الإِسكندريَّةُ

(مهداة إلى الإسكندرية في الشتاء )
…………………
مَا بَيْنَ الشِّعرِ
وبينَ القلبِ
تبوحُ مدينتُنا
عنْ أحلامِها الزَّرقاءْ .
وَقْتَ أنْ كانتْ
تَسْكنُ في أَعْيُنِنَا
أو في شُرُفَاتِ
البِنَايَاتِ البيْضَاءْ .
تَخْرُجُ في كلِّ مَسَاءٍ
عنْ صَمْتِهَا
تَأْتِي لِتُحدِّثَنَا
عنْ أَصْوَاتِنا المفْقُودةِ
ثُمَّ تُحدِّثنَا
عنْ أيَّامِنا المَنْثُورَةِ
خلفَ بياناتِ الإحصاءْ .
قال لي
يوماً
لا تأمنْ للبحرِ
إنَّهُ لا يُبقي وُدَّاً
أو يحفظُ عَهْداً
أو يَدومُ على حالٍ
فاحْذَرْ
كي لا تتعثَّرَ أقْدَامُكَ
بيْنَ
الشَّاطئِ والمَاءْ .
عِندَمَا
جِئْتُها أوَّلَ مرَّةٍ
صَوَّبتْ
نَحْوَ صَدْري سَهْماً
فألْقَتْني
حَالِمَاً
بيْنَ أصْدَافِها الملْسَاءْ .
وعلى متنِ موجَاتِها
ترحَلُ بي
حِيناً شَرقاً
وحِيناً غرْباً
وأَحْيَاناً لا أُحْصِيهَا
لأَمَاكِنَ في شتَّى الأرْجَاءْ .
الإِسكندريَّةُ
دهْشَةُ طِفلٍ
لمَّا تَرى البحرَ والموجَ
والصَّخرَ والغَيمَ
تُفْجِئُنَا كلُّ الأشْيَاءْ .
في الشِّتاءِ
ومِنْ كلِّ عامٍ
تَسبقُ أحْلامي خُطوَاتي
تُسْرعُ نَحوَ أَماكِنَ
أحْببتُها زمَناً
أخَذَتْ بعْضَاً مِنِّي
ثُمَّ أعْطتْني
تَذْكَارَاتٍ
كالجُدْرانِ الصَّمَّاءْ .
تلك النَّخْلاتُ
اللاتي
يَقِفْنَ على شارعِ البحرِ
يَرْقُبْنَ
مَنْ أبطَأَ في خُطَاهُ
ومَنْ يَعْدو
منْ يمشي خلفَ القلبِ
ومنْ يقسو
والعُيونُ مسدَّدَةٌ
باتِّجاهِ البحرِ
كَمنْ يَحْرسُ شطآنَهُ
من سُفُنِ الأعداءْ .
هذهِ الصَّخْراتُ
التي تَربِضُ
عندَ حافَّاتِ البحرِ
كالطَّودِ
تصدُّ جيوشَ الأمواجِ
المتتابعةَ الهوجاءْ .
هذه القلعةُ الحجريَّةُ
واقفةً
عند قوسِ البحرِ
تسائلُ مرتاديها
عن الجندِ والدرعِ
والأيامِ الخالية،
لا تعرفُ مِن حولِها
من شئٍ
إلَّا ارتطامَ الموجِ
بأسوارها العالية ،
كم كانت هنا
أفراحٌ وأحزانٌ باكية ،
هل تُرى
قد ولَّت أيَّامُها ،
وأتى حاضرٌ
كالليلِ بإظلامهِ
يتمطَّى
في كلِّ الأنحاءْ .
الإسكندريةُ
ياوردةَ الأيَّامِ الجميلةِ
اسمُكِ يسْكنُ قلبِي
وبحْرُكِ
يسْكنُ في عينِي
وشِتَاؤُكِ
ذَاكَ الفَارِسُ
يسْكنُ أمْسِي ويومي
وإِنْ
زاحمتْكِ مدائنُ أُخرَى
أَوْ أُطفِأتْ
مِنْ ليَاليكِ الأضْواءْ .