال
.3- ترك الحجاب كبيرة من الكبائر : ففى حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات , رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة , لايدخلن الجنة ولايجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ( صحيح مسلم ) قال الإمام النووى : هذا الحديث من معجزات النبوة , فقد وقع هذان الصنفان… قيل معناه كاسيات من نعمة الله تعالى عاريات عن شكرها ،وقيل تستر بعض بدنها وتكشف بعضه، أو تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها ( انظر شرح النووى على مسلم 14 / 110 ) أو تلبس ملابس تحدد تفاصيل جسدها تماما . وفى حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما : أمر النبى صلى الله عليه وسلم بلعنهن فقال : …. نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف , العنوهن فإنهن ملعونات ( أخرجه ابن حبان وحسنه الألبانى ) ( البخت : جمال طوال الأعناق , أى أنها تكبر شعر رأسها وترفعه كالعمامة لتلفت النظر إليها ). ولقد حذر الإسلام من التبرج أشد تحذير إلى درجة انه قرنه بالشرك بالله والزنا والسرقة وغيرها من المحرمات , ففى حديث بيعة النبى صلى الله عليه وسلم الذى يرويه عبدالله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما , قال : جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام , فقال : أبايعك على أن لاتشركى بالله شيئا , ولاتسرقى ولاتزنى , ولاتقتلى ولدك , ولاتأتى ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك , ولاتنوحى ولاتتبرجى تبرج الجاهلية الأولى ( مسند أحمد ح 685 , انظر جلباب المرأة المسلمة للألبانى ص 121 )
ثالثا : شروط الحجاب : الحجاب له شروط مأخوذة من الآيات والأحاديث , وهذه الشروط كلها تصب فى مقصد رئيس وهو منع المرأة من أن ترتدى أى زى يظهر شيئا من مفاتنها , بصرف النظر عن الأسماء , فالعبرة بالمعانى والمبانى وليست بأسماء يطلق عليها أسماء الحجاب , ثم هى لاتحقق شيئا من مقصده ولامعناه وهذه الشروط هى : 1- استيعاب جميع البدن : قال الله تعالى : وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ( النور : 4 ) وهذا الشرط سنعود إليه بالتفصيل , إذ هو الغرض من كتابة هذا البحث . 2- أن لايكون زينة فى نفسه ، وفى حديث فضالة بن عبيد رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ثلاثة لاتسأل عنهم : رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا , وأمة أو عبد أبق فمات , وامرأة غاب عنها زوجها , قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده فلاتسأل عنهم … ( مسند أحمد 23943, السلسلة الصحيحة 542 ) والتبرج هو أن تبدى المرأة من زينتها ومحاسنها ما يجب عليها ستره , وكما ذكرنا أن المقصد من الحجاب هو ستر زينة المرأة , فلايعقل أن يكون هو زينة فى نفسه , يقول الإمام الذهبى فى الكبائر : ومن الأفعال التى تلعن عليها المرأة إظهار الزينة والذهب واللؤلؤ من تحت النقاب وتطيبها بالمسك والعنبر والطيب إذا خرجت ولبسها الصباغات والأذرر الحريرية والأقبية القصار … ( انظر الكبائر للذهبى ص 135 )
3- أن يكون صفيقا لايشف : الملابس الشفافة تزيد المرأة فتنة وزينة , ونحن ذكرنا حديث النبى صلى الله عليه وسلم الذى فيه .. نساء كاسيات عاريات، وعن علقمة بن أبى علقمة عن أمه أنها قالت : دخلت حفصة بنت عبدالرحمن على عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها – وعلى حفصة خمار رقيق فشقته عائشة وكستها خمارا كثيفا ( السنن الكبرى للبيهقى ح 3265 , جلباب المرأة المسلمة ص 126 ). وعن هشام بن عروة : أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها – بكسوة من ثياب مروية ( نسبة إلى مرو ) وقوهيه ( نسبة إلى قوهستان بخراسان ) رقاق عتاق بعدما كف بصرها فلمستها بيدها ثم قالت : أف , ردوا عليه كسوته , قال : فشق ذلك عليه , وقال : يا أمة إنه لايشف , قالت : إنها إن لم تشف فإنها تصف !!! ( الطبقات الكبرى لابن سعد 8/199 , انظر جلباب المرأة المسلمة ص 127 )
4- أن يكون فضفاضا غير ضيق فيصف شيئا من جسدها : فرفع الفتنة لايتأتى إلا بالفضفاض الواسع , فأما الضيق وإن ستر لون البشرة , فإنه يصف حجم جسم المرأة , بل كل تفاصيل جسدها , وكأنها تمشى عارية، وفى حديث أسامة بن زيد رضى الله عنهما قال : كسانى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية ( ثياب تأتى من مصر ) مما أهداها له دحية الكلبى , فكسوتها امراتى فقال : لم لم تلبس القبطية ! قلت : كسوتها امرأتى . فقال : مرها فلتجعل تحتها غلالة فإنى أخاف أن تصف حجم عظامها ( مسند أحمد ح 21786 , انظر الثمر المستطاب للألبانى ص 318 ) ( الغلالة : مايلبس تحت الثوب يمنع وصف بدن المرأة )
5- ألايكون معطرا : عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما امرأة استعطرت ثم مرت عى قوم, ليجدوا ريحها فهى زانية ( مسند أحمد ح 19747 , صحيح الجامع 323 ) وفى حديث أبى هريرة رضى الله عنه : … قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من امرأة تطيبت ( تعطرت ) للمسجد فيقبل الله لها صلاة حتى تغتسل من اغتسالها من الجنابة ( مسند أحمد 7959 ) وفى رواية : أنه لاتقبل صلاة لامرأة تطيبت بطيب لغير زوجها حتى تغتسل منه غسل الجنابة ( انظر السلسلة الصحيحة ح 1031 ورواياته )
6- ألايشبه زى الرجال : فى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لايدخلون الجنة , ولاينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق والديه , والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال , والديوث … ( مسند أحمد ح 6180 والألبانى فى السلسلة الصحيحة ح 674 ) وفى حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ( صحيح البخارى ح 5885 ) فنهى كلا من الرجال والنساء عن مشابهة الآخر , فالرجل المتشبه بالنساء يكتسب من أخلاقهن بحسب تشبهه , والمراة المتشبهة بالرجال تكتسب من أخلاقهم حتى يصير فيها من التبرج والبروز ومشابهة الرجال مما قد يفضى ببعضهن إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرجال , وتفعل من الأفعال ما ينافى حياءها .
7- ألا يشبه زى الكافرات : وهذه قاعدة عظيمة فى الشريعة الإسلامية , وليست فى الزى فحسب – أن تتميز الأمة ولا تنماع وتذوب فى شخصية غيرها , ولو كان ذلك فى الملبس يقول ابن مسعود رضى الله عنه : لايشبه الزى الزى حتى تشتبه القلوب ( مصنف ابن أبى شيبة ح 34548 ) ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : إن المشاركة فى الهدى الظاهر تورث تناسبا وتشاكلا بين المتشابهين يقود إلى موافقة ما فى الأخلاق والأعمال , وهذا أمر محسوس فإن اللابس بثياب أهل العلم
مثلا ،يجد فى نفسه نوع انضمام إليهم , واللابس لثياب الجند المقاتلة مثلا , يجد فى نفسه نوع تخلق بأخلاقهم , ويصير طبعه متقاضيا لذلك ( اقتضاء الصراط المستقيم 1/44 ) وفى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تشبه بقوم فهو منهم ( صحيح سنن أبى داوود ح 4031 )
8- أن لايكون زى شهرة : وهو كل ثوب يقصد به الإشتهار بين الناس ولفت الأنظار إليه ،سواء كان الثوب غاليا يلبسه تفاخرا بالدنيا وزينتها أو خسيسا رخيصا يلبسه إظهارا للزهد والرياء وفى حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لبس ثوب شهرة فى الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ثم ألهب فيه نارا ( صحيح سنن ابن ماجه ح 3607 )
والله أعلم وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين
